قبل أيام، وأمام عدسات التلفزة، صرخ مواطن عراقي يقف بين الأنقاض المحترقة قائلاً: إن الأميركيين يريدون النفط، فليقتلونا بقنبلة نووية وليأخذوه! لقد كانت صرخة مرتجلة غاضبة، تلخص جوهر الحرب الرهيبة الدائرة على أرض العراق، حيث الأميركيون ينقضون على العراقيين انقضاض الوحوش على الفريسة من أجل الاستيلاء على النفط بالدرجة الأولى، بعد أن حالت مقاومة الشعب العراقي بينهم وبين وضع يدهم بالكامل على هذا النفط، منذ الاحتلال وحتى يومنا هذا! تقدّر احتياطيات العراق الإجمالية من النفط، المستخرج والمستكشف والكامن، بحوالي 300-450 مليار برميل، ولعله آخر الاحتياطيات الضخمة في العالم عموماً، وفي وقت صار فيه الخوف جدّياً من نضوب هذه المادة الثمينة التي تنهض عليها الحضارة المعاصرة بجميع أشكالها، فنضوبها صار متوقعاً خلال عقود من السنين قد لا تتجاوز الخمسة، غير أن الأميركيين لا يهتمون عملياً ببدائل للطاقة النفطية قدر اهتمامهم بالاستحواذ على ما تبقى منها! وتقول آخر المعلومات أنهم يعدّون لاتفاقات إذعانية مع الحكومة العراقية تعطيهم الحق بوضع اليد على نفط العراق طوال عقود قادمة، سواء بقوا في العراق أو اضطروا للانسحاب منه، فهل سيمكنهم الشعب العراقي من ذلك وقد سمعنا ذلك المواطن العراقي يصرخ أنهم يحتاجون إلى قنبلة نووية من أجل إخضاعه؟ ولكن، إذا استخدموا قنابلهم النووية- وهو عمل مستبعد- فهل يبقى نفط يستأثرون به؟

***

إن ما يستدعي أشد الأسف هو انشغال إعلامنا وخطبائنا بأمور ثانوية في تغطية وتناول هذه الحرب التي تحرق الأخضر واليابس في العراق، فيهملون الموضوع المركزي ويبرزون مضاعفاته الميدانية التي ما كان لها أن تظهر لولاه وهو ما عبّرت عنه صرخة ذلك المواطن العراقي الصائبة المختصرة، بينما العدو لا يريد أية إشارة إلى الموضوع المركزي، ويريدنا أن نطلق الصرخات الطائفية والعرقية والمناطقية!

إن الاحتكار البترولي هو الركن الأساس من أركان هذا النظام الدولي الربوي الإبادي. إنه أعظم الشركات المتعددة الجنسيات قاطبة، فهو كائن عملاق معقّد، له تاريخ طويل متسلسل، وله قصة نشوء وارتقاء تشبه قصة نشوء الأمم وارتقائها! وقد تألف هذا الاحتكار من شركات عديدة ذات حجوم شديدة الاختلاف، أما نشاطه فيشمل استخراج وتوزيع الطاقة النفطية في جميع أسواق العالم، وتصنيع مشتقات النفط وتوزيعها بدورها، ومراقبة منتجي النفط بلداً بلداً كي لا يتعدى نشاطهم الحدود الأمنية لكيانه الاحتكاري الاقتصادي، كما أنه يدير هيئة الطاقة الدولية التي تضم كبريات الدول الرأسمالية، ويراقب الحالة النفطية العالمية متفحصاً الحقول القديمة ومستكشفاً الجديدة والمحتملة، كذلك هو يراقب الإنتاج العالمي ويضبطه رفعاً أوخفضاً بما يتفق مع مصالحه، إضافة إلى التدقيق المستمر في صلاحية معدات الإنتاج ووسائط النقل من أنابيب وناقلات برية وبحرية في جميع أنحاء العالم!

***

تتوزع الشركات الرئيسية للاحتكار النفطي العالمي على الدول الرأسمالية التي تأتي الولايات المتحدة في مقدمتها، تليها بريطانيا عن بعد،وجدير بالذكر أن هذا الاحتكار يهتم بشؤون الطاقة على اختلاف أنواعها، كالطاقة النووية والطاقة الشمسية وغيرهما، فهو يراقب تطور الأبحاث المتعلقة بالطاقة ويعمل على إيقافها تارة أو على دفع أعمالها إلى الأمام تارةً أخرى، تبعاً لمصالحه المبنية على جملة من المعطيات الدقيقة المعقّدة المتعلقة بالوضع الدولي! وكما هي العادة، تتناقض مصالح الشركات التي يتكون منها الاحتكار النفطي، فتتنافس إلى درجة الاقتتال أحياناً، لكنها تبقى دائماً كتلة واحدة تجاه مصالحها العالمية وفي وجه الأمم الأخرى. ومن أجل كل ما يحفظ لها كيانها وأسواقها، ويبدو ذلك واضحاً تماماً في إيران وباكستان والصومال والسودان وليبيا وكوبا وفنزويلا وكوريا الشمالية وغيرها، وخاصة في العراق حيث يخوض الاحتكار النفطي حرباً مصيرية حقاً!

***

لقد اهتز موقع الولايات المتحدة الدولي خلال العقود الثلاثة الماضية، غير أن ميزتها عن سواها ظلت تبرز في احتلالها مركز البائع إزاء اليابان وأوروبا، بفضل سيطرتها على كارتل النفط وأيضاً بفضل سيطرتها على الكتلة النقدية الدولية التي تعتمد بشكل رئيسي على القيمة البترولية الفائضة، لكن هاتين الميزتين لم تكفياها لتجنب خوض الحروب في حوض المحيط الهندي عموماً وفي المنطقة العربية خصوصاً، فواشنطن التي اهتزّ موقعها تريد تثبيته بحسم الوضع الدولي لصالحها نهائياً عن طريق الحروب والسيطرة المباشرة على مكامن الطاقة النفطية!

إن السيطرة الأميركية المسبقة على كارتل النفط، وأيضاً السيطرة على الكتلة النقدية الدولية بفضل النفط، مكنتا واشنطن ومازالتا تمكنانها من إدارة حروبها الضارية ضدّ بلدان العالم عموماً، وضدّ بلادنا على وجه الخصوص، بالطرائق والعناوين التي تناسبها، بحيث لا يشار إلى مسبباتها وأهدافها الحقيقية، بل تعلن أسباب وأهداف أخرى، وتجري لاحقاً المحاولات الميدانية لإبراز هذه الأسباب والأهداف الأخرى المصطنعة كأنما هي موضوع الصراع!

إن الكارتل النفطي الأميركي يحاول كعادته تبرير حربه اليوم بأسباب وأهداف أخرى، آملاً أن تنطلي تلفيقاته على الضحايا كما كان يحدث في الماضي، فيشغلهم عنه ببعضهم ويمضي بغنيمته، غير أن المواطن العراقي، نيابة عن الفلسطيني واللبناني والعربي عموماً، يصرخ: أيها الأميركيون، أنتم تحاربوننا من أجل النفط وسوف تخسرون هذه الحرب!