بانتظار الأشهر القادم فإننا نقف على حدود البحث، لأن الدخول إلى دمشق كعاصمة للثقافة العربية" يتركنا أمام الأسئلة المفتوحة، وهي من نوع جديد وقديم ولا تقف عند حدود التعرف على ثقافة مدينة متحركة على مساحة الحضارات التي عاشت فيها.

عند أول صورة لدمشق فإننا لن نرى مساحات فارغة، فهي بالفعل لم تكن عاصمة للون بشري، ومن هذه الزاويا يمكنني أن أبحث فيها من جديد، وعلى الأقل ضمن الزمن الذي استوعبني أو استطعت تلمس ملامحه من خلال أجيال قبلي أو ربما أجيال ستأتي بعدي، فهل تصبح دمشق عاصمة لقراءة "التحرك الثقافي".. أو حتى مجالا للبحث عن "التحول" و "التبدل" وقراءة "اللون العربي" بكل إشكالاته وانفراجاته؟!! عندما أرى دمشق فإنني استطيع تخيل حالة معاصرة رسمها نزار قباني على امتداد أكثر من نصف قرن... أو سماع صوت فيروز الذي شكل دمشق على جغرافية خاصة ارتبطت بالذاكرة وتركت ملامح متفاوتة ما بين الحزن والفرح والرغبة في معانقة العمران الدمشقي كما تخيلناه في طفولتنا...

في صور دمشق المعاصرة أشكال بقيت حاضرة فينا رغم التحولات السكانية والعشوائيات وتبدل الثقافة نحو التراث بدلا من تاريخ "الحرية" الذي تبنيته رغم أنني لم أعايشه.. وفي صور دمشق التاريخية صراعات حادة وأوقات من "الهدوء" المميت لكنها في النهاية تبقى دمشق التي صورت "الثقافة" على شاكلتها.. فهل نبحث عن هذا التشكيل؟

أحاول أن أبدأ من السؤال لأن "عاصمة الثقافة" يمكن أن تصبح مهرجانا يخطف الأبصار، ثم ننام على هذا اللون لسنوات، ويمكن أيضا أن نفجر السكون الثقافي الذي أصبح عادة مملة، بعد ان انتهى عصر النظر إلى الحياة كإمكانية مفتوحة الاحتمالات..

في دمشق الإناث يحملن الجمال الذي كتب المدينة.. والذكور الذين رسم الزمن صورته على وجهوهم بألوان عجزنا عن التعبير عنها، فآثرنا رسم المدينة على شاكلة دراما تحصر الحياة بين حي قديم ومجموعة من "الرجال" لا نعرف كي جسدهم الراوي او "كاتب السيناريو".

علينا أن نحضر أنفسنا لأسئلة صعبة.. فدمشق عاصمة للثقافة ليس تحديا احتفاليا.. وهو لا ينتمي لزمن غارق في حلم الماضي واستحضاره عبر خيالات مريضة.. عاصمة الثقافة هي الأسئلة التي تحاصرنا عن واقع المدينة وحركتها وإمكانية الحياة فيها.. عاصمة الثقافة هي الإنتاج الثقافي بدلا من رفض ثقافة الآخر... هي اللون الزاهي الذي يدفع الأجيال لمعرفة ذاتها بدلا من اتباع الشكل النمطي لماضوية التراث.