لا تقتصر "الاختاقات المرورية" على شوارع المدينة الغارقة بسيل السيارات، أو بدخان التلوث الذي يجعلها تحلم بزمن "الانتخابات" على إيقاع "بيئة نظيفة" سياسيا وصحيا. فهذه الاختناقات تجتاح الواقع السياسي في مرحلة "التحضير" لعمليات الانتخاب، فتنتعش الحركة بشكل سريع، ويسترجع البعض ذاكرته وتعود إليه صور "وجوده السياسي" القديم، ويباشر صراعا لاختراق "الازدحام"، وضمان ترشحه من جديد لانتخابات ننتظرها كل أربع سنوات، بينما يستعيدها بعض المرشحين في زحمة "الحملات" والتنافس والصور الموزعة في كل زوايا المدينة.

ربما لم تشهد أي ساحة سياسية اختناقات مرورية بعدد المغادرين منها كما حدث خلال العقد الأخير في الشرق الأوسط عموما .. حيث لم يقتصر الأمر على انكفاء الكوادر بل تجاوزه إلى القيادات وأعضاء المكاتب السياسية، حتى أن البعض مازال مسجلا في المكاتب السياسية رغم انه نسي "الحلم الإيديولوجي" الذي رافقه عندما ارتقى في السلم الحزبي. لكنه رغم ذلك لا يمانع في "المقارعة" أو زج نفسه في زحمة "الاختناقات" خلال الحملات الانتخابية.

والاختناق المروري على الساحة السياسية يظهر بوضوح قبيل الانتخابات، عندما يصبح الكثير من المرشحين "أصحاب" مشاريع سياسية أو حتى بيانات تذكرنا أن الحياة السياسية يمكن أن تنتعش، ويمكن أيضا أن تزدحم أمام المواطن. فلا يستطيع الاختيار لأن عمليات الترشيح للدور التشريعي تجعل من "المستقلين" منظرين دون تيار. وفي المواسم الانتخابية يزداد الأمر تعقيدا، لأن حركات التجديد تنتعش باستبدال الكلمات أو الصور، ويستخدم البعض "المنبهات" على نفس طريقة السيارات ليعبروا عن انزعاجهم، ولا نعرف لماذا استفاقوا فجأة أو قرروا تذكر ماضيهم السياسي، رغم أن وجودهم المتكرر او المتقطع كنواب لم يلحظه أحد على امتداد السنوات.

والاختناق المروري لم يدفع المغادرين أو الصابرين داخل الحركات السياسية لقراءة مشاريعهم من جديد، فهم مزدحمون على خط المغادرة ما بين الحزب والساحات الاجتماعية ... وهم أيضا مغلفين بالدهشة للهامش السياسي الذي يبقي تيارا كاملا على الخط الفاصل ما بين الحزب وأشكال الحياة الاجتماعية الأخرى.

هذا الاختناق يدفع الحياة السياسية نحو بناء حالة من الافتراضات الدائمة حول ما يريده المواطن، او ما يحلم به قبل الحملات الانتخابية وبعدها... وربما تكون التحليلات صحيحة لكنها غارقة في الأزمة، وعاجزة عن تجاوز عمليات الاختناق التي رافقت عصر الإخفاق لصالح ثقافة النسيان، ثم الانتعاش مع كل موسم انتخابي..

ربما ننظر بعد الانتخابات فلا نجد إلا بقايا الاختناقات المرورية التي تراجعت قليلا، ولا تبقى إلا الصورة التي وعدنا بها البعض، ونفتقد "التحرك" الذي اعتدنا عليه أو اعتاد علينا ونحن نتعامل مع العملية التشريعية، فيدخل البعض في ثباته الموسومي بانتظار الانتخابات القادمة، بينما يتذكر آخرون أن هذه التجربة حق علبنا أن نعيشه دون "اختناقات مرورية".

مصادر
سورية الغد (دمشق)