النهار / سركيس نعوم

أكثر من مرة تعثّر اقرار لبنان المحكمة ذات الطابع الدولي التي قرر مجلس الأمن انشاءها للنظر في اغتيال الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري. المرة الاولى كانت يوم استشهاد النائب والاعلامي جبران تويني في كانون الأول 2005 اذ انسحب وزراء حركة "امل" و"حزب الله" من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، احتجاجاً على ما اعتبروه استغلالا من فريق الغالبية الحكومية لدماء الزميل الشهيد لإمرار المحكمة. والمرة الثانية كانت يوم استقال الوزراء انفسهم ومعهم وزير رئيس الجمهورية في الحكومة في النصف الأول من تشرين الماضي احتجاجاً على عزم فريق الغالبية الحكومي نفسه على المضي في اقرار المحكمة. والمرة الثالثة بدأت قبل اسابيع وذلك بمنع فريق المعارضة الذي يقوده "حزب الله" ويضم في صفوفه رئيس مجلس النواب، هذا المجلس من الانعقاد في الدورة العادية التي انقضت وبالحؤول دون فتح دورة استثنائية تتيح له الانعقاد للنظر في موضوع المحكمة وفي قضايا اخرى ملحة. ومن الطبيعي الاشارة في هذا المجال الى ان التعثر المتعمد المفصل أعلاه وخصوصاً الفصل الاخير منه ما كان لينجح لو لم يساهم فيه بفاعلية رئيس الجمهورية العماد اميل لحود نظراً الى موقعه وحق التوقيع الذي يمنحه اياه هذا الموقع. ماذا فعلت الغالبية حيال التعثر المتعمد والمشار اليه اعلاه؟ حاولت أولاً، ولا تزال تحاول، اقرار المراحل المتنوعة لانشاء المحكمة، عبر الآلية الدستورية. وحاولت ايضاً تعبئة الشارع اللبناني معها ومع المحكمة ولكن بعدما بدأت المعارضة تحركاً شعبياً واسعاً لاطاحة الحكومة والغالبية النيابية التي تدعمها ومع الاثنتين المحكمة ذات الطابع الدولي. لكن هذه التعبئة التي نجحت في اقناع المعارضة ضمناً باخفاقها في تحقيق اغراضها السياسية فشلت حتى الآن على الاقل في اقناعها بضرورة إمرار المحكمة، والمحاولتان لا تزالان مستمرتين. لكن بدأ معهما منذ مدة تلويح من اعضاء الغالبية الحكومية والنيابية بامكان مبادرة مجلس الأمن الى استعادة موضوع المحكمة ذات الطابع الدولي واصدار قرار جديد بتأليف محكمة دولية صرف تحت الفصل السابع. الا ان هذا التلويح على القلق الذي اثاره في نفوس المعارضين، لم يتسبب لهم بأي خوف، أولاً لأن الدول الكبرى التي يفترض انها تؤيد لبنان بعد 26 نيسان 2005 وحكومته "الشرعية" وغالبيته النيابية الشرعية لم تبدِ في تعليقاتها على تولي مجلس الأمن موضوع المحكمة من جديد حماسة تذكر. ولأنها استمرت في الاعراب عن املها في نجاح المؤسسات الدستورية اللبنانية في اقرار المحكمة رغم الصعوبات المعروفة ولأنها اشارت الى ان عودة هذا الموضوع الى مجلس الأمن تتطلب آليــــة جديدة ووقتاً طويلاً. لكن ما فاجأ اللبنانيين كان الطريقة الجازمة التي تحدث فيها رئيس تيار "المستقبل" النائب سعد الحريري قبل ايام عن اقرار المحكمة في مجلس الأمن تحت الفصل السابع اذا تعذّر اقرارها في لبنان. وأثار هذا الامر تساؤلات عدة منها: هل ان النائب الحريري يملك معلومات جديدة عن مواقف القوى الدولية الكبرى تجعله واثقاً ان طريق اقرار المحكمة في مجلس الأمن ستكون معبّدة وانه لن يواجه اعتراضاً مرشحاً للتحول "فيتو" من قوى بدأت تظهر معارضتها لزعيمة العالم – أي الولايات المتحدة – بوقوفها في شكل او في آخر بجانب دول معادية للأخيرة، ومنها من ترفض المحكمة جملة وتفصيلاً اقتناعاً منها بأنها تستهدفها مباشرة؟ ومن التساؤلات ايضاً: هل ان النائب الحريري حصل في جولاته الدولية الاخيرة على ما يطمئنه في موضوع المحكمة؟ طبعاً، ليست هناك أجوبة دقيقة وجازمة عن هذين التساؤلين وعن تساؤلات أخرى كثيرة. ولذلك لا بد من انتظار التطورات في لبنان والمنطقة بغية الحصول على أجوبة عنها. الا ان ما يمكن لفت الجميع اليه في هذه المرحلة هو امور ثلاثة: الأول، ان نجاح مجلس الأمن في اقرار المحكمة يحتاج الى توافق الخمسة "الكبار" في العالم. وذلك لا يبدو متوافراً. والثاني، ان حصول هذا التوافق يعني ان المجتمع الدولي قرر مواجهة من يرفض المحكمة من خارج لبنان ومن يعطلها لمصلحته في الداخل. وذلك يثير سؤالاً مهماً هو: هل ان الخارج الرافض هذا سيستسلم ويرضى بقدره كما فعل في ربيع 2005 ام انه سيقاوم وكالعادة بواسطة اللبنانيين الأمر الذي يقود البلاد الى حرب أهلية وحتى مذهبية وطائفية تجعل المحكمة كلها غير ذات موضوع؟ اما الأمر الثالث، فهو ان استعادة مجلس الأمن موضوع المحكمة لمعالجته لا يمكن ان يتم على البارد، فهل يشهد لبنان فوضى داخلية أو ربما حرباً تدفع المجلس الى وضع يده ليس على المحكمة فحسب بل على كل الوضع اللبناني؟ في أي حال نحن لا نثير هذا الاسئلة للتهويل على اللبنانيين او على غالبيتهم المؤيدة لقيام محكمة ذات طابع دولي، فنحن مع المحكمة ومنذ البداية. وسنبقى معها لأنها كفيلة بوقف مسلسل الاغتيالات والتخريب، أياً يكن المخططون لها والمنفذون فضلاً عن المحرضين وبمنع المتضررين من استعادة لبنان سيادته واستقلاله وحريته وديموقراطيته واستقراره وعيشه المشترك من تحقيق اهدافهم. لكننا في الوقت نفسه ندعو الجميع وفي مقدمهم "14 آذار" و"8 آذار" الى التبصر والتفاهم لأن رفضهما ذلك او عجزهما عن ذلك سيقود البلاد الى المجهول. والأمران يتطلبان شجاعة فائقة في وجه الذات والانصار والخارج وانتصاراً على الذات. ونحن نميل الى الاعتقاد أن ذلك متوافر لدى المطلوب منهم القيام به.