أسوار المدينة.. الحد الفاصل بين عالمين:

دمشق.. أو الشام.. اسم واحد لوجهين لا يشبهان نفسيهما أبداً، كما لو أن الاسم شهد انفصالاً، لا في التوصيف الزمني بين مدينة قديمة وأخرى حديثة.. وإنما هو انفصال طال كل شيء حتى الإنسان. الانطلاق من داخل أسوار المدينة القديمة تفرضه ملاحقة لتاريخ المدينة من بدايته، فهنا أقدم عاصمة مأهولة في العالم، وأقدم مدينة مأهولة بالسكان في العالم أيضاً. ورد ذكرها في مخطوطات مصرية تعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وهنا أهم مراكز الثقافة العربية والإسلامية في العالم العربي.. وهنا تأخذ دمشق وجهها المعماري والعمراني الذي يخبئ في بساطته سحراً سرعان ما صبغ طابع المدينة القديمة، بوصفها إرثاً إنسانياً وحضارياً قديماً يحمل خصوصيته التي أثرت بحضارات عديدة عايشتها، فكان الغازي قبل الزائر، يحمل من عمران دمشق ما يلهم عمارة بلاده.. وعند حدود أسوار المدينة القديمة، في أماكن لا تبعد عنها سوى عدة أمتار أحياناً بدأ الإسمنت يروي كلاماً آخر، ويفرض سمات جديدة على المدينة ليس أولها برودته، وانفصاله عضوياً عن جسد المدينة القديمة، وكأن الأسوار بدت حداً فاصلاً بين عالمين متناقضين.

مدينة الملايين والتلوث والاختناق المروري: دمشق مجدداً، عاصمة الخمسة ملايين نسمة بين (مقيم وزائر ومتنقل)، ونحو مئتي ألف سيارة تسير في شوارعها، منها 5268 ميكرو باصاً، و17880 سيارة عامة.. مدينة تختنق شوارعها بالزحام المروري، كما يختنق هواؤها بملوثات فاقت نسبتها الحد المقبول به عالمياً، فغرقت المدينة في ظلال غيمة سوداء.. وبشعارات الدعوة للحفاظ على ما تبقى من أخضرها، الذي انخفض اليوم على نحو كارثي إلى مساحة إجمالية، تقدر بـ 7% من المساحة العامة للمدينة. مقابل الأخضر بدأ وجه المدينة المعماري ينمو بقسوة لم تعرفها دمشق من ناحية الارتفاعات والشكل المعماري للأبنية واختلاط الطرز المعمارية.. وعلى نحو مواز بدأت التجمعات السكنية المخالفة بالظهور على أطراف المدينة، ومن جميع جهاتها كرد فعل لعوامل متعددة، منها الاقتصادية والديموغرافية والظروف الطبيعية، فاندفع عدد كبير من سكان المناطق والمدن الأخرى للنزوح نحو دمشق للإقامة على أطرافها، دون التقيد بقوانين ونظم ولوائح التخطيط العمراني.

الفقر أيضاً.. حد فاصل:

هذا النمو المتسارع للتجمعات السكنية العشوائية أدى إلى مشكلات اقتصادية واجتماعية وصحية وغيرها، إذ تفتقر هذه المناطق للخدمات الضرورية مثل الكهرباء ومياه الشرب النقية وشبكات الصرف الصحي، وغيرها من الخدمات الأساسية.. وبين قلب منظم (على نحو نسبي) عمرانياً ومعمارياً، وأطراف عشوائية منسية عادت دمشق لتنقسم مرة ثانية لتصير مدينتين هذه المرة الحد الفاصل بينهما هو الفقر.. وهو حد يفرض شروطه على نحو فج، إذا ما تحدثنا مثلاً عن حدوده الفاصلة بين مزة جبل، ومزة 86 مثلاً، وبين ركن الدين ومنطقة الشيخ خالد، ومشروع دمر، ودمر البلد..، وهو حد لا يفصل بين مظهري عمران مختلفين، وإنما بشكلين للحياة مستقلين تماماً.

سمعة أكبر بكثير من الواقع:

سمعة دمشق الحديثة أكبر بكثير من واقعها.. قناعة ستواجه داخل دمشق بدءاً من مداخلها.. فإذا ما تجاوز بانوراما المدينة في مدخلها الشمالي، فتجمع القابون السكني العشوائي سيبدد أي إبهار انتابه منها..، وجاء قرار منظمي خط بولمانات السفر السياحية ليساهم في تبديد هذا الإحساس، إذ يفترض عليها، وفق لمخطط إجباري سيرها، أن تنحرف عن الأتوستراد النظامي نحو شارع فرعي وعلى ضفافه تماماً تنتشر بيوت عشوائية ومحلات خردة ومحلات لتصليح السيارات.. فإذا ما عرفنا أن هذه البولمانات هي وسيلة النقل الأكثر استعمالاً للتنقل بين المحافظات، ومن روادها بالطبع سيكون السياح و ضيوف البلد.. فهذا بمجمله يعني فيما يعنيه أن دمشق العاصمة استقبلت زوارها من مدخلها الشمالي بكل ماسبق من مظاهر التلوث البصري.

متعة التلوث البصري.. ترحب بكم:

المدخل الجنوبي للمدينة لن يكون أوفر حظاً من الشمالي، سواء من الطريق القديم الذي يخترق مدينة عشوائية، بكامل مظاهرها المخالفة والملوثة من سكن ومناطق صناعية.. أو حتى من الطريق الحديث الذي شق بين مناطق عشوائية على نحو تتولى منطقة نهر عيشة بكامل عشوائيتها و(هرمشة) أبنيتها التي سببها شق الشارع، مهمة الترحيب بالقادمين إلى المدينة من مدخلها الجنوبي.. ولا ننسى هنا لفت الأنظار إلى طريق المطار، المدخل الدولي للمدينة إذا صحت التسمية، وما يقبع على أطرافه من تنظيمات سكنية عشوائية.. ينطبق عليها حال أحياء القابون ونهر عيشة والقدم وغيرها من أحياء الترحيب بزوار دمشق.. فإذا ما تجاوزنا المدخل الشمالي للمدينة نجد أن دمشق العاصمة، تفتقر لمدخل مخطط هندسياً بعناية وعلى نحو يليق بمدخل عاصمة، هندسياً وجمالياً.. فإذا كانت مداخل المدينة على هذا النحو، فما هو حال المدينة نفسها؟!

عمود المرجة.. أفضل ما في وسط المدينة:

المرجة هي وسط المدينة النظامي، لا تحمل من وجهها الحقيقي إلا العامود المنتصب في وسط ساحتها، أما محيطها فهو حائر بين عدد من الطرز المعمارية تتفاوت فيه ارتفاعات أبنيته على نحو فجائي، يميزها مجمع يلبغا المبنى صاحب المدة الأطول إنشائياً ربما في تاريخ العالم (مازال العمل قائماً به حتى الساعة)، بالإضافة إلى مبنى برج دمشق، وهو مبنى مكون من 25 طابقاً هو الأعلى في المدينة، لكنه ينتصب دون أن يحمل شيئاً من طابع المدينة، أو حتى يجمل امتياز عصره التكنولوجي أو المعماري. فيبقى مجرد متوازي مستطيلات إسمنتي لا روح فيه ولا معنى.. وقريباً من يلبغا وبرج دمشق، تتوزع الأبنية بإيقاعات مختلفة يخترق تجمعها نهر بردى.

بردى.. فيلم مكسيكي طويل:

النهر هو حكاية دمشقية مضحكة، إذا ما قيس بطريقة التعاطي الحكومي معه، فالنهر الذي تعرض لأزمات على مدار السنوات الخالية، مرة منها حين وجهت مياه الصرف الصحي في المدينة لتصب فيه بالإضافة إلى مخلفات المعامل وسواها، عاد لأزمة جديدة مرة أخرى حين لم نكتف بتبليطه فقط، بل وزرعناه، ليحكم عليه بأن يتحول إلى مجرد قناة صغيرة .. وحكاية التخطيط الحكومي مع النهر بدت كفيلم مكسيكي طويل تقلبت طريقة التعاطي معه من اقتراح إلى آخر دون جدوى.

(لا تقول فول) حتى يكتمل المشروع:

على ضفة النهر الجنوبية امتدت أبنية معرض دمشق الدولي القديم، وحتى اللحظة التي كان قائماً فيها، كان المعرض ملمحاً أصيلاً لدمشق، ثم كان انتقال المعرض إلى طريق المطار لينتهي الأمر بتخصيص هذه المنطقة كحديقة، وعند هذا الحد حمدنا الله على زيادة المساحة الخضراء في المدينة. المشروع إلى الآن لم يباشر به، وما نخشاه أن يبقى المشروع حبراً على ورق، و(لا تقول فول..) حتى يفرض اللون الأخضر نفسه على هذه المساحة، وإلا فكل الاحتمالات قبلها مفتوحة.

العاصمة.. تفتقر لكراج سيارات واحد:

بالقرب من المعرض وتحت جسر الرئيس تماماً توجد حالة تعايش غريب في الركن الذي تحول إلى مجمع أكشاك، الصحف والكتب وأن بدت هي الغالبة على المظهر العام الذي لا يخلو من بسطات الطعام وسواها، إلا ثمة رائحة شيء مزعجة وسطها.. والمعاينة أبلغ. وليس بعيداً عن هذا الركن، البؤرة، تصطف سيارات الخدمة (السرافيس) في أكثر من مسار.. والموقف هنا على بؤسه هو من أفضل مواقف السرافيس الموجودة في المدينة، فعند معاينة المواقف الأخرى سيعرف المرء أي نعمة يعيشها سائقو سرافيس تحت الجسر.. في وسط دمشق (العاصمة) ثمة أربعة تجمعات للسرافيس التي تنقل الراكب ضمن المدينة, في البرامكة بجانب الاتحاد الرياضي ثمة شارع ترك للسرافيس وللأوساخ على أنه مواقف لها، وبالقرب من مشفى المجتهد ثمة كوع شارع عريض قيل أنه مواقف للسرافيس، وبالقرب من سوق (الحرامية) وفوق الوسخ وبقايا الأبنية ثمة موقف رابع للسرافيس.. وجميع هذه المواقف (طبعاً إذا تجاوزنا المعنى الحرفي لكلمة موقف، واكتفينا بمدلالوتها كمكان لتجمع السيارات وحسب) متروكة للاشيء فلا تنظيم ولا ضوابط دخول وخروج، ولا أرصفة صعود وتوقف، ولا إنارة ولا مظلات للوقاية من الشمس أو المطر.. بكلمة مختصرة، لا يوجد في دمشق المدينة العاصمة مكاناً واحداً يمكن اعتباره موقفاً رسمياً للسرافيس المدينة، لدينا أماكن تجمعات لها فقط.

والمواقف على حساب الشارع.. ومعية الشباب:

ليست السرافيس وحدها في دمشق لا تجد مكاناً مناسباً لها للوقوف، بل سيارات المدينة بأكملها، إذ تكاد أحياء المدينة بالكامل أن تفتقد لمواقف للسيارات فيها، إلا عدة مناطق لا تشكل شيئاً لو قيست بمساحة المدينة، أما وسط المدينة وباستثناء المواقف الطابقية (المواصلات، حديقة النعنع) التي تمت مؤخراً منذ أشهر فقط، لا يوجد أي موقف لسيارة، وتوقف السيارة هناك غالباً ما يكون على حساب عرض الشارع.. غياب هذه المواقف سيبدو غريبا على كلمة عاصمة، وهو أصدق تعبير عن قصور التخطيط في المدينة والتي وضع آخر مخطط تنظيمي لها عام 1968 من قبل الفرنسي إيكوشار.

اللاتنظيم.. سمة العاصمة الأولى:

في الواقع حالة اللاتنظيم هذه هي سمة عامة في المدينة تتزايد طرداً كلماً ابتعدنا عن مركز المدينة، وهو تزايد يترافق مع تناقص في الخدمات إلى مرحلة يكاد ينعدم في بعض مناطق التجمعات السكنية المخالفة عند أطراف المدينة، حيث تقف الوحدات الإدارية مكتوفة الأيدي أمام تخديمها، بعد أن اتسعت رقعتها وزاد عدد سكانها، وعجزت المخططات التنظيمية عن التعاطي معها واستيعابها نتيجة جمود هذه المخططات وعدم مرونتها أو قصورها في حالات عديدة.. الغريب أن المخططات التنظيمية الحديثة التي عاشت مرارة تجربة السكن العشوائي ومشكلاته، تعيد تكرار المشكلة إذ تقوم بتنظيم التجمعات السكنية العشوائية دون لحظ مساحات جديدة تتناسب مع النمو السكاني، هذا في حال أنها لم تتجاهل هذه التجمعات بالأصل، فضلاً عن أن هذه المناطق يتم تقدير خدماتها وفقاً لعدد السكان المسجلين في الأحوال المدنية لا عدد السكان القاطنين حيث يتجاوز رقم السكان المسجلين بأضعاف.. ولهذه الأسباب مجتمعة بدأت التجمعات السكنية المخالفة بالتمدد في كافة مناطق المدينة، وهو تمدد جاء في الغالب على حساب الأراضي الزراعية والمساحات الخضراء (كفرسوسة، يلدا، ببيلا، داريا..)، وأصبح يمتاز بالسمة القانونية بعد أن أصبح أمراً واقعاً، يسكنه بشر.. وإزاء هذا الواقع المفروض، تلقى هذه المناطق تخديماً بسيطاً وسيئاً في غالب أحواله، فضلاً عن طبيعة هذه التجمعات وتمددها التي تسبب وعلى نحو كبير تشوهات بصرية حادة، وتنعكس على المظهر الجمالي للمدينة. صورة التجمعات السكنية على هذا النحو تحيط بالمدينة كالسوار.. بعد انتشرت بسرعة فائقة (يردد الجميع بعدم مشروعية البناء المخالف ومع ذلك نحن يومياً على موعد مع عشرات الأبنية المخالفة) وبنتيجة أخطاء السياسيات التنظيمية العمرانية الخاطئة.. وتالياً سوء إدارة لهذه التجمعات التي دخل كثير منها تحت خط الفقر، وانطوت جميعها تحت اسم (أحزمة الفقر) الدمشقية.

كل شيء له حل.. في هذه التجمعات كل شيء مباح، فالبناء الذي ينجز خلال أيام معدودات سيتجاوز الأنظمة لا القانونية وحسب وإنما الإنشائية، على نحو لا يمكن للمرء على أن يراهن على سلامة بيت واحد إنشائياً، فإذا تجاوزنا مسألة إشادة هذه الأبنية على أراضٍ زراعية، غير صالحة للبناء، سنجد أنها تتم وفق شروط غير سليمة في التشييد، ولعل رعاية الرب وحدها، هي التي تحمي هذه الأبنية، و إلا لكان زلزال من درجات متوسطة كفيلاً بمسح هذه المناطق العشوائية بالكامل وخصوصاً بعد أن فرضت الرغبة بسرعة الإنجاز انتهاجاً لسياسة الأمر الواقع إلى التخلي عن عدد من عوامل الأمان، كأن يتم الاستغناء عن أعمدة الإسمنت المسلح بأعمدة من البلوك.

انفصال عن انفصال:

وفق هذه الرؤية بمجملها، انقسمت مدينة دمشق الحديثة والانتقالية إلى قسمين، قسم بقي أسير مخطط وضع عام 1968، ولم يقم أحد بعد هذا التاريخ بوضع مخطط جديد له أو حتى إعادة تقييمه على ضوء التزايد السكاني والخدمي في المدينة.. بالتالي ظل هذا الجزء من المدينة، وأن ظهر بشكل أفضل عن سواه وشهد عمليات تجميل وترميم أكثر من مرة، يعاني من قصور الخدمات فيه وافتقاده لأدنى مواصفات تتناسب و قلب العاصمة.. أما القسم الثاني فهو دخيل على مخطط المدينة، مرر في لحظة غفلة من القانون، وصار قائماً وقانونياً بحكم أمر الواقع، ولكنه ترك بدون خدمات معزولاً عن عالم العاصمة، وإلا من يصدق أن مناطق مثل عش الورور وحي الورود و نهر عيشة.. هي أحياء من أحياء عاصمة البلاد؟! وهذه الصورة هي جزء مما ساهمنا جميعاً في تكريسه كل في مكانه وموقعه.. سواء بقصورنا التخطيطي، أو الخدمي، وبغياب الرؤية المستقبلية وقصور برامج التنمية المتوازنة.

هل حقاً هذه هي دمشق..؟!

إن نظرة واقعية لحال العمران في مدينة دمشق وبتجاوز الأسباب الاقتصادية والاجتماعية، سيشي بقصور عن مواكبة سحر العمارة في المدينة القديمة وطابعها المميز، فلم تكن مدينة دمشق امتداداً لجزئها ضمن الأسوار، لم تستطع أن تحقق معادلتي الأصالة والحداثة، ولم تمتلك في المقابل الحداثة بقوة، فبقيت العمارة الدمشقية في جزئها الحديث في موقع التأثر الساذج، تأخذ من عمارة العالم قشوره، وتتفاخر بما أصبح قديماً وبالياً في البلدان الأخرى.. على سبيل المثال عندما تم بناء برج دمشق وقيل أنه أعلى مبنى سيكون في المدينة، وتم التفاخر على هذا الأساسي، كنا في الحقيقية نزرع كتلة بيتونية ضخمة وثقيلة ضمن وسط عمراني يفترض أنه يجاور أسوار المدينة القديمة وعليه أن يتناغم معها.. هذا من ناحية الأصالة، أما الحدائة فقط بدت بائسة جداً ففي الوقت الذي ارتفعنا بالإسمنت هذه الطوابق كانت البلدان المجاورة قد شمخت أضعاف هذا الارتفاع بمواد معدنية خفيفة ورشيقة.. والنتيجة كانت برج دمشق.. وأذكر أن أحد زوار المدينة سألني: هل هو حقاً برج لدمشق..؟!

ظلمنا المدينة.. فلم نفهمها:

إلى الآن لم نفهم دمشق كما يجب، رغم كل العلوم والمعارف التي تلقيناها، ورغم إدراكنا لحجم الأخطاء التي ارتكبناها بحقها، وعلى سبيل المثال الكارثي، إن شئتم، تم افتتاح أحد الفنادق بدمشق، وخرج من يروج أنه تحفة معمارية، متمنياً لو يتم الاقتداء به في عمارة تنشأ على محور المدينة هذا.. وكان على الكتلة أن تتعايش مع هذا المحيط.. لقد اخترقت هذه الكتلة خط السماء العمراني للمدينة.. وتصوروا من بعد اليوم سيلفت انتباهه عمارة سنان في التكية السليمانية وقبابه، بعد أن خرج علينا فندق بهذا الجمال المصطنع.. ربما للاقتصاديين رؤيتهم المتفائلة لهذه الكتلة البيتونية وسط هذا النسيج الوديع، ولكن أين المعماريين. ألم يرتفع المبنى أمام أعينهم..؟!.

فوضى عامة:

المبنى لن يكون وحده المشكلة أمام فوضى على عديد من المستويات تعيشها دمشق العاصمة، إذ فشل المعنيون في إيجاد صيغة واحدة مشتركة تجمع المدينة في جانب من جوانبها.. هذه الفوضى انسحبت على أمور عديدة منها فوضى اللوحات الإعلانية، فوضى البسطات والأسواق الشعبية، فوضى أشكال الجسور والأنفاق، فوضى في كل ما يخص دمشق من أنظمة عمرانية وتخطيطية.. بالإضافة إلى أحزمة الحديد التي وضعت في عدد من المناطق الحيوية على أنها تنظيم لحركة المشاة.

حتى المدينة القديمة.. لم تسلم من (إبداعاتنا):

كل ما سبق يعلن انفصال المدينة الحديثة والانتقالية عن المدينة القديمة وتاريخها، وعلى نحو فج، الأمر الذي كرس انعزال المدينة القديمة ضمن أسوارها، بعيداً عن ضجيج المدينة وتلوثها البصري والسمعي، فضلاً عن هوس التكنولوجيا التي تبدو الشوارع القديمة (شكلانياً على الأقل) بعيدة عنها، إذ تبدو بسيطة وهادئة، تمهد لرؤية ورؤيا من نوع خاص، تقاوم وحشة الإسمنت وبرودته في شوارع المدينة الحديثة، لتعلن عن وجودها العفوي، الحالم والعاشق.. الأمر الذي جعل منها مكاناً آمناً رغم لعبة (البزنس) التي بدأت المدينة الحديثة تغزوها بها بشكل مطاعم وبارات.. راحت تنتهك حرمة المدينة القديمة أيضاً.

دعوة للرأفة بقديم المدينة:

لقد عجزنا عن إيقاف التعديات على الغوطة و المناطق الخضراء داخل المدينة كالبارك الشرقي و متابعة مشكلة السكن العشوائي واستيعاب أي تزايد سكاني في دمشق، وعجزنا عن إيجاد طابع مميز لمدينة دمشق الحديثة على نحو لم تعد دمشق تشبه نفسها.. ولعلنا هنا نوجه دعوة للرأفة بقديم المدينة، والابتعاد عنها بكل مخططاتكم السياحية والاقتصادية.