النهار / رندة حيدر

تعطي اسرائيل لعلاقاتها بتركيا أهمية استراتيجية كبرى نظراً الى المكانة التي تحتلها هذه الدولة على الصعيد الإقليمي وتعاظم دورها في المنطقة. فبالنسبة للقادة الاسرائيليين تركيا هي الدولة الاسلامية الأولى التي اعترفت بوجود اسرائيل واقامت حلفاً سرياً معها قبل أن تنفتح علناً عليها وتقيم علاقات ديبلوماسية معها عام 1991. ومنذ ذلك الحين عرفت العلاقات الاسرائيلية - التركية نمواً مطرداً كان من ابرز محطاته عام 1996 عندما أقدمت الدولتان على توقيع سلسلة من الاتفاقات العسكرية للتعاون أثارت حينها قلقاً كبيراً وخوفاً وسط الدول العربية. ولكن استطاعت تركيا تحييد علاقاتها الوثيقة باسرائيل عن علاقاتها مع الدول العربية وعن مواقفها من القضية الاساس الا وهي القضية الفلسطينية. ومع مرور الوقت ومع تضافر عدد من العوامل ومع نمو دورها في المنطقة، استطاعت تركيا ان توظف علاقاتها الوطيدة مع اسرائيل في خدمة مصالحها مع دول المنطقة بحيث أنها طرحت نفسها أكثر من مرة كوسيط بين سوريا والسلطة الفلسطينية من جهة واسرائيل من جهة أخرى. صحيح ان الوساطات التركية لم تثمر عن نتائج ايجابية ولكنها دعمت بصورة ايجابية الدور التركي. وأتت زيارة رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود أولمرت لتركيا في وقت تمر فيه اسرائيل بمرحلة دقيقة، وقد اراد منها التشديد على أكثر من نقطة مهمة. الأولى اظهار عمق التفاهم التركي - الاسرائيلي على مسائل أساسية مثل التسوية مع الفلسطينيين والعملية السلمية مع الدول العربية. ويدخل تذكير أولمرت بالدور الذي يمكن ان تلعبه تركيا في التوسط مع سوريا في هذا الاطار. ومن جهة اخرى سعى أولمرت بعرضه زيارة وفد تركي للتحقق من الاعمال التي تجريها اسرائيل بالقرب من المسجد الأقصى الى تبديد مشاعر الاستياء والتحفظ والغضب التي أثارتها اعمال الحفر هناك لدى العديد من المسلمين. وهو هنا اعطى تركيا دوراً رقابياً على ما يجري في القدس الامر الذي عرّضه لموجة عنيفة من النقد داخل اسرائيل من جانب أحزاب اليمين التي تخوفت من ان يشكل سابقة من شأنها فتح الباب امام دول أخرى للمطالبة بدور رقابي مماثل؛ كما ان مجيء وفد تركي الى القدس في مهمة تفقدية ورقابية من شأنه ايضاً أن يدفع بدول اسلامية كبرى أخرى مثل مصر والسعودية للمطالبة بدور مماثل. طالما ان القدس هي مدينة مقدسة لدى كل الدول الاسلامية من دون استثناء. ولكن يبقى الموضوع الأهم الذي رغب أولمرت في مناقشته مع القادة الأتراك هو موضوع الخطر الايراني. ومن المعلوم ان اسرائيل تقوم حالياً بحملة ديبلوماسية لدى عواصم الدول الكبرى في العالم لعرض وجهة نظرها من الخطر الذي يشكله حصول ايران على السلاح النووي وضرورة دعم هذه الدول سياسة فرض عقوبات صارمة على ايران. فالراهن اليوم ان اسرائيل تتخوف من أن تشكل قضية مطالبة الاكراد بالحكم الذاتي في العراق وانعكاسات ذلك على وضع الاكراد في تركيا نقطة تلاق في المصالح بين تركيا وايران، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على المساعي الاسرائيلية الرامية الى خلق ضغط دولي جامع اقليمي ودولي على ايران. تربط اسرائيل بتركيا شبكة وثيقة من المصالح السياسية والاقتصادية والتعاون العسكري والاستخباري التي من الصعب ان تتعرض اليوم لانتكاسة لا سيما في ضوء موازين القوى الراهنة في المنطقة حيث النفوذ الأكبر للولايات المتحدة. وسبق أن عرفت العلاقات التركية - الاسرائيلية في الاعوام الماضية العديد من الخضات من دون أن يؤدي ذلك الى زعزعة التعاون بين البلدين الذي بات واضحاً انه يملك ديناميته الخاصة المنفصلة عن مسائل النزاع العربي - الاسرائيلي. ولكن نظراً الى حساسية المسألة الكردية بالنسبة للأتراك وتشابك المصالح الأمنية الايرانية التركية وجد اولمرت أنه من الضروري لإسرائيل الاطلاع عن قرب على الموقف التركي من الخطر الايراني. في المقابل لا يبدو ان اسرائيل قادرة على تلبية الطلب التركي باستعمال نفوذها لدى اللوبي اليهودي في الكونغرس الاميركي لعرقلة التصويت المفترض هناك في وقت قريب على قرار يعترف بالمجازر التي ارتكبتها تركيا بحق الارمن. ثمة نقطة أخرى لم يتفق عليها رئيسا البلدين هي الموقف من حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية برئاسة "حماس". ففي الوقت الذي يتمسك اولمرت بضرورة اعتراف الحكومة الجديدة بحق اسرائيل في الوجود يرى أردوغان ان المهم دعم الحكومة الجديدة كشرط للوصول الى الحل. ولكن عدم التطابق في وجهات النظر لا يبدو انه يهزّ العلاقات المتينة بين الدولتين اللتين يبلغ التبادل التجاري بينهما اليوم ما قيمته ملياري دولار من دون الصادرات العسكرية. كما ان تاريخ التعاون العسكري والاستخباري السري والعلني بين الدولتين سيشكل على الدوام مظلة واقية لعلاقاتهما في وجه اي ازمة قد تستجد.