اختصرت كوندليزا رايس كل التعابير التي أطلقها المحللون حول الاستراتيجية الأمريكية، باجتماعها الأمني في عمان الذي لا يعبر عن تشتيت السياسة، إنما يطرح نموذجا للعلاقات الدولية ليس جديدا لكنه يصبح المظهر الرئيس لـ"الدولة" في زمن "الشرق الأوسط الجديد.

ورايس لم تخفق في لقائها مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت، لأن هذا اللقاء هو الصورة الإعلامية لطبيعة العلاقات الإقليمية كما ظهرت بعد احتلال العراق، حيث لا تبدو السياسة سوى حالة تطفو على سلسلة من الإجراءات الأمنية، وتبدو الدولة "واقعا" امنيا بدلا من كونها تعبير حقوقي عن المجتمع. فالولايات المتحدة ليست منزعجة من اتفاق مكة، لكنها تملك رؤيتها من نتائج تحول "السلطة الفلسطينية" إلى واقع جديد يحمل بعض سمات الدولة.

وعدم قدرة رايس على دفع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى الدخول في مباحثات جديدة ناجم أساسا عن اقتناع الإدارة الأمريكية أن السلطة الفلسطينية يمكن أن تظهر بصورة جديدة، غير الشكل الذي بدا خلال السنوات الماضية على أنه صراع لأجهزة أمنية، فالاعتراض هنا ليس على "حماس" أو على حكومة "هنية" بل أيضا على الطبيعة التي يمكن أن يشكلها الاتفاق الفلسطيني عندما يصبح الأطراف جزء من "المؤسسة" الكلية التي تجميع كافة التيارات على ضرورة إيجاد تعبير للدولة.

وكانت خطوة رايس التالية هي الاحتكام إلى المفهوم الأمني، لأن المؤشرات التي يحملها اجتماعها مع قيادات الأجهزة الأمنية لـ"الدول المسؤولة" حسب تعبيرها يقدم تجاوز لكل المفاهيم التي تحملها الدولة وعلى الأخص فيما يتعلق بالمفهوم السياسي لها. ورغم كافة المبررات التي تم تقديمها حول هذا الاجتماع، وما يمكن أن يظهر لاحقا من نتائج له، لكنه في النهاية يطرح صورة واحدة هي ضرورة اعتماد التصور الأمني قبل الدخول في السياسية.

عمليا فإن الإجراء الأمريكي ليس جديدا، فمحاسبة "الأجهزة الأمنية" في لبنان كان على حساب ظهور "أجهزة" جديدة، وإإلغاء "الدولة البوليسية" في العراق تبعه مباشرة "دولة" لا يمكن تعريفها إلا بجهازي الشرطة والأمن، إضافة لجيوش من المرتزقة هي جزء من هذا التكوين وتعمل بالتنسيق مع قوات الاحتلال. فمفهوم "الجهاز" الأمني يتحول وفق التصور الجديد ليستوعب "الدولة" ويعبر أيضا عن سياساتها.

لا يمكننا تصور دولة بدون جهاز امني... لكن الآليات السياسية القائمة حاليا تجعلنا نتوقع "جهازا" أمنيا يملك دولة معبرة عنه.