ينسب للواء جميل السيد هذه العبارة التي تكاد تضاف إلى قاموس الأمثال: قاتل الحريري حمار أو عبقري. إذا قشرنا عن هذه العبارة مسحة الهزل التي درج اللبنانيون على طلاء أوجاعهم بها، تنفتح على بصيرتنا الأبعاد التكتيكية والإستراتيجية، لقرار قتل الحريري والذي تعدت تداعياته تخوم الجيوبوليتيك السوري - اللبناني إلى الجيوبوليتيك الشرق الاوسطي. معلوم الآن وبعد مضي سنتين على الواقعة، أن دائرة تأثيرها اتسعت كبقعة الزيت على قماش الحياة السياسية في المنطقة.

لا أميل إلى تضخيم دور المؤامرة في صناعة المسارات التاريخية بل أحاول أن أراها في حجمها الطبيعي قبل أن تتغذى وتكبر بردود الفعل الطائشة من قبل من يقعون في مخروط تأثيرها. إلا أنها تبدأ كبيضة تحتاج إلى رحم كي تفقس، وتتحول كرة ثلج تحتاج إلى منحدر ثلجي لتتضخم. لقد كان تردي العلاقات بين الحريري ودمشق الرحم المناسب. وشكلت الحالة الراهنة للنخبة السياسية على مقلبي السلطة والمعارضة العربيتين المنحدر الثلجي اللازم لتتعملق. أعود إلى السياقات التي ذهبت إليها الأمور في المنطقة بعد مقتل الحريري لأقول:

إن الدينامو الذي ولّد هذه السياقات ما زال يعمل بالطاقة التي أمنتها له الأبعاد الاستثنائية لشخصية الحريري، وحجم التوظيف المحلي والإقليمي والدولي الذي من السهل العثور على مركز الرحى فيه (اقصد الإدارة الأميركية في عهد بوش الابن). فأن تُدحرِج إلى السفح حجرا ليس كأن تدحرجْ بلدوزرا بحجم الحريري.

ليست المرة الأولى تتهم فيها سوريا - تجنيا أو بحق - في قتل هذه الشخصية اللبنانية أوتلك. لكنها المرة الأولى التي انحشرت فيها:

- بخانة الخروج العسكري القسري من لبنان وما يعنيه هذا الخروج من تعديلات على المنصة التي تطل منها دمشق على المشهد الجيوبوليتيكي للمنطقة.

- وبخانة الخروج من مثلث القوة الذي تشاطرت مع الرياض والقاهرة بناءه واشتغل إلى هذا الحد أو ذاك كمرسى نجاة في وجه العواصف الإقليمية والدولية التي هبت طوال عقدي الثمانينات والتسعينات على النظام السياسي العربي وعقدتي الربط فيه: مؤسستي الجامعة والقمة (حربي الخليج الأولى والثانية وأخيرا غزو العراق). لا يمكن تجاهل الأسئلة التي بدأت تطرح نفسها بقوة على النظرية السائدة حتى الآن في أوساط شعبية ورسمية لبنانية حول حصر التهمة بالنظام في سوريا.

وهي أسئلة أينعتها التسريبات المتناقضة عن مجريات التحقيق الذي تقوم به لجنة براميرتس. والمآلات التي ذهب إليها الاجتماع السياسي في لبنان تحت تأثير اغتيال الحريري (تفلت الصراع السني - الشيعي من القيود السورية عليه) بعكس ما هو رائج في خطاب المعارضة السورية، والتوظيف المبالغ فيه والمثير للريبة من قبل رموز وشخصيات سياسية لبنانية لم يكن في ماضي علاقتها بالحريري ما يبرر ذلك.

لقد تغذت نظرية تجريم النظام في سوريا ولا زالت تتغذى من المقطع الوعر الذي مرت فيه علاقة الحريري بالقصر الجمهوري في دمشق.

جزء على الأقل من هذه الوعورة قد جرى تصنيعه بأصابع من داخل المطبخ السياسي: السوري - اللبناني على صلة بالتعديلات الإستراتيجية التي أجرتها إدارة بوش الابن على سياسة الولايات المتحدة حيال نظم المنطقة.

لقد اختلط حابل النيات الطيبة وقلة التجربة بنابل ما تضخه على نحو مدروس فتحات للاستخبارات الدولية مدسوسة هنا أوهناك داخل المطبخ إياه. مما قاد لاحقا إلى تهيئة الرحم لاستقبال بيضة المؤامرة.

إلا أن ما ينبغي العمل عليه الآن لبنانيا وسوريا وعربيا هو وقف تدحرج كرة الثلج. بمعنى وقف التداعيات الإستراتيجية لجريمة الاغتيال ومسرحها الرئيسي الآن: المنحدر الذي آلت إليه علاقات دمشق بكل من القاهرة والرياض. وبعد ذلك لكل حادث حديث.

مصادر
النهار (لبنان)