لقد بدأت محركات بوش الاستراتيجية العمل في العراق، وبدأ قبلها وأثناءها يزداد الدمار والقتل في العراق، قتلى بأرقام قياسية، وجرحى يعجز المرء عن تعدادهم، ولهيب النار يأخذ شكلاً أفقياً في مناطق العراق كافة، ولم يبقَ شيء قابلاً للتصديق، سوى الضياع والتخبط في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، تصريحات المسؤولين متناقضة، تعيينات جديدة، هروب شخصيات سياسية لها وزنها، تغييرات أخرى تطال هذه المرة رؤوساً كبيرة في أحزابها.

لقد مات العقل في العراق الجديد، بعد غيبوبة السنوات الأربع، وضاع الأمل الديمقراطي واحترق بفعل النيران العاتية،و تحول العراق بتجربته الجديدة إلى نموذج فريد من نوعه، سواء كان في طريقة الاحتلال اللاشرعية، أو المقاومات المشوشة والمشوهة، أو السياسات اللالونية، أو الشخصيات السياسية المترنحة الفاقدة لأوزانها، من يحارب؟ من يقاوم؟ من يقود؟ من ينفذ؟ من يخطط؟ لا أحد يدري، كل شيء يعيش في حالة غموض دائم، الموت وحده يعيش في حالة ازدهار ونمو، انقسامات في الشارع، في العشيرة، في الحزب، في العائلة الواحدة، فقط الضحايا تعيش حالة وحدة صوانية.

إلى متى تعيش ما تسمى المؤسسات العراقية، مجلس الرئاسة، مجلس الوزراء، البرلمان ومجلسه؟ كيف يسمح هؤلاء المنخرطون بتسمية أنفسهم بالمؤسسات؟

كان العراق بعد الاحتلال يعيش انقسامية ثلاثية: سنة، شيعة، أكراد. أما الآن بعد (إعلان الاستراتيجية) يبدو أن الديمقراطية أوصلت العراق إلى تقسيم المقسم، فالشيعة تحولوا إلى شيعيات، والسنة إلى سنيات، والأكراد إلى كرديات (وإن كانت الأخيرة تحت السطح).

هل يخطط جهابذة العراق وأسيادهم إلى حروب ضمن الصف الواحد؟ الشيعي يقتل الشيعي والسني يقتل السني... (حرب داخل الداخل) يبدو أن المرحلة الأولى لم تحقق الهدف لذا دخل العراق المرحلة الثانية، متزامناً مع سوق الإرهاب الذي يتسع في هذه الأيام، من العراق إلى لبنان وفلسطين واليمن والصومال والجزائر.. والله يعلم أين يصل الأسبوع القادم.

بلاد الرافدين أعطت للإنسانية حضارتها وكل شيء، القانون الأول في العالم، الهندسة الأولى، الأبجدية الأولى، من هذه الأرض خرج حمورابي وآشور والمنصور والرشيد، ومنها خرج السياب والجواهري ونازك الملائكة، يوجد فيها إلى هذه اللحظة بقايا حدائق بابل المعلقة، هل يدفع شعب بلاد مابين النهرين فاتورة سنحريب وسرغون لغزواتهم ضد اليهود؟ هل يتحقق الحلم اليهودي القائل: لابد من تدمير بابل وتحويلها إلى حظيرة للفئران؟ هل نصدق قادة العراق الحاليين، بأنهم امتداد لأولئك الذين بنوا العراق وقهروا اليهود منذ 2600 عام؟

نعم، الحقيقة تقول بأن المؤامرة على هذا البلد قديمة وجديدة، ولكن أليس بالإمكان القول بأن هناك سبباً جوهرياً يتعلق فينا؟

نعم يوجد. ألا وهو (العقلية)، نحن لا نقرأ الواقع كما هو، بل نقرؤه كما نريد أن يكون، لأن عقليتنا عقلية قدرية، وهذه العقلية تعتمد سلوكياتها على إلغاء الآخر، وخطابنا السياسي هو نتاج لهذه العقلية.

إن التآمر من قبل العدو الخارجي تقاطع مع أصحاب العقلية القدرية، وخلقا الوضع القائم في العراق، وأوصل هؤلاء القادة إلى المناصب العليا في الدولة، إن زواج التآمر مع العقل القدري أنجب الواقع العراقي المشوه. إن المذاهب والطوائف لا نراها إلا في الديانتين (الإسلامية، المسيحية) ولا يوجد مثلها عند الآخرين (بوذيين، يهود) مما سهل القيام بحروب طاحنة بين هذه الطوائف، الكاثوليكي يقتل البروتستانتي، والشيعي يقتل السني، ولم نسمع باليهودي يقتل اليهودي أو البوذي يقتل البوذي.

لاشك أن الإنكليز قديماً والأمريكان حديثاً لعبوا دوراً أساسياً في تأجيج المشاعر الطائفية، ولكن يمكننا الجزم بأن التأجيج ما كان له أن يستمر لولا وجود المذاهب والطوائف، لأن المجتمع تحول إلى تخندقات شاقولية مما سهل التدخل الخارجي للتسلل بين الطائفة والأخرى.

لنكن واقعيين وموضوعيين ونعترف بحقائق الأمور، كي نستطيع الوصول إلى الحقيقة، ونعمل سوية لإيجاد الحلول المناسبة.

إن تجربة الانتخابات العراقية المتعددة والمتنوعة، أثبتت أنه لا يوجد في العراق شخص واحد أعطى صوته الانتخابي للوطن العراقي، بل صوت الشيعي للشيعة والسني للسنة، والكردي للأكراد، والمسيحي للمسيحية (بقي العراق المسكين بلا صوت) وهذا سهل مهمة أعداء العراق سواء كانوا من الخارج أو من الداخل. إن كشف الأخطاء والعلل المتعلقة فينا، هو الطريق الصحيح للوصول إلى الحل.