الاتحاد / د. رضوان السيد

ما بدأت التغيرات المحسوسة في السياسة الخارجية الأميركية بالخطة الأمنية الأخيرة بالعراق، ولا بتسوية الملفّ النووي الكوري بشرق آسيا، أو الزيارة الأخيرة لوزيرة الخارجية الأميركية إلى المنطقة، والتي كان من بين ما قامت به خلالها جمع أولمرت و"أبو مازن" بالقدس. بل إنها بدأت بالتغيير التدريجي للقائمين على السياسة الخارجية والسياسات العسكرية والأمنية في إدارة بوش الثانية، وازدادت اتساعاً وعمقاً بعد الفشل في الانتخابات النصفية هناك، وتفاقُم الوضع الأمني والعسكري بالعراق، وحرب تموز بين إسرائيل و"حزب الله". ويمكن تحديد أبرز معالم المتغيرات في تلك السياسة على النحو التالي: أولاً: العودةُ إلى التحالف مع الاتحاد الأوروبي، وتفعيل دور الأطلسي. والعودةُ إلى الشراكة (المشروطة) مع روسيا ومع الصين. ثانياً: الالتفات إلى أدوار الحلفاء والأصدقاء الإقليميين ومصالحهم، سواءٌ في شرق أوروبا والبلقان، أو في شبه القارة الهندية، أو في إفريقيا، أو في الشرق الأوسط. ثالثاً: استخدام الأدوات الدبلوماسية والاستخبارية في العمل، بدلاً من تسليم أمر السياسة الخارجية إلى وزارة الدفاع، وقادة الجيوش. وقد بدأت النتائج الأولى لهذه المتغيرات بالظهور بشكلٍ متدرجٍ أيضاً. واستعراضُ هذه النتائج لا ينبغي أن يقتصر على مراقبة التصريحات والتصرفات والتحركات الأميركية؛ بل يَحْسُنُ أيضاً مراقبة تحركات سائر الأطراف المتفاعلة إيجاباً وسلْباً مع المتغيرات السالفة الذكر. ولأننا معنيون بالجاري في منطقتنا، فينبغي الإشارةُ عَرضاً على الأقلّ لما يجري خارج منطقتنا أيضاً، لكي يكتمل المشهد ويصبح مفهوماً. فالقوة الأميركية قوةٌ عالميةٌ طمحت للأوحدية القطبية في العقد ونصف العقد الماضي، ولذلك فإنّ متغيرات سلوكها في السياسة الخارجية ستكون أو هي عالميةٌ أيضاً. وأبرزُ ما يمكن الإشارةُ إليه في هذا السياق: الاتفاق حول الملفّ النووي الكوري، والذي ما كان يمكن إتمامُهُ لولا موافقةُ روسيا والصين، وضعف رئيس الوزراء البريطاني توني بلير حليف بوش الأول في أوروبا، واتجاهه للاختفاء من على الساحة السياسية مع بدء انسحاب الجيش البريطاني من العراق. وربما يصبح عاطلاً عن العمل تماماً إلاّ إذا عَيَّنه الأميركيون مبعوثاً خاصاً للسلام في الشرق الأوسط ضمن سياساتهم الجديدة! والإشارتان الأخيرتان في السياق الجديد نفسه: تعيين زلماي خليل زاد مندوباً للولايات المتحدة في الأُمم المتحدة خَلَفاً للمحافظ الجديد بولتون، في إشارة مُصالحةٍ خجولةٍ تُجاه المسلمين، والإعلان عن أنّ الجنرال جون أبي زيد قائد القيادة الأميركية الوسطى على وشك ترك منصبه إلى التقاعد في الربيع القادم. تظهر تحركات الأطراف الدولية والإقليمية وفعاليتها من خلال عدة أُمور: إقبال دول الاتحاد الأوروبي عبر النجم الجديد المستشارة الألمانية ميركل، وعبر سولانا، على قيادة التفاوض مع إيران بشأن النووي، والتعاون في ذلك مع روسيا الاتحادية في الحركة والتنسيق والتشاور المستمرّ. وقد زارت ميركل مصر ودول الخليج، وحدَّدت اهتماماتٍ أوروبية متميزة ومتمايزة بشأن سياساتٍ تُجاه قضايا المنطقة، والعلاقة مع العرب. ثم جاء الرئيس الروسي بوتين إلى المملكة العربية السعودية، وعقد صفقاتٍ تجارية ضخمة، وسط تصريحاتٍ كثيفةٍ له وللمسؤولين الروس الآخَرين تنعى على الولايات المتحدة تحركاتها العسكرية من حول روسيا وفي مناطق نفوذها، وزيادتها للتصعيد في منطقة الشرق الأوسط. وما زار الرئيس بوتين بعد السعودية غير الأردنّ، وفي الأردنّ ما تحدث إلى الملك عبدالله الثاني وأبو مازن فقط، بل زار نهر الأردنّ وشرب من مياهه، في خطوةٍ رمزيةٍ تشير إلى مسيحيته وإلى أنّ الروس مهتمون بفلسطين، ليس كاهتمامهم أيام الاتحاد السوفييتي والحرب الباردة؛ بل باعتبارهم مسيحيين يهمهم مهد المسيح، ويهمهم مصير المسيحيين الأرثوذكس في فلسطين وغير فلسطين. لقد صار معروفاً الآن أنّ التغير في السلوك السياسي الأميركي بالمنطقة، أثار أولَ ما أثار في المجال الإقليمي الشرق أوسطى، قَلَقَ الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وقد ظهر ذلك بوضوح في خُطَب وبيانات وتحركات الرئيس الإيراني الجديد محمود أحمدي نجاد منذ عام 2005. وما هاجم نجاد في البداية السياسة الأميركية في العراق؛ بل ركّز على المسألة النووية، وعلى الكيان الصهيوني بفلسطين، والذي تدعمُهُ الولايات المتحدة. وقد تهدَّد الرئيس نجاد ذاك الكيان بالدمار والزوال. بيد أنّ التصرفين السياسيين الأولين اللذين فجّرا الخلاف الأميركي/ الإيراني تمثّلا في رفض إيران للدعوة الأميركية للتفاوض بشأن العراق، وإنشاب إيران للحرب مع إسرائيل من خلال "حزب الله". وقد ردَّت الولايات المتحدة بدفع إسرائيل لضرب "حزب الله" بقوةٍ وعلى مدى ثلاثةٍ وثلاثين يوماً نشر خلالها سلاح الجو الإسرائيلي الخراب في سائر أنحاء لبنان. كما ردَّت الولاياتُ المتحدة بالتصعيد في الملف النووي وصولاً لقرار مجلس الأمن بفرض عقوباتٍ عليها، وإعطاء دور للأوروبيين والروس في متابعتها، وأخيراً بالإعلان عن بدء مواجهة امتداداتها بالعراق بعد مُهادنةٍ وتساكُنٍ لأكثر من ثلاث سنوات في العراق كما في أفغانستان. وقد اتجه العرب وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية لحفظ مصالحهم والتصدي لمعالجة قضاياهم ومشكلاتهم منطلقين من ثلاثة أمور: أنّ العراق وفلسطين ولبنان بلادٌ عربيةٌ، وليس من حقّ الولايات المتحدة أو إيران استتباعها أو نشر الفوضى والخراب فيها، كما حدث بتلك البلدان فعلاً، وأنّ الطريقة الصحيحة للإنقاذ تتمثل في اجتراح سياساتٍ عربيةٍ منسَّقةٍ تُجاه القضايا الثلاث، وتُجاه أمن الخليج، والاستقرار في المنطقة، وأنّ الأسلوب الأفعَل لتنفيذ تلك السياسات ذو شقَّين: دعم المصالحة والاستقرار في البلدان الثلاثة، وانتهاج حراك دبلوماسي وتواصُل واسع مع الجهات الإقليمية والدولية المعنية بالمنطقة. وقد أنجزت التحركات والمساعي العربية حتى الآن: إيقافاً للاقتتال الداخلي في فلسطين، واستنهاضاً للسير باتجاه الدولة الفلسطينية المستقلة من خلال الاجتماعات التي عادت إليها اللجنة الرُّباعية (وآخِرُها ببرلين قبل أيام)، ودفع الأوروبيين والروس للعودة إلى خطّ حلّ النزاع بالضغط على الأميركيين والإسرائيليين. وقد يشهد مؤتمر القمة العربية المقبل بالرياض أواخر شهر مارس طرحاً قوياً للمبادرة العربية للسلام التي أقرتها قمة بيروت عام 2002. وأثمرت الجهود العربية والدعم الأوروبي وقفاً للحرب الإسرائيلية على لبنان، وصدور القرار 1701 الذي أتى بالقوات الدولية إلى الجنوب، وعقد مؤتمر "باريس-3" لمساعدة الاقتصاد اللبناني، والدولة اللبنانية. وتُواصل المملكة العربية السعودية اتصالاتها بإيران ليس من أجل الخروج من الأزمة السياسية بلبنان فقط؛ بل ومن أجل إيقاف التوتر السُّني/ الشيعي، والإيراني/ العربي. أمّا في العراق فإنّ الدبلوماسية العربية تنشطُ على خطّيْ تركيا وإيران لحفظ وحدة العراق، ومنع التدخلات فيه، وتهدئة الأوضاع الداخلية، والوصول إلى انسحاب القوات الأميركية منه. لقد أوقعت السياسات الانفرادية الأميركية في السنوات الخمس الأخيرة العرب وجوارهم في أتون نارين: نار الحرب على الإرهاب، ونار الحرب على العراق. وقد أنزلت تلك السياسات أضراراً بالغةً بالعرب، في سائر أنحاء المشرق العربي، كما أنّ "السلفية الجهادية" أضرت ضرراً بالغاً بسمعة العرب والإسلام، وبعلاقاتهما مع العالم. وما قلّت الأضرار الآن؛ لكنّ الأصولية المتشددة تراجعت، بينما أدى الفشل الأميركي المدوّي بالعراق إلى تغيرات قوية في السياسات الأميركية تجاه المنطقة وتجاه العالم. فالمأمولُ في عام 2007، ومع التغيرات في تلك السياسات، وانطلاق الحراك والتواصُل الأوروبي والروسي والعربي والإسلامي، أن يشهدَ العربُ، ويشهدَ جوارُهُم شيئاً من الانفراج، وعودةً أسرع باتجاه الاستقرار.