محمد سيد رصاص

عندما قال الملك الفرنسي لويس الرابع عشر(1638 - 1715) في أواخر القرن السابع عشر عبارته الشهيرة: "أنا الدولة"، فإنه كان يلخص عقوداً طويلة من الزمن استطاعت من خلالها سلطة الدولة الفرنسية، عبر عهدي الوزيرين ريشيليو (1624-42) ومازاران (1642-61)، أن تكون في حالة عوم فوق الطبقات الاجتماعية وأن تعيش حالة من الاستقلالية عنها، أثناء لحظة تاريخية لم تعد فيها الأريستوقراطية قادرة على الاستمرار في الحالة القديمة ولم تستطع فيها البورجوازية الجديدة أن تتبلور بعد: ربما كان أكبر تلخيص لتلك الفترة هو حركة "الفروند" التي ثارت، عبر مكوناتها الواسعة من النبلاء والبورجوازيين والفلاحين والمثقفين المدينيين، ضد الحكم المطلق في ثورات فاشلة بين عامي 1648 و1653، فيما قرار الملك الفرنسي في عام 1685 بإلغاء "مرسوم نانت" 1598 - المنظِم للتعايش بين الكاثوليك والبروتستانت الفرنسيين الهوغونوت، وما أدى إليه ذلك من طرد غالبية البروتستانت الفرنسيين إلى سويسرا وانكلترا - أعطى صورة عن مدى قدرة السلطة على إعادة صياغة التركيبة الاجتماعية، بعد ترحيل فئات كانت تشكل عماد البورجوازية الفرنسية الصاعدة، والتي ساهمت بعد ذلك في ازدهار صناعة النسيج في مانشستر وفي ازدهار المصارف في جنيف. كان ذلك متزامناً مع اضطراب انكليزي عام بدأه البرلمان بثورته ضد الملك في عام 1642 حتى انتهى إلى تنظيم شكل الحكم الملكي دستورياً في عام 1689: سبق ذلك شكل من الحكم المطلق وضع أسسه الملك هنري الثامن عبر تأميم ممتلكات الأديرة والكنيسة المتحالفة مع الأريستوقراطية في عام 1534، وعبر أخذه لمنحى تأسيس استقلالية دينية ومؤسسية عن كنيسة روما ترافقت مع بروز نزعة قومية وطموح للسيطرة على البحار والقارة الأميركية الجديدة، أخذ شكله ومداه بعد هزيمة الانكليز للإسبان في معركة الأرمادا في عام1588. هنا، كان تبلور البورجوازية الانكليزية في المدن (والذي ساهمت فيه كثيراً سيطرة لندن على التجارة الدولية) وفي الريف من خلال نموذج المزارع الغني، عاملاً أساسياً في نشوء صراع البرلمان ضد القصر الملكي حتى اعدام الملك عام 1649، فيما أدى التوازن القلق الذي أعقب ذلك إلى تسليم البرلمان صلاحياته إلى فرد أصبح عبر ذلك ديكتاتوراً في عام1653، هو أوليفر كرومويل. قام الحكم المطلق في الحالتين الانكليزية والفرنسية (هنري الثامن - لويس الرابع عشر) على تحجيم نفوذ الأريستوقراطية، وقد أتت قوة الملك من قدرته على سد فراغ القوة الناتج عن ديناميات عملية انحسار قوة طبقة وعدم بزوغ طبقة كانت لا تزال في الحالة الجنينية، فيما كانت ديكتاتورية كرومويل ناتجة عن حالة توازن قوة حاولت الطبقة المستولية على السلطة حسمه عبر تسليم مقدراتها إلى ديكتاتور فرد، وهو ما حصلت حالة شبيهة له مع نابليون بونابرت عبر انقلابه في (9 تشرين الثاني1799) الذي نصَّب نفسه من خلاله ديكتاتوراً (قنصلاً أول)، لما وصلت صراعات البورجوازية والأريستوقراطية إلى حالة توازن انسدادي بعد عشر سنوات من ثورة 1789، تزامنت منذ صيف 1799 مع حالة لم يعد فيها الفرنسيون "يمارسون السياسة، وأصبحت الشؤون العامة وقفاً على النخبة" (فرانسوا فوريه - ديني ريشيه: "الثورة الفرنسية"- ج 2 -، طبعة دمشق 1993، ص316)، ومع حالة اجتماعية، ظهرت منذ انهيار حكم اليعاقبة صيف 1794، من تفجر الإنحلال الجنسي عند العامة والخاصة، بينما وجد الديكتاتور الجديد تأييداً واسعاً وسط الفلاحين المشكلين لغالبية تعداد الأمة الفرنسية آنذاك، الأمر الذي تكرر، بعد نصف قرن مع ابن أخيه، أي لويس بونابرت، عبر انقلاب 2 كانون الأول 1851 الذي حلَ فيه بصفته رئيساً للجمهورية الجمعية الوطنية ونصَّب نفسه بعده امبراطوراً، وذلك في لحظة سياسية أتت فيها (البونابرتية)، إذا أخذنا المصطلح الماركسي، كحصيلة لتوازن صفري بين الطبقات الاجتماعية لا تستطيع فيه احداها أو بعضها حسم الصراع ولا الركون للبرلمان كحالة توازنية للصراعات والتوافقات الاحتماعية، ليميل معظمها إلى تسليم المقدرات لفرد واحد، ليبدو الصراع وقد "انتهى بحيث أن جميع الطبقات، وقد تساوت عجزاً وسكوناً، جثت على ركبها أمام عقب البندقية" وفقاً لتعبير كارل ماركس في كتابه "الثامن عشر من برومير". في المقابل، لم تأتِ ديكتاتورية ستالين في القرن العشرين من ذلك، بل من ضيق القاعدة الاجتماعية للبلاشفة، والتي ظهر مدى ضعفها خلال انتخابات الجمعية التأسيسية بعد أسابيع من ثورة أكتوبر، بحصولهم فقط على 168 مقعداً من مجموع المقاعد البالغ 696، ما دفعهم لحلها وهو ما كان بداية للحرب الأهلية التي انتصروا فيها عام 1920، ليجدوا أنفسهم في قمة خراب عام، دمرت فيه الصناعة والطبقة العاملة التي حملتهم الى السلطة، وهاجرت فيه الأريستوقراطية والبورجوازية والفئات الوسطى المدينية، فيما شكَل الفلاحون القوة الاقتصادية الكبرى في المجتمع، ولم تنشأ ديكتاتورية ستالين (الذي كانت صراعاته مع تروتسكي وبوخارين في العشرينيات متمركزة حول طريقة التعامل مع الفلاحين) إلا عبر حسم الصراع مع الفلاحين من خلال فرض المزارع الجماعية عليهم وتهجير عشرات الملايين منهم الى المدن كجيش للصناعة الناشئة بين عامي 1929 و1932. كانت حالة عبد الناصر أقرب إلى الحالة البونابرتية حيث كان "التقليد التاريخي المتوارث قد ولّد عند الفلاحين الفرنسيين الاعتقاد الصوفي بأن رجلاً يدعى نابليون سيعيد لهم جميع الخيرات المفقودة" وفقاً لتعبير كتاب ماركس المذكور، فيما كان وضع البعثيين العراقيين وصدام حسين أقرب الى حالة البلاشفة وستالين، الذي روى السياسي الكردي محمود عثمان، أثناء مقابلة تلفزيونية، مدى اعجاب صدام به ومدى شغفه بقراءة الكتب عنه. في تموز 1968 كان البعث العراقي أضعف من القوة المنفردة لجناحي الشيوعيين المنقسمين، أي "القيادة المركزية" بزعامة عزيز الحاج، و"اللجنة المركزية" بقيادة عزيز محمد، ولم يكن يملك امتداداً اجتماعياً مؤثراً أوقوياً، ولكنه استطاع، في ظرف انقسام خصومه وأثناء حالة عجز سلطة متآكلة وضعيفة عند عبد الرحمن عارف، الوصول إلى الحكم عبر ضباطه، وبمعاونة قوى مفصلية في السلطة سرعان ما تخلص منها بعد أسبوعين من انقلاب 17 تموز 1968. في كل الحالات المذكورة، كانت الطبقة الوسطى (البورجوازية) إما في حالة عدم تبلور، أو في وضع من عدم القدرة على حسم الصراع، أو أنها كانت في حالة هزيمة وتراجع. أيضاً، أتت الديكتاتورية (أو الحكم المطلق الذي أخذ في القرن العشرين أشكالاً شمولية) مع الحاجة الى دولة حديثة تواجه الخصوم الخارجيين (لويس الرابع عشر)، ومع الميل لانشاء دولة قومية ذات مطامح خارجية (هنري الثامن)، ومع ميول نحو التحديث (ستالين - عبد الناصر - صدام حسين) ولو عبر وسائل قسرية تعيد من خلالها آلة السلطة صياغة البنى الاقتصادية - الاجتماعية - الثقافية، فيما جمع نابليون بونابرت بين تحديث فرنسا والنزوع نحو انشاء امبراطورية عالمية تنافس وتحاول تقويض تلك البريطانية التي لم تأخذ مكانة الدولة الأعظم إلابعد هزيمة الفرنسيين في حرب السنوات السبع (1756-1763). كان نضوج البورجوازية الانكليزية مؤدياً إلى ألا تكون ديكتاتورية كرومويل متجاوزة لحدود الخمس سنوات وإلى الوصول إلى تسوية 1689، فيما كان الطريق الفرنسي أكثر ايلاماً ليستغرق طوال القرن التاسع عشر حتى استقرت وترسخت الديموقراطية الفرنسية في العقد الأخير من القرن المذكور مع السيطرة الاقتصادية - الاجتماعية - الثقافية للبورجوازية، بينما نجد أن القاعدة الاجتماعية لعملية التغيير في ديكتاتوريات الكتلة السوفياتية (والتي جاءت مع ظرف توازن دولي مختل لمصلحة المعسكر الغربي) قد استندت إلى بنية اجتماعية (أنشأها واستحدثها التحديث الستاليني) وجدت غالبية فئاتها مصلحة في تجاوز البنية الاقتصادية القائمة (رأسمالية الدولة) والبنية السلطوية "الحزب الواحد" إلى "اقتصاد السوق" و"الديموقراطية". كيف سيكون الطريق إلى ذلك في العالم العربي؟