الاتحاد / آن أبيلباوم

"إنني أواجه صعوبة كبيرة في تفسير ذلك الحديث. فهو لا ينسجم مع العالم كما نراه، ولا مع مستوى علاقاتنا مع الروس". كان ذلك تصريحاً لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، في الخامس عشر من فبراير الجاري. وها هي أيام عديدة قد مرت على ذلك التصريح الذي أطلقه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مدينة ميونيخ الألمانية، موجهاً فيه سهام انتقاداته اللاذعة لأميركا، التي اتهمها بدفع العالم إلى متاهة لا قرار لها من النزاعات المستمرة، وبأنها تعمدت توسيع دائرة انتشار أسلحة الدمار الشامل، إلى جانب تخطيها لحدودها السياسية والجغرافية بشتى الوسائل والسبل. والغريب أن الاتهام الأخير، يجيء من دولة دأبت على ابتزاز جيرانها وترويضهم كيفما شاءت! ومنذ إطلاق بوتين لتصريحاته واتهاماته هذه، لم تكن "رايس" هي الشخصية الوحيدة التي أبدت تعجبها ودهشتها إزاء ما قيل. فبدرجات متباينة ومتفاوتة من الصدمة، عبَّر الكثير من المعلّقين الصحفيين والساسة، عن دهشتهم إزاء هذه "اللغة الجديدة" التي استخدمها بوتين في خطابه المذكور، وتساءلوا عما إذا كانت هذه اللغة تعبر عن بلوغ روسيا إلى طريق مسدود في مسار تحولها الديمقراطي، أم أن بوتين كان يخاطب بها مواطنيه الروس، أم هي ببساطة تشير إلى حدوث تحول ما، في سياسات روسيا؟ ومهما يكن من أمر الإجابة، فإن المفاجأة بحد ذاتها هي العنصر الوحيد الذي يظل مثيراً للغرابة والمفاجأة دائماً، ما أن يصل الحديث إلى شخصية بوتين. فمنذ زمن ليس بالقريب، عرفنا عن بوتين الكثير الكثير: كونه عميلاً سابقاً لـ"كي جي بي" في ألمانيا الشرقية، وعن تلك السنوات التي أمضاها في حكومة سانبطرسبرج، إلى جانب ما عرفناه عن فلسفته الشخصية في الحياة. وبين الذي عرفناه عنه على سبيل المثال، إعجابه المفرط بالزعيم السوفييتي السابق، "يوري أندروبوف"، الذي كان على قناعة لا تتزعزع، بأن في مقدور النظام والانضباط، على نحو ما يعرفان في قاموس الـ"كي جي بي"، أن يعيدا الحيوية والقوة للاتحاد السوفييتي الذي وهن واعترته مظاهر الضعف الواضحة، خلال عقد الثمانينيات. ونعرف عن بوتين كذلك، أنه أقام نصباً خاصاً لـ"أندروبوف"، في إحدى زوايا مبنى "لوبيانكا" سيئ الصيت والذكر، سواء لكونه مقراً لجهاز "كي جي بي"، أم لكونه أحد أسوأ السجون والمعتقلات السياسية التي عرفها العهد السوفييتي. ومنذ ذلك الوقت، لم يكفَّ بوتين عن محاكاته المستمرة لعهد "أندروبوف" وجهاز "كي جي بي"، بما في تلك المحاكاة، الشكوك والوساوس إزاء كل ما يصدر عن الولايات المتحدة الأميركية. ولذلك فليس ثمة غرابة، في أن يواصل بوتين تعامله مع جميع المنظمات الغربية العاملة في روسيا، وبصرف النظر عن أهدافها ومراميها ومجال نشاطها، على أنها منظمات تجسسية، لا تهدف لأي شيء آخر، عدا العمل لتقسيم روسيا وإثارة الفتن والخلافات فيها. بل لقد استغل بوتين قنوات التلفزيون القومي الروسي، في تقديم تفسيره وتصوره الخاص للوفيات الغريبة المريبة، التي حدثت لعدد من منتقدي نظامه خلال الفترة الأخيرة الماضية، بمن فيهم ذلك الذي لقي مصرعه على إثر تسممه بمادة "البلونيوم"، على أنها ليست سوى جرائم مدبرة ضد حكومته، من قبل أعدائه وخصومه الغربيين. وبالطريقة ذاتها، فسّر بوتين أحداث مدرسة "بيسيلان" الإرهابية التي وقعت عام 2004، بأن الدعم الأميركي للإرهابيين الشيشان، هو المسؤول الأول عنها. ومع كل ذلك وعلى رغمه، فها نحن الآن نبدي دهشتنا إزاء ما سمعناه منه مؤخراً في ميونيخ، مثلما أبدينا دهشتنا وفغرنا أفواهنا من قبل، إزاء ما كنا نسمعه من سلفه "بوريس يلتسين"، بل وقبله الرئيس السوفييتي الأسبق ميخائيل جورباتشوف! يذكر هنا أن الرئيس بوش قد تعامل مع بوتين، منذ الأيام الأولى لتولي مهام منصبه في البيت الأبيض، بالطريقة ذاتها التي طالما تعامل بها كافة الرؤساء الأميركيين مع القادة الروس. وكان كل واحد من رؤسائنا يصف نظيره الروسي، بأنه "الصديق الجديد" الأفضل لأميركا في موسكو. وكما علمنا في ذلك التصريح سيئ الذكر والمنسوب لبوش، فقد نظر هذا الأخير ملياً في عيني بوتين، فرأي فيه شخصاً سوياً مستقيماً وجديراً بالثقة، فلم يتردد في دعوته إلى مزرعته الرئاسية الخاصة! لكن وبعد الذي قاله بوتين مؤخراً في ميونيخ، أما آن لرؤسائنا أن يعيدوا النظر ملياً في عينيه؟