كان ملفتا حقا اجتماع "وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية" مع رؤساء الأجهزة الأمنية في أربع دول عربية في عمان. مضافا إليه اجتماع اللجنة الرباعية للشرق الأوسط تليه جولة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على العواصم الأوروبية متزامنة مع تصريحات العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني للتلفزيون الإسرائيلي مؤكدا فيها أن لا حل إلا بقبول الفلسطينيين " بشروط" اللجنة الرباعية أي بالشروط الأمريكية. وفي الوقت نفسه يعلن الرئيس الباكستاني برويز مشرف عن اجتماع "لرؤساء الدبلوماسية" في سبع دول اسلامية للبحث في قضايا هذا العالم وخاصة السلام في الشرق الأوسط تمهيدا لاعادة نظره ايجابيا بعلاقته باسرائيل.

هذا الترابط بين الأحداث ليس مصادفة فكل ها التحرك جاء نتيجة لاتفاق مكة واتفاق مكة نتيجة للأزمة في الداخل الفلسطيني. لكن ما تبع هذا الاتفاق يبدو أنه مقلق جدا لكونه تحرك مباشر لتقويضه، قبل أن يوضع موضع التنفيذ " دبلوماسيا" وأمنيا". وان كان مفهوما أن يحضر الأمير بندر بن سلطان بصفتيه الأمنية حاليا والدبلوماسية سابقا ولاحقا وكون لا علاقة أمنية له بالمسألة الأمنية الفلسطينية فإن حضور عمر سليمان يشكل حضورا أمنيا بامتياز في ملف الخلافات والمصالحات الفلسطينية. ف"وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية" اتخذت من العاصمة الأردنية عمان مقرا لعملية التقويض هذه. مدركة أنها المكان الوحيد الذي تستطيع فيه أن تتصرف كما لو أنها في بيتها. وعبرة عما يجول في خاطر أهل البيت، مع حفظ الألقاب، مؤكدة أن هذا الاتفاق لن يمر. وبالتأكيد فإن اجتماعاتها الأمنية في عمان تعبير واضح عن دورها الدبلوماسي جدا وهو أن القناع الدبلوماسي الذي تحمله لا يخفي الوجه البشع لهذه لدبلوماسية الولايات المتحدة الأمريكية. وبالطبع لم يتسرب أي شيء عن عما دار في هذا الاجتماع والأمر متروك لما سيحصل بعده. والشيء الوحيد الذي قيل قيل على لسانها ولم يكذبه أي لكنه بات معلوما من خلال ما جاء بعده من توضيحات في اجتماع اللجنة الرباعية وفي جولة عباس الأوروبية وفي تصريحات العاهل الأردني للتلفزيون الإسرائيلي.

فاللجنة الرباعية رفضت جزئيا إملاءات "وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية" وخرجت ببيانها التسويفي الهجين الذي لا يخلو من التهديد الضمني على طريقة الكاو بوي ولكنها في الوقت نفسه فتحت كوة لأعضائها عبر عنه بعض زعماء أوروبا للرئيس عباس مؤكدين أنهم يباركون الاتفاق الفلسطيني – الفلسطيني في مكة وأنه خطوة لا بد منها لفك حصارهم وبعضهم يعرف تماما أن الحصار الأمريكي للفلسطينيين هو حصار لهم أيضا وأنهم يرغبون فعلا بالتخلص منه كحال فرنسا التي لم تستطع تبرير موقفها السابق إلا بحجة حفاظها على وحدة الصف الدولي تماما كمواقفها الأخيرة حول قضايا مشابهة. وجاء اتفاق مكة ليشكل مخرجا، ليس فقط من الأزمة الفلسطينية الداخلية التي باتت أسبابها معروفة من خلال الموقف الأمريكي- الإسرائيلي من مشروع انهائها، بل أيضا لبعض الدول الأوروبية التي وضعها الموقف الأمريكي في حالة انفصام وعجز كامل.

وقلة قليلة من دول العالم وجدت بهذا الاتفاق مأزقا لها لا مخرجا منها دول عربية طبعا، فالمشكلة ليست في موقف العدو من قضاياك المشكلة في موقفك أنت من قضيتك المركزية. ليأتي التحرك السعودي منهيا ما كان يحلو للغدارة الأمريكية وصفه بمحور الاعتدال فثمة قضية يكون فيها الاعتدال هو العدالة. ولتأتي تصريحات العاهل الأردني للتلفزيون الإسرائيلي المتزامنة مع تحرك عباس غربيا وتحرك حماس عربيا مؤكدا أن لا خروج من الأزمة الا بالرضوخ للشروط الدولية، ضمنا الشروط الأمريكية – الإسرائيلية، تعبير صارخ واضح عن نهاية هذا المحور النظري الذي ابتدعته مخيلة المحافظين الجدد المتحكمين بالإدارة الأمريكية. إضافة إلى أنه محاولة تقويض واضح لمساعي السعودية والرئيس عباس والفلسطينيين وبعض الأوروبيين لإخراج القضية الفلسطينية من النفق المظلم.

بانتظار أن تخرج السعودية بموقف واضح أيضا من هذا الوضع الذي أوقعها فيه العاهل الأردني.

وتطورات الملف الفلسطيني واتفاق مكة يرمي بظلاله على اتفاقات أخرى مشابهة منتظرة ومطلوبة في العالم العربي، والملفت هنا أن الفاعلين في هذه الملفات هم أنفسهم، ويبدو أن أسئلة أخرى كثيرة حولها بدأت تطرح نفسها. فما مآل اتفاق لبناني – لبناني محتمل تكون السعودية راعية له؟ هل ستجرأ السعودية على رعاية اتفاق عادل في لبنان وللبنانيين ينهي الأزمة الحالية أم أن بعض اللبنانيين باتوا يعرفون أن أوصياءهم لن يرضوا بأي اتفاق وعليهم رفض التفكير فيه بانتظار كلمة سر جديدة تحمل رقما من مجلس الأمن الدولي؟

وهل سيطالب بعض اللبنانيين بتنفيذ شروط الإدارة الأمريكية وضمنا المحافظين الجدد، قبل أي اتفاق؟ أم أنهم سيكونون شجعانا كالفلسطينيين؟

المراقب للوضع اللبناني يرى بوضوح أن بعض اللبنانيين استبق إعلان الاتفاق ليربطه بشروط محتملة تأتي من أقبية السياسة والدبلوماسية الأمنية للإدارة الأمريكية وهذا الأمر انعكس على مواقفهم من مبادرات عربية.

الوضع في لبنان يستلزم أيضا جرأة سعودية لا تقل عن جرأة القيادة السعودية في الموضوع الفلسطيني جرأة تتخطى حدود علاقاتها العاطفية مع بعض الأطراف اللبنانية لمصلحة هذه الأطراف ولحماية طفولتها ومراهقتها السياسية وإخراجها من متاهة دهاقنة السياسة اللبنانية الطوائفية. فإذا كان ثمة ارتهانات فردية في فلسطين فإن ثمة ارتهانات جماعية في لبنان وثمة من وضع كل أوراقه في سلة هذه الارتهانات للولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الغرب الأوروبي ومنها ارتهانات تعود لسنوات طويلة وارتهانات متأصلة لذا لا بد أن يكون الدور السعودي أكثر جرأة وعروبة واصالة. وبالتأكيد فإن نهاية الملف اللبناني بدور سعودي سيكون له انعكاسات إيجابية على الشرق الأوسط.

وفي العراق هل سيجرأ قادة العراق على تحدي الخطوط الحمر الأمريكية والقضاء على الحرب الأهلية في مهدها؟ وهل سيشكل الموقف الأمريكي من اتفاقية مكة عاملا لانتفاضة عربية كبرى على العهر السياسي الذي افتضح أمره.

إن ما يجري اليوم حول اتفاقية مكة وإخراج الأزمة في فلسطين من مأزقها يشكل علامة واضحة للوضع الدولي والعربي والإقليمي ونتائج اتفاقية مكة وتداعياته لا شك سترسم صورة حول الاتفاقيات الأخرى المطلوبة في العالم العربي والتحالفات والمحاور الداخلية فيه. فإما أن يثبت بعض العرب استقلاليتهم وإما أن يؤكدوا إرتهاناتهم الأمريكية.

ورغم أن اتفاقية مكة هي نتاج تنازلات متبادلة لصالح مبدأ عام ولا تشكل طموحا نهائيا للشعب الفلسطيني إلا أنها رفضت من الكثيرين. الذين لا يريدون حتى الحد الأدنى من الاتفاق. ولكنها بالواقع تشكل قفزة نوعية في التعاطي العربي مع قضاياه وخطوة أولى بالاتجاه المطلوب شعبيا.

كما أن صمود العرب والفلسطينيين في تنفيذهم لروحية اتفاقية مكة سيكون له تأثيره الواضح على علاقاتهم الإقليمية. فأما أن يثبتوا أن ثمة تناغم وانسجام اقليمي طبيعي يؤسس لسلم دائم بين شعوب المنطقة الأصليين يطرد الأورام السرطانية من تاريخها وأما أن يؤجلوا مرة أخرى انتصارهم ويبقوا على هزيمتهم، لكن الفرص التاريخية قد لا تتكرر.

عن الوطن السورية