ليست رواية لكن أشبه باللون القصصي الذي يجمع اثنين في عمر المراهقة ثم ينتهي في أروقة المحاكم، ليس رغبة في الانفصال بل لأن الصراع على الأبناء وصل إلى (تبديل الدين)، بينما تسير القصة دون نهاية لأن خاتمتها ماتزال بيد القضاء... فعندما يشعر مراهقان بقوة الارتباط تنتهي كل المخاوف التي يمكن أن تهاجمهما، لكنهما في نفس الوقت يحرضان الآخرين على الترصد أو الوقوف بوجههما عند أول أزمة.

زواج خارج الشكل النمطي هذه الصورة للزواج الاختياري بدأت بمصطلح (الزواج خطيفة) بعد أن أصبح تحقيقه صعباً في ظروف عائلية لا تساند الطرفين، وهذا الإجراء الذي يحاول تجاوز موافقات الأهل، وربما نفقات العرس، يصبح مع الزمن واقعاً لكنه في نفس الوقت لا يمتلك حالة (الاحتضان) الذي يمكن أن يتمتع به (الزواج التقليدي).

وما حصل مع (بشار) لم يبدأ بشكل اعتيادي لأن زواجه من السيدة (نجوى) لم يكن تقليديا فهو حمل (سمة الخطيفة)، وكان يفصلهما عن نهاية عقدهما الثاني عام واحد.. فهو زواج مبكر مقارنة مع باقي الشباب، لكن الحياة التي تحمل احتمالات كثيرة دفعتهما معاً لينجبا طفلين قبل أن تبدأ أزمتهما التي ظهرت بالنسبة لبشار دون سابق إنذار.

زوجة بشار غادرت للقاء صديقاتها وكانت تقطن في حمص، لكنها لم تعد وبقي الزوج حائراً فيما حصل، وقام بتسجيل محضر في الشرطة لاختفائها... لكن هذا القلق تحول وبشكل بطيء إلى واقع جديد، فاكتشف الزوج أن زوجته سافرت إلى مصر، وأنها على ما يبدو قررت هذا الأمر بعد مرحلة طالت وهي تستخدم الإنترنيت للتحدث مع شخص في مصر، ثم قامت بخطوتها وتركت عائلتها.

القضاء يأخذ (موقعه)...

من الصعب البحث عن خلفيات ما حدث، فالمسالة غائمة لأن أحد الأطراف مازال غائباً عن هذا التحقيق، فزوجة (بشار) بعيدة عن مجريات التحقيق الذي يمكن أن يأخذ مساحة اجتماعية حول طبيعة الزواج المبكر، لكن ما حصل بعد أن غادرت منزل زوجها يحرف مسار الحدث باتجاه قضائي، لأنها عندما عادت إلى سوريا مع شاب مصري استطاع زوجها رؤيتها في أحد المصارف، وبصحبته أحد أطفاله، ظناً منه أنه قادر على استمالة عطفها، لكن قرارها على ما يبدو كان نهائياً. ولأن (الزوجين) يعتنقان (الدين المسيحي) وهما من رعايا كنيسة (الروم الكاثوليك)، فإن الانفصال لم يكن أمراً سهلاً.. وسفرات الزوجة إلى مصر تكررت.. ثم أشهرت إسلامها في مدينة اللاذقية، ليصبح الطلاق أمراً واقعاً، وحصل التفريق لاختلاف الدين وفسخ الزواج بقرار صادر عن المحكمة. وانتهت هذه العلاقة غير الاعتيادية في أروقة المحاكم وبشكل تراجيدي، لكن نتيجة العلاقة.. الأطفال.. كانوا أيضاً (معلقين) على مساحة القضاء بعد أن طلبت والدتهما (الحضانة)، ثم رفعت دعوى تغيير دينهما!!!

عودة قدري باشا!!

اعتبر بشار أن دعوى تبديل الدين لا تملك أهمية، وكرس اهتمامه حول مسألة (حضانة) الطفلين، كما اعتمد على التطمينات التي قدمها إليه المحامون على اعتبار أن مسألة تبديل الدين لا تتم عبر (المحاكم الشرعية)، وأن الدعوى المقدمة التي تم البناء عليها في تغيير الدين هي دعوى تفسيرية من اختصاص قاضي الصلح، لكن القاضي الشرعي الرابع بدمشق أصدر قراراً بإشهار إسلام الأولاد وتسجيل الواقعة في النفوس لأن المادة 536 حددت اختصاص المحكمة الشرعية للمسلمين في الزواج وانحلاله اضافة إلى نص المادة 305 من قانون الأحوال الشخصية الذي نص في مادته 129 لـ(قدري باشا) بأنه إذا أسلم أحد الزوجين، وكان بينهما ولد قبل عرض الإسلام على الآخر فإنه يتبع من أسلم منهما باعتباره أشرف الوالدين ديناً. وبغض النظر عن الاقتناع بهذه المادة أو عدمه فإن بعض المختصين الحقوقيين رأي قرار القاضي كان مخالفاً لقانون الأحوال الشخصية في الجمهورية العربية السورية، كما خالف القانون 31 لعام 2006 الخاص بالطوائف الكاثوليكية في سوريا. دعوى الطعن بقرار القاضي ماتزال قائمة، لكن الزوج فقد على ما يبدو الثقة بمسألة السرعة في اتخاذ القضاء لمجراه، فطلب مساعدة بطركية الروم الكاثوليك فأصدرت محكمة البداية قرار وقف تنفيذ استناداً إلى القانون 31 الذي اعتبر أن السلطة الوالدية من اختصاص المحكمة الروحية. كما توجه الزوج للإعلام لأن المسألة بالنسبة إليه ليست دين أولاده بل مصيرهم وربما (نسبهم) وكافة ما سينجم عن تبديل الدين من مشكلات مرتبطة بالأشكال الإدارية، وذلك بغض النظر عن الطبيعة الاجتماعية لهذا الأمر.

فمسألة بشار تحمل وجهين

الأول – قانوني يمكن إحالته للمختصين، كما يمكن أن يقوم القضاء ببحث على هذه المسألة بعد انتهاء قرارات القضاة المختصين... فالمسألة ليست الاعتماد على قانون (قدري باشا)، بل علاقة هذه القوانين بالواقع الاجتماعي ووجود محاكم خاصة بالطوائف كما في سوريا.

الثاني – اجتماعي يتعلق بتداخل الشكل القانوني داخل النسيج الاجتماعي ليصبح أحد الطرفين يشعر بالغبن، فتطبيق القانون لا يحقق العدالة أحياناً وهو مسار جدل، فالعدالة ليست فقط تحصيل الحقوق بل أيضاً شعور المواطن بالأمان تجاه قرارات القضاء أو حتى إجراءاته الإدارية.

ما حصل مع بشار قصة تفتح المجال واسعاً لتسليط الضوء على واقع العلاقة ما بين القانون والمواطن في سوريا، فتعبير واحد استخدمه بشار كان كفيلاً بتلمس واقع (عدم العدالة)، فهو شعر أنه مواطن ينتمي لدرجة أخرى لسبب وحيد هو انجراف القانون لتفسيرات قد تكون مخطئة أو مصيبة لكنها في النهاية لم تحسم حتى اللحظة، علماً أن الحالة الطبيعية هو أن يحقق القانون المطلب الأساسي لهذا لمواطن، أو لزوجته، أو لأي مواطن آخر.

التفاصيل التي نقلها بشار كثيرة لكنها لم تكن شخصية، لأنه تحدث عن الإجراءات الإدارية بدءاً من محضر الشرطة بعد أن غابت زوجته، وانتهاء بالدعوى المقدمه فهو يعتبر أن أي دعوة قضائية تجعل المواطن خبيرا نتيجة واقع الإجراءات التي تخضع لها الدعاوي. واللافت أن القصة بمجملها ربما تحمل (جرحاً) لأي رجل يعيش مثل هذه التجربة، لكن بشار لم يتحدث عن أي جانب شخصي، ولم يحاول أيضاً إضفاء طابع انتقامي على ما حدث... لأن الأطفال بنظره هم الأهم، والقضاء هو الجهة التي يجب النظر إليها لانصاف قضيته التي يرى فيها أصحاب القانون أن الحكم الذي صدر بخصوصها هو سابقة قضائية؛ يجب الوقوف عندها ومراجعتها لما تشكله من خطورة في تشكيك المواطن بعدالة القانون.

بالاشتراك مع أبيض وأسود