الكفاح العربي / سعاد جروس

على طريقة الفواصل الإعلانية التلفزيونية, قطعت حكومتنا مسلسلها المزمن €التطوير والتحديث€ بعدما شنفت بشعاراته البراقة ذات الرنين والطنين آذان المواطنين, وكحلت عيونهم بإطلالات الأبطال من الوزراء النجوم الأنيقين الميامين, لتبدأ ببث فقرات إعلانية لمنتجها الوطني الفريد المبيد لمكافحة €الفاسدين المفسدين الفسادين€ أي كل ما له علاقة بالفساد بتركيبته الجديدة التي تصيب المتجاوزين أيضاً, وفق ما خرجت به علينا وسائل إعلامنا المحلية الأسبوع الماضي من عناوين عريضة مفادها «الحكومة تشدد على محاسبة الفاسدين... المفسدين... والمتجاوزين», وتحت العنوان خبر عن اجتماع للحكومة تم خلاله «التشديد»!! ونحن منعاً للالتباس وضعنا تشديد بين قوسين, كي لا يظنن خبيث لئيم أو مسكين غشيم أن المقصود من توجيه الحكومة التركيز على استعمال الشَدة لا الشِدة, فالشَدة وهي من حركات التشكيل, دون الضمة والكسرة والفتحة أو تنوين الكسر والنصب والاحتيال. بينما عنت الحكومة التشديد وهو إعطاء الضوء الأخضر للصحفيين كي ينشروا عرض وطول المغضوب عليهم والضالين من جماعات الفساد والمتجاوزين لحدود السرعة ولمركبات الآخرين من قدماء المحاربين على خطوط الفساد المفتوحة على النهب. صحافتنا لم تكذب خبراًً, وكعادتها نفضت جراب الحاوي, ومن طرف الجيب هرهرت في اليوم الأول والى جانب الخبر قصتا فساد تصدرت الصفحة إلى جانب التشديد, لتعطي صورة إيكو للجنين الذي تحبل به الصحافة المحلية, جراء الحَمية التي دبت في أوصال حكومتنا الفتية. الأولى, عن صفقة استيراد مديرية كهرباء حلب ستين ألف عمود إنارة خشبي غير صالحة للاستخدام, ربما كانت المديرية تنوي نصب تلك الأعمدة في المناطق التي لم ولن تصلها الكهرباء في براري أرياف حلب النائية, حيث لا هابوب ولا دابوب يتأثر إذا انكسرت وذرت أشلاءها الرياح. والثانية, عن تزوير الإيصالات الجمركية في طرطوس, ما أدى إلى اختلاس, أو إضاعة مبلغ 107 ملايين ليرة سورية عداً ونقداً على خزينة الدولة. والصحيفة التي أوردت الخبر, أردفت الرقم بكلمة «حتى الآن», بما يوحي أن المحرر كاتب العنوان, ما زال لديه يقين باستمرار عملية الاختلاس, على الرغم من كشفها للرأي العام!! وهو يقين مقيم في وجدان كل صحفي خبر الكتابة والتحقيق في هذه القضايا حتى يثبت العكس؛ والعكس هو أن لا تكون الهبَّات المضرية لمكافحة الفساد التي تنتاب حكوماتنا المتعاقبة بين حين وآخر كالحمّى المالطية, مجرد عملية تقليم موسمية لأغصان شجرة الفساد, لتعود وتبرعم وتزهر وتزدهر بعد كل حملة. والنتيجة: تيتي... تيتي... يتبخر التشديد مع التهديد والوعيد, ويمحى حبر مانشيتات: أثرياء الغفلة وما كشف عنه من وثائق عن تركيب أجنحة للعقارات, وأذرع لأخطبوطات التعاون السكني. وتطوى الملفات في أدراج الرقابة والتفتيش, لتبدأ عمليات قطع ألسن الصحفيين الأغرار, وضبضبة الأقلام في بيت الفئران لحين الطلب ثانية أو ثالثة ورابعة. وبالانتظار, نعود لمتابعة مسلسل السهرة السوري الممتع €التطوير والتحديث€ وتطبيقات نظرية النقد البناء. ويعود الصحفي ملتزماً بفناجين القهوة التي «يتزهرمها» في مكاتب المسؤولين, والخبز والتبولة التي يتسممها في ولائم العلاقات العامة من غداء وعشاء في أفخم المطاعم, فيكتب عن الأخلاق الحميدة لفلان, والتهذيب المفرط عند علتان, من الذين يحترمون «الصحافة المسؤولة». ومن جديد يستضيفون الصحفي ليشرحوا له وجهة نظرهم, ويفتحوا عمى عيونه على ما يجهله من شخصياتهم, كأبناء أوفياء لهذه البلد, زاهدون بالمناصب والمكاسب, وما قبولهم بها إلا من باب التخجيل أو العرفان بالجميل بالثقة التي منحت لهم, وكيف يخوضون يومياً امتحاناً قاسياً وعنيفاً مع جبابرة الفساد الطالعين من طقاطيق الأرض. لكن لا حيلة لهم, يأتيهم ما لا قدرة لهم عليه, فيسقط في يدهم ويحارون في أمرهم, ويوقعون على قرارات غير قانعين بها. وفي النهاية, ما العمل؟ مجبر أخاك لا بطل. وهكذا يوحون لزائريهم من الصحفيين الغاشمين أو المغشي عليهم كي يتم تقدير هذا الحال, وعدم طلب المحال, والتبصر في كل حرف قبل الكتابة والنشر, لأن كل نقد لا يخلو من إساءة شخصية لمسؤول هو في الواقع غير مسؤول حتى عن اختيار السكرتيرة التي تحرس بابه وتقبض على هواتفه الثابتة والجوالة. الغريب العجيب في هذا السلوك أنه بات مفضلاًُ لكثير من المسؤولين الغلابى, بعدما ثبت عدم جدوى التطنيش على التلطيش, ولا يعتبرون النقد دعماً لمواقفهم الحقيقية ولقناعاتهم غير المعلنة المتعارضة مع قرار يتخذونه مرغمين, هذا إذا صدقنا حسن نياتهم وصفاء سريرتهم, وأنهم مسيّرون لا مخيّرون. وما عجبنا إلا من دفاعهم المستميت عما يقولون أنهم غير راضين عنه. فإذا كتبت الصحافة عن إلغاء ترخيص جمعيات أهلية عريقة أو حديثة باتت مطلوبة بإلحاح في كل مجتمع, قالوا لا ذنب لنا في ذلك فلا تهاجمون قراراتنا. وإذا انتقدت الطريقة التي تعامل بها المواقع الالكترونية, قيل هذا الأمر ليس بيدنا ولا طاقة لنا على رده, فنحن مع الانفتاح على العالم... إلخ من قرارات ما انزل الله به من سلطان يجب التسليم بها كالقضاء والقدر في مسلسل سهرتنا الطويل الذي يزداد إمتاعاً وتشويقاً, ومع كل فاصل, إعلان عن تركيبة جديدة عن مبيد لمكافحة الفاسدين المفسدين والمتجاوزين, دون نسيان التشديد على فعاليته المضمونة. نعود ونسلم أمرنا لله قائلين: اللهم لا نسألك رد الفساد, لكن نسألك اللطف فينا.