الرأي العام / صبحي غندور

خمسة عقود تقريباً مضت على أول تجربة وحدوية عربية في التاريخ العربي المعاصر. ففي 22 فبراير من العام 1958 ولدت «الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسورية بقيادة جمال عبد الناصر، بعد استفتاء شعبي بين البلدين أقرّ صيغة إعلان الدولة الاتحادية العربية الجديدة. دولة الوحدة عام 1958 لم تكن حصيلة ضم قسري أو غزوٍ عسكري، أو طغيان جغرافي من دولة عربية على دولة أخرى عربية مجاورة. كذلك لم تكن دولة الوحدة نتيجة انقلاب عسكري في سورية، ولا بسبب وجود حزب سياسي «ناصري» فيها قام بالضغط لتحقيق الوحدة مع مصر عبد الناصر. أيضاً، لم تكن وحدة مصر وسورية بناءً على رغبةٍ أو طلبٍ من القاهرة جرى التجاوب معه من دمشق، بل كانت حالة معاكسة، إذ كانت القيادة السورية برئاسة شكري القوتلي (والتي وصلت للحكم في سورية نتيجة انتخابات شعبية) هي التي تلحّ في طلب الوحدة مع مصر بناءً على ضغوط شعبية سورية. إذاً، أين كان مكمن المشكلة في هذه التجربة الوحدوية العربية الفريدة، ولِمَ تعثّرت وحدث الانفصال بعد أقل من ثلاثة أعوام؟ حتماً لم تكن المشكلة في المنطلقات والغايات، بل كانت في الأساليب التي اتّبعت خلال تجربة الوحدة. فكل عمل إنساني ناجح (على مستوى الأفراد والجماعات) يشترط تكاملاً سليماً بين «المنطلق والغاية والأسلوب»، وهذا ما لم يحدث في تجربة الوحدة بين مصر وسورية، إذ إن المنطلق كان سليماً لأن الوحدة حصلت بإجماع شعبي في البلدين وبضغط شديد من الجانب السوري. كذلك كانت الغاية سليمة في كل أبعادها، لكن العطب كان في الأساليب التي استخدمت من أجل تحقيق الوحدة وفي سياق تطبيقها. فالوحدة الاندماجية الفورية بين بلدين لا تجمعهما أصلاً حدود مشتركة، وبينهما تباينات في البنى الاجتماعية والاقتصادية والتجارب السياسية، كانت خطأ ساعد على نمو المشاعر السلبية بعد تطبيق الوحدة. أيضاً، وهذا هو الأهم، فإن إدارة الإقليم الشمالي (سورية) كانت خاضعة لسلطة حاكم مصري (المشير عبد الحكيم عامر) الذي كانت أولوياته وأساليبه الأمنية والسياسية عناصر غير مشجّعة على الاندماج المطلوب بين الشعبين آنذاك. فلو لم يكن هناك مناخ سلبي لدى الشعب السوري حصيلة ممارسات «الحاكم المصري» خلال تجربة الوحدة، لما نجح الانفصاليون السوريون في انقلابهم، ولخرج الشعب السوري إلى الشوارع لإحباط مؤامرة الانفصال. لقد كان ذلك درساً قاسياً لجمال عبد الناصر، وقد امتنع عن استخدام القوة العسكرية للحفاظ على تجربة الوحدة، رغم أن ذلك كان متاحاً من الناحية القانونية وممكناً عسكرياً. لكن ناصر اختار أن تبقى سورية واحدة على أن تبقى سورية في الجمهورية العربية المتحدة. فقد أدرك أنّ تدخّله ضدّ الانفصاليين سيؤدّي إلى حرب أهلية سورية إضافةً إلى صراع دموي سوري - مصري في كل الأحوال. وقد قال آنذاك: «ليس المهم أن تبقى الجمهورية المتحدة، بل المهم أن تبقى سورية». هذا القيادي العربي التاريخي اختار الهزيمة السياسية لمشروع وحدوي مهم، وله شخصياً، من أجل الحفاظ على وحدة بلد عربي آخر، ولصيانة تجربة الوحدة من حرب أهلية، ولمنع إراقة الدم العربي حتى من أجل غاية عربية نبيلة. طبعاً، لم يحدث الانفصال فقط نتيجة عوامل داخلية وسلبيات أساليب التجربة، بل كان أساساً بتحريض خارجي وبدعم كبير من القوى الدولية الكبرى التي كانت تتصارع في ما بينها بين كتلة شرقية وأخرى غربية، لكنها اتفقت على محاربة «الجمهورية العربية المتحدة» ولأسباب مختلفة في ما بينها. واللافت للانتباه أنّ قمّتي القطبين الشيوعي والرأسمالي آنذاك (موسكو وواشنطن) وقفتا ضدّ تجربة الوحدة بين مصر وسورية، بينما قامت بلادهما أصلاً على «الاتحاد (الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية)، وتاريخهما قام على المواجهات العسكرية مع حركات انفصالية داخلية كانت لها جذور شعبية واسعة وليست مجرّد حركات سياسية أو انقلاب عسكري كما حصل في انفصال الإقليم الشمالي السوري عن الجمهورية المتحدة. جمال عبد الناصر استفاد كثيراً من تجربة الوحدة، لذلك رفض بعد أعوام قليلة من محنة الانفصال أن يكرّر التجربة من دون تمهيد سليم لها. فلم تحمله العاطفة القومية، ولا المصلحة السياسية الشخصية، على القبول بإعلان الوحدة بين مصر وسورية والعراق عام 1963 بعد أن استولى حزب «البعث» على السلطة في دمشق، وخاض ناصر محادثات فكرية وسياسية عميقة مع قادة سورية والعراق أكّد خلالها على أهمية توافر العناصر اللازمة للوحدة قبل الشروع بتحقيقها. وهذا ما فعله ناصر أيضاً مع حكومتيْ ليبيا والسودان عام 1969 إذ رفض الوحدة الاندماجية مع هذين البلدين رغم العوامل الكثيرة التي كانت تجمع بين مصر وليبيا والسودان، واكتفى ناصر بإعلان «ميثاق طرابلس» الذي نصّ على مراحل عدة قبل الوصول إلى حال الاتحاد الشامل. وشاء القدر أن ينتقل ناصر إلى رحمة الله تعالى في 28 سبتمبر من العام 1970، وفي الذكرى التاسعة للانفصال الذي حدث يوم 28 سبتمبر عام 1961، وبعد جهد كبير لوقف الصراع الأردني -الفلسطيني، ومن أجل الحفاظ على التضامن العربي الذي أعطاه ناصر أولوية قصوى عقب حرب العام 1967.

ما أهمّية التوقّف الآن عند ذكرى تجربة الوحدة بين مصر وسورية قبل نصف قرن تقريباً؟ الإجابة يفصح عنها واقع الحال العربي الراهن الذي لا يقوم فقط على صراعات بين حكومات، بل على تفسخ أيضاً في وحدة الأوطان، وعلى محاولات إقليمية ودولية في جعل الحدود بين العرب قائمة على الدم الأحمر، وليس فقط على ذاك الحبر الأسود الذي وضع خرائط حدود هذه الأمة منذ نحو قرن من الزمن. كانت حقبة الخمسينات من القرن الماضي حقبة تحرّر وطني وقومي ودعوة لتوحّد أقطار وشعوب الأمة الواحدة. الحقبة الآن، هي حقبة الهيمنة الأجنبية والتشرذم الداخلي لصالح الطامعين بهذه الأمة. وإذا كانت جريمة الانفصال التي حدثت عام 1961، وهي كانت جريمة سياسية بحق الأمة ومستقبلها، وكانت أيضاً عاملاً مساعداً على حدوث هزيمة حرب عام 1967، قد حصلت نتيجة خطايا الأساليب فقط رغم حسن المنطلقات والغايات، فكيف سيكون الحال وحجم الجرائم إذا كانت المشاكل قائمة في الأساليب والغايات والمنطلقات؟ وكيف إذا لم يقتصر العطب فقط على المؤسسات، بل طال أيضاً الفكر والقيادات؟ إن توافر عناصر التوحد بين أقطار الأمة وشعوبها لا يحقق وحده النجاح للتجارب الوحدوية العربية المعاصرة. إن التجربة الاتحادية الأوروبية المعاصرة تبقى خير مثال على أن «أمماً» أوروبية مختلفة الثقافات واللغات والمعتقدات وبينها تاريخ حافل من الحروب والصراعات تستطيع تحقيق الاتحاد في ما بينها إذا ما توافرت القيادات والخطط والمؤسسات السليمة.