عندما تعود الذاكرة باتجاه المراحل المبكرة للدولة، نقف عند حدود واضحة في تفكير المجتمع، فالفارق النوعي بين الأمس واليوم هو طبيعة التفكير التي كانت تبحث، لكنها اليوم تحاول أن تستند إلى الماضي فقط. وحتى في رحلة الذاكرة هناك أكثر من مراجعة، لأنها "مناسبة" فرضها التاريخ، أو التقويم الذي يعيدنا نحو "يوم" محدد أصبح جزء من تكوين البعض، ومحطة لبعض العقول...

وضمن حركة الحدث اليومي ربما يسترجع البعض "أنطون سعاده" في الأول من آذار، لكن القضية تختلف عندما نجد أن السنوات التي مرت تركتنا مع "الأسماء" وفي نفس الوقت أنهت الشكل النقدي في تعاملنا مع خبراتنا السياسية أو الفكرية أو حتى الاجتماعية.. فـ"المناسبة" تنتهي لكن "شكل" الاحتفالية التي نقودها عبر العقود المتتالية أنشأت صورة "الزيف" الذي نتبناه في أسماء الأشخاص، بدلا من البحث في "الإنتاج" الذي يستطيع سحبنا نحو المستقبل بدلا من تكرار الذاكرة.

فإذا حاولنا كسر "المناسبة" ربما لا نصادف في لحظة التشتت اليوم سوى رسم فكري، فتظهر التصريحات الأمريكية حول المؤتمر الدولي للعراق وكأنها "زيف" أيضا، فلا نستطيع التذكر في الأول من آذار سوى كلمات قليلة لخصت الدولة بأنها التعبير الحقوقي للمجتمع... فمع التشتت الذي يتم فرضه باستعادة التراث يبقى التحديد السابق مجال البحث خارج المناسبة... أو خارج "أنطون سعاده" كصورة حزبية فقط...

ما يمكن استعادته هو حالة تدفعنا نحو المستقبل لأن استرجاع التاريخ هواية للضعفاء، بينما لا نستطيع التوقف في اتجاه "الاستراتيجية" التي تبحث عنا في صورة "الشتات" و "اللجوء"، أو تحاول تكويننا بالقرارات الدولية، ثم نفخر بأننا لا نخالف هذه الشرعية أوننتظرها حتى تأتي إلينا فنشكل مفاهيمنا على سياقها...

وفي زحمة الحدث فإن انتعاش الذاكرة يمكن أن يجرفنا باتجاه كتابة التاريخ على سياق المناسبة، لكننا معنيون أيضا بملامح القرن الجديد، أو بالتعامل معه كأبناء للحياة وليس للتاريخ، وكطامحون للتحرر من "الويل" أو التكرار النمطي لأزماتنا.. فلا نرى سوى المحاولات النقدية لمعرفة كيف تاهت الأفكار أو التيارات، وربما نحجم عن "المفاخرة بأننا "حذرنا" أو "عرفنا" فالمسألة أعقد من قدرتنا على المعجزات عبر مناسبة.. لأن ما حملناه لم يكن "غيبا" بل تجارب وقراءات وتحاليل ورغبة في اقتحام الحياة بدلا من العيش في ظل الذكريات... فالأول من آذار لا يخص أحدا هو للجميع... وكأي فكر إنساني هو للحياة وليس للمتاحف والمفاخرة ... الأول من آذار للدراسة والقراءة والبحث في المستقبل.