قبل أن تحط وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليسا رايس رحالها في المنطقة مؤخراً، تبخرت أحلامها الوردية بـ(حلحلة) أنجزتها في زيارتها التاسعة لحمل الفلسطينيين والإسرائيليين على استئناف المفاوضات أملاً في أن يؤثر أي (تقدم في المسألة الفلسطينية وبشكل كبير على المنطقة). ولا مبالغة في القول إن ما ألمحت إليه رايس كان متفقاً عليه مع الاتحاد الأوروبي ورئيسة دورته الحالية إنجيلا ميركل التي قالت: (إن حل هذا النزاع أو التقدم في تسويته سيؤثر على نزاعات المنطقة) (السفير 19/1/2007). لكن المفاجأة، إن صح الوصف، التي حملها (اتفاق مكة) بين حركتي (فتح) و(حماس) جعل رايس تتراجع كثيراً وتبحث فقط عما ينقذ ماء الوجه في زيارة حُدد موعدها منذ شهر، وبدت نتائج إلغائها أصعب من نتائج القيام بها.

كانت رايس تأمل في أن تفتح زيارتها العاشرة للمنطقة في غضون عامين (أفقاً سياسياً)، لكن روبرت ساتلوف (مدير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى- واشنطن)، قضى، وهو يصنف الخاسرين والرابحين من (اتفاق مكة)، بأن الأفق الذي كانت تحلم به رايس بات مغلقاً، حتى أنها راحت تتحدث عن أن توافق الفلسطينيين قد (عقّد مهمتها)، دون أن يخلو هذا من تهديد بأن يدفع الفلسطينيون ثمن وحدتهم الوطنية. كانت رايس تدرك أن (فتح الأفق السياسي) يعني (إعادة الاصطفاف) في المنطقة بإنشاء (محور الاعتدال) العربي لمحاربة (التطرف) الذي يعني شطب حماس أو تطويعها، والسبيل إلى ذلك يكمن في البحث في قضايا الحل النهائي. وصولاً إلى تسوية تلبي المطالب الأمريكية والإسرائيلية التي تحمل اسماً رمزياً هو: مطالب (شروط) الرباعية الدولية.

لقد تقزمت محاولة (فتح الأفق السياسي) إلى فتح أحد المعابر بين قطاع غزة وفلسطين المحتلة عام 1948، ليُضفى عليه صفة (معبر دولي). ولم يسفر اللقاء الثلاثي الذي جمع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت إضافة إلى رايس عن شيء حتى أنه قيل (إن حسابات البيدر (بيدر القمة الثلاثية) لم تتطابق مع حسابات الحقل)، فبدلاً من الآمال والتوقعات العِراض التي علقتها رايس على هذه القمة حلّت تفاهمات عامة ليس لها رصيد يذكر. وبدلاً من الانخراط في مفاوضات الوضع النهائي، التي كان ينبغي أن تتم بين الأطراف المعنية بعد خمس سنوات من توقيع اتفاق أوسلو، قال إيهود أولمرت: إنه لا يستطيع الدخول في هذا النمط من المفاوضات بسبب وضعه الداخلي (الحساس)، فيما كان الرئيس الفلسطيني يطالب بمفاوضات (ذات مغزى)، والإفراج عن الأموال الفلسطينية المحتجزة، حتى أن أولمرت رفض تحويلها لمكتب الرئيس عباس رابطاً ذلك بإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت الذي تم أسره في عملية (الوهم المتبدد) يوم الـ25 من حزيران 2006.

وإنقاذاً لماء الوجه قدمت كونداليسا رايس، في أعقاب ثلاث ساعات من الجدل الذي طغى عليه (الصراخ)، مجموعة من المقترحات، عرضتها في مؤتمر صحفي منفرد، وافق عليها الطرفان تمثلت في:

- (الالتزام بمبدأ الحل القائم على أساس الدولتين، وفق رؤية الرئيس جورج بوش) التي وردت في خطابه يوم 24 حزيران 2002، لكن بوش الذي أشاع وهماً كاذباً بأن هذا (الحلم) سوف يبصر النور نهاية العام 2005، ما لبث أن تراجع عنه معرباً عن شكه في تحقيقه قبل عام 2009، و(العمل على تحويل هذه الرؤية (حل الدولتين) إلى مسار سياسي).

- (احترام الهدنة (المعلنة من جانب الفصائل الفلسطينية) والعمل على توسيعها لتشمل الضفة الغربية. ولم تكن الهدنة شاملة للضفة باعتبارها (أرض الصراع) من جهة، وكون إسرائيل ترى فيها (أرضاً يهودية)، وهي في آن المسرح الذي يُزرع بما أطلق عليه (الحقائق على الأرض) والمقصود به زيادة المستوطنات وعديد المستوطنين. وفي هذا الصدد قال تقرير نشرته حركة (السلام الآن) (21/2/2007): إن عدد المستوطنين في المناطق المحتلة (أي الضفة الغربية) ارتفع العام الماضي بنسبة 5% ليبلغ 268 ألفاً (ولا يدخل في هذا العدد المستوطنون المقيمون في القدس- باعتبارها موحدة خاضعة للسيادة الإسرائيلية)، فيما يجري الآن العمل على بناء أكثر من 3 آلاف وحدة سكنية جديدة، فضلاً عن شق الطرق وإقامة بنى تحتية لبؤر استيطانية كان مفروضاً تفكيكها (وهي التي تعتبر غير قانونية، أي أنها لم تحصل على ترخيص رسمي من السلطات الإسرائيلية المختصة). ويقدر عدد المستوطنات في الضفة 212 مستوطنة فيما عدد البؤر العشوائية التي أمر شارون بإقامتها انسجاماً مع مقولته (استوطنوا قمم التلال) 102 مستوطنة. ويفهم من هذا تراجع أولمرت عن خطة (الانطواء) بعد أن بشر بذلك إثر العدوان الإسرائيلي على لبنان الصيف الماضي.

- (العمل على تنفيذ خريطة الطريق)، التي يقول أفرايم هليفي رجل الموساد الذي تحول إلى دبلوماسي: إنها (وجدت لأجل ألا تنفّذ)، وشاهده هنا رسالة الضمانات التي تلقاها شارون يوم 14 نيسان 2004 من بوش بعد أن أدخلت عليها تعديلات تجاوزت المئة واختصرت بأربعة عشر تعديلاً. وكان تعقيب شارون عليها: لقد وجهت للفلسطينيين ضربة قاصمة.

- (ضرورة التزام الحكومة الفلسطينية بشروط الرباعية الدولية) والتي تقضي بـ: (اعتراف الحكومة الفلسطينية القادمة (حكومة الوحدة الوطنية) بإسرائيل)، و(التخلي عن العنف)، وهو مصطلح مرادف للإرهاب، أي على الفلسطينيين أن ينبذوا المقاومة باعتبارها إرهاباً، و(الالتزام بالاتفاقات الدولية). وكل اتفاق وقعته م.ت.ف مع إسرائيل، بما فيها (اتفاق أوسلو) الذي يقزم الحقوق الوطنية والقومية للفلسطينيين بـ(حكم ذاتي محدود).

انتهت القمة الثلاثية، بين رايس- عباس- أولمرت (19/2/2007) بسجال وتوتر، استهله السفير الإسرائيلي لدى لندن (تسفي حيفتس) بتحذير حماس من أن رفضها الاعتراف بإسرائيل (دفع الفلسطينيين إلى شفا حرب أهلية أدت إلى مقتل أكثر من 100 فلسطيني) (الغارديان البريطانية 20/2/2007) وكأن الاعتراف بإسرائيل مواز للحقوق الوطنية الفلسطينية. وكان معلقون إسرائيليون قد حكموا على القمة الثلاثية بالفشل، لأن اللقاء، كما قال المعلق في صحيفة معريف (نداف إيال)، كان (لقاء زعماء ضعفاء جاؤوا من أنظمة حكم متداعية، مع استطلاعات رأي لا تبشر بالخير)، فهي في اعتقاده (قمة البائسين)، في حين وصفها آفي يسخاروف (هآرتس) بأنها (قمة الخوف).

كان التوجه الرئيس عند الإعداد للقمة الثلاثية يشير إلى محاولة التوصل إلى (خطة واضحة) تتضمن مفاوضات بشأن التسوية الدائمة بشكل هادئ. لكن رياح الوفاق الفلسطيني (لقاء مكة) جرت بما لا تشتهي سفن الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، وبدلاً من الالتفاف على حماس، قال إيال (حصل أولمرت ورايس على حكومة لن تكون مستعدة للقول: إنها تعترف بإسرائيل).