في اللقاء الثلاثي، اللقاء المرتقب، اللقاء الموعود، كما وصف، الذي جمع(أبومازن)مع كونداليسا وأولمرت،رفع علمان في مدخل مكان الاجتماع في القدس الغربيّة، هما علم أمريكا وحليفتها الاستراتيجيّة، رفرفا، تعانقا، تواشجا، اندغما، تهامسا، ترنحا من فرط التدلّه والنشوة واحدهما بالآخر، حتى صارا علماً واحداً، لبلد واحد، وجيش واحد، وأهداف واحدة... بين العلمين انتصبت صارية بلا علم، والعلمان يتصافقان حولها للتغطية عليها، يغلقان برفرفتهما العدوانيّة أي فراغ يمكن أن يملأه علم فلسطين، فلا مكان لعلم يعلو على هذه الصاريّة...

الأطراف ثلاثة، هذا ما تتناقله الفضائيّات، والإذاعات، ووكالات الأنباء، والمرفوع في المكان علمان: العلم الأمريكي والعلم ال..فأين علم الطرف الثالث، أم إنه ليس شريكاً مقبولاً رغم سنوات مسيرة السلام؟

كان لافتاً للانتباه بقوّة أن علمي أمريكا والدولة التي لاحدود لها، والتي اعترفت بها رغم ذلك م.ت.ف، رفرفا في فضاء اللقاء ، بينما علم فلسطين مغيّب؟!

ما هذا ؟ ألم تعترف منظمة التحرير الفلسطينيّة بالدولة التي بلا حدود ،وبالرعاية الأمريكيّة،وفي سلسلة حفلات توقيع ، واتفاقات ،برعايات:أمريكيّة، مصريّة،أوربيّة؟! فأين العلم الفلسطيني يا سادة بعد كل تلك الحفلات ، والقبل، والعناقات؟! يعني رغم الاعتراف، والكادوك لميثاق المنظمة في الإليزيه _ كلمة فرنسية معناها شغل الفلسطينيين ،وتندروا بها واستطرفوها من رئيسهم الذي حفّظت له والتي معناها حذف كّل المواد التي تعتبر متطرّفة في الميثاق الوطني الفلسطيني، مثل أن فلسطين جزء من الوطن العربي، وأنها وطن الفلسطينيين _ وحفلات البوس مع رابين ،وبيرس، ووثيقة جنيف ،وتبعية الاقتصاد و..لا يرتفع علم فلسطين حتى على صارية أمام فندق ضمّ الاجتماع الثلاثي، والذي كان ثنائيّاً فرايس وأولمرت طرف واحد؟

هل يا ترى إذا اعترفت حماس بالدولة التي بلاحدود سيرتفع العلم الفلسطيني،و..سترفع الحواجز من الضفّة ، وسيرفع الجدار الجاثم عن أراضي الفلسطينيين في الضفّة ؟ أم ترانا فقط سنواصل الفرجة على علمين يرفرفان بشغف ،بحميميّة، بمتعة، بينما نحن لنا صارية على شكل خازوق ، مهما قدّم ممثلونا من اعترافات، باسم المنظمة،أو باسم حماس، أو حتى باسم الله الرحمن الرحيم ( استغفر الله لي ولكم)!

أستعير من الكاتب المصري محفوظ عبد الرحمن عنوان مسرحيته ( حفلة على الخازوق) ، وأثبّت العنوان أمام ( جماعتنا) ومن كّل الأطراف،لعلّهم يرعوون،ويأخذوا عبرة من مسيرة السلام الممتدّة منذ العام 1993 والتي فزنا منها بصارية على شكل خازوق، صارية تبشّر بأي شئ ما عدا انبثاق علم فلسطين بين العلمين الذين يحاصرانه . جوّعوهم:

نطّت كونداليسا من القدس( أورشليم) إلى ألمانيا،مواصلة حربها على الفلسطينيين،حيث زجرت الرباعيّة التي أردنا الاستعانة بها على تجبّر وسطوة أمريكا، فإذا بها رخوة، مائعة ، دلعة، مغناج، رخيصة ، وهذا حالها عندما يطلب منها موقف له صلة بأمريكا والدولة التي لا حدود لها ولجشعها!.

في ألمانيا أصدرت كونداليسا أوامرها للرباعية: واصلوا الحصار على الفلسطينيين حتى يعترفوا بالدولة التي لا حدود لها،ولا دستور..

أترون!

هذه هي أمريكا، ومن يسترضيها لن يفوز بغير الخوازيق،وسلامها كديمقراطيتها في العراق : اغتصاب... معركتنا مع أمريكا، وفي ملعبنا نستطيع أن نتعبها، ونجعلها تحسب حسابنا، وشعبنا قادر، ولكن ..من يمتدحون كونداليسا، ويبررون مواقفها، ويقوّلونها كلاماً غير الذي قالته ..يضعفوننا. ومن يتنقّل بالمارسيدس السوداء، بزجاجها الرمادي الغامق، لا يرى علمنا بلا صارية، فهو مسكون بالجلوس على الكرسي المرحرح ، ولتجلس فلسطين وشعبها على خازوق يأخذ شكل الصارية بلا علم!

معركتنا مع ( العلمين) الذين يخنقان علمنا هي معركة وعي ، ومصداقية مع النفس ،فمعركة ( العلم) ليست رفعه على صارية بين العلمين الخانقين .معركة علمنا يا كّل من يهمّكم أمره هي مع ( العلمين)... سفيرة لا أعرفها!

عاتبني سفراء التقيتهم بعد مقالتي (سفراء لا يمثلوننا) .وسألني بعضهم: ألا يوجد ولو سفير واحد يستحّق التنويه به؟ وهنا حككت ذاكرتي ،وارتج علّي ولم أجب، لأنني عجزت عن طرح ولو اسم سفير واحد . فالسفير المحترم الذي يمكن ذكره ، هو في أقل مأخذ عليه، هو في قضائه ما لايقّل عن 25 سنة في العمل كسفير! عجيب : هل ولدت من أمك سفيراً ، يعني من رحمها الكريم إلى السفارة وأنت في اللفاع ، ومن إحدى السفارات إلى القبر، بحيث لا تمّر على الشعب الذي تمثّله في المخيمات ليتعرّف على سحنتك الكريمة ، ويطمئن على سلامة لغتك العربيّة الأم بعد طول غياب؟! ولكن انتظروا فها أنا قد وجدتها..والفضل يعود لشهد.

وجدتها ..فهناك سفيرة ،لا سفير، وأنا لا أعرفها، ومع ذلك فهي منحتني فرصة الثناء على أحد يمثّلنا.

أنا لم أقابل هذه السفيرة في حياتي ، ولم أسمع باسمها من قبل، وحتى بعد أن سمعت باسمها لم أتذكّر أنني التقيتها من قبل . السفيرة التي حظيت بثناء الفلسطينيين من الجالية، هي السيّدة رندة النابلسي ، سفيرتنا في البرتغال ، والبرتغال بلد متداخل الحدود مع إسبانيا، ولنا في البلدين أصدقاء ما زالوا على عهد فلسطين، ويكفي أن اذكّر بالروائي العالمي الكبير الفائز بنوبل ،

ساراماغو، ومواقفه المشرّفة التي يفصح عنها دون خشية من تهم توجّه إليه من المنظمات الصهيونيّة والكيان العنصري..من ينسى تصريحاته عندما زار رام الله مع وفد الكتّاب العالميين!

بحسب شهادة الشّابة الفلسطينيّة شهد وادي ، فإن السفيرة تعرف أحوال كل أفراد الجالية في البرتغال، فرداً فرداً، وتتّصل بهم وتتابع أحوالهم ، وتتوجّه لهم بالنصح ، وتتبادل معهم الرأي حول السبل الأنجع لخدمة القضيّة ، ولتحسين أحوالهم بأفضل الطرق وأكثرها استقامة.

والسيّدة النابلسي المتواضعة ، والدؤوبة يتعلّم ابنها في إحدى الجامعات البرتغاليّة _ يعني ليس في الجامعات الأمريكيّة_مثله مثل غيره من أبناء الفلسطينيين والبرتغاليين .

السيّدة نابلسي عندما تحتفل بمناسبة وطنيّة فإنها تقيمها في بيتها، وبنفسها تشتغل توفيراً وحرصاً على كل قرش من مال الشعب الفلسطيني .

قبل أيّام تزوّج شاب فلسطيني ، فدعت أفراد الجالية إلى حفل عشاء احتفاءً بالأسرة الفلسطينيّة الجديدة .

لا دعوة في مطعم، فلا إسراف بينما شعبنا المحاصر يجوع .

السفيرة المتعلّمة المثقّفة انهمكت في إعداد الطعام الفلسطيني، فهي بنفسها وقفت في المطبخ ،تنظّف ، وتفرم، وتعّد الأطباق الفلسطينيّة لأبناء الجالية الذين يحنّون لطعام أمهاتهم، وهذا ما فاجأ شهد التي انخرطت مع الجميع في تقديم العون للسفيرة في شغل المطبخ في جو عائلي حميم.

هذه السفيرة لا تشتغل في(البزنس)،لا صلة لها بالتجارة، بالاستيراد والتصدير،هي سفيرة لفلسطين القضيّة والشعب ،وهي شبعانة من بيت أهلها ومش مفجوعة وجاهة ومال.

أنا لا أطالب سفرائنا بارتداء البناطيل الرثّة، أو الجينز العملي، والوقف في المطبخ، أنا كأبناء وبنات شعبنا فقط أريد للسفير أن لا يبقى السفير سفيراً طيلة عمره ، وأن لا يثري من البزنسة ، وأن لا ينقل من بلد إلى بلد ويقضي حياته سفيراً، وأن يصرّح عن ( ثروته) وممتلكاته قبل السفارة وبعدها!.

في كل حال : الحّق ليس على السفراء وحدهم،الحّق على من ( سفّّرهم) بتذاكر ون وي تكت ،ونسي استعادتهم، وأسباب سفرهم!.

وختاماً :

أذكّركم بأن الفلسطينيين يدفنون شهداءهم ملفوفين بالعمل الفلسطيني،تكريماً لهم،لتسكن نفوسهم بالعلم، وليكون شفاعتهم بين يدي الله . فالعلم الفلسطيني كالقمح ينبثق من التراب،ويعطي سنابل كبرياء وانتماء... علمنا لا يأخذ شرعيته من صارية أمريكيّة صهيونيّة .

القدس العربي ..