في مؤتمر ميونيخ الأمني، الذي انعقد أوائل شباط/ فبراير الحالي، تساءل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: كيف تستطيع دول تحظر عقوبة الإعدام أن تشارك بسهولة في عمليات عسكرية يقتل فيها مئات بل آلاف الناس؟ لماذا يجب الآن، عند كل فرصة مواتية، ممارسة الضرب والقصف؟ هل ينقصنا التهذيب السياسي واحترام القيم الديمقراطية والقانون، وقد غاب خطر الإبادة المتبادلة؟

إنه لمن حسن الحظ حقاً أننا عشنا كي نسمع ما أردنا سماعه، وما كان يجب أن نسمعه قبل سبعة عشر عاماً، ففي تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1989 أعلن الرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشيف كلاماً آخر، مختلف كلياً، جاء فيه ما يلي: آن الأوان للاعتراف بأنه لا توجد في هذا العالم غير حضارة واحدة! لقد كان إعلان الرئيس غورباتشيف مفجعاً لمئات الملايين من البشر، حيث بدا واضحاً حينئذ، حتى لأبسط الناس، أنه عنى بالحضارة الواحدة (الحضارة الأوروبية) أي الرأسمالية العالمية! فهل كانت تلك صرخة متعب من المقاومة والكفاح يريد مطلقها أن يسلّم لخصومه بالسيادة وأن يقدّم لهم مفاتيح قلعته المحاصرة على مدى عشرات السنين؟ لعلها كانت كذلك، ولعلها كانت غير ذلك! ولكن على أية حال، ومهما كانت دوافع غورباتشيف وأهدافه من وراء تصريحه، فقد كان ذلك اعترافاً علنياً طرح على بساط البحث تلك الإشكالية المعرفية التاريخية المزمنة بصدد العلاقات الداخلية والخارجية للمجتمعات البشرية عبر العصور، وفي هذا العصر العالمي الرأسمالي المعين والمحدد. وضع النقاط على الحروف!

غير أن الأمور لم تتوقف عند الحدّ الذي بلغته عام 1989، فبعد أن أعلن مجلس السوفييت الأعلى (عام 1990) رسمياً اعتماد سياسة السوق، أي سياسة العرض والطلب، انتهت يومها دفعة واحدة أية ضرورة للدخول في مماحكات نظرية وسياسية، بل لقد أعلن الرئيس غورباتشيف لاحقاً أنه يقرّ للدول الاستعمارية بحقوقها وامتيازاتها في جنوبي العالم، خاصة في المنطقة العربية! لقد كان ذلك يشبه ما فعله كارل كاوتسكي حين راح يشرح كيف أنه يحق لرأس المال التوسع والانتشار إنما بطرق سلمية!

نذكر اليوم ذلك، وما ترتب عليه من اضطرابات نظرية وسياسية واسعة النطاق عالمياً، بينما نحن نستمع إلى تصريحات الرئيس بوتين التي وضعت النقاط على الحروف، فهو فضح الرياء الرأسمالي الاستعماري الذي يحظّر في بلدانه عقوبة الإعدام ضدّ المجرمين الأفراد بينما هو يرتكب أبشع المجازر ضدّ الشعوب الأخرى ويقتل أبناءها بالآلاف! وهو كشف زيف الزعم باحترام القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث يمارس الأميركيون وحلفاؤهم الضرب والقصف على أوسع نطاق، مع أن خطر الإبادة المتبادلة قد زال بزوال الاتحاد السوفيتي الذي كانوا يبررون بوجوده جرائمهم! وينبغي أن ننتبه هنا إلى أن الرئيس بوتين فضح أخيراً حقيقة الحملات التي كانت تنظم ضدّ الاتحاد السوفييتي وتنهكه داخلياً وخارجياً، فها هم الاحتكاريون المرابون ينظمون الحملات ذاتها ضدّ العراق وإيران والصومال والسودان، بل ضدّ الشعب الفلسطيني الأعزل المحاصر المدمّر، فيعاملونه كما لو أنه الاتحاد السوفييتي!

لقد أوضح الرئيس بوتين بجلاء أن بلاده تتطلع إلى عالم نظيف من الأسلحة النووية، أي إلى نزع التسلح بدل سباق التسلح، وأنها تتطلع إلى حل المشكلات الاجتماعية في العالم لأنها السبب الرئيس في تصاعد موجات الإرهاب، أي أن ما يسمى إرهاباً هو نتيجة وليس سبباً.

نهب الأمم هو المسألة!

لقد شجب الرئيس بوتين التفرّد في اتخاذ القرارات الدولية، والتعاطي مع العالم من منطلق الملكية الخاصة، أو من منطلق عالم القطب الأوحد، محّذراً من أن ذلك سيؤدي إلى تقويض القطب الواحد من داخله، أي أنه توقع انهيار النظام الرأسمالي العالمي الذي تقوده واشنطن، ليس بسبب سباق التسلح أو التنافس في السيطرة على مناطق النفوذ والثروة، بل بسبب الآليات الخاطئة في إدارة شؤون العالم المعقدة، وبسبب التدخل في شؤون الدول بطرائق تتناقض مع القيم الديمقراطية، وكذلك بسبب التحكم باقتصاديات البلدان الفقيرة التي تضم أكثرية سكان العالم ونهب ثرواتها! وها هنا يكون الرئيس بوتين قد وصل إلى بيت القصيد، وأعاد المسألة إلى المربع التاريخي الأول في تحديده لجوهر مأساة الإنسان المعاصر. عودة السياسة التي افتقدناها!

خلال أكثر من خمس عشرة سنة مضت، واجه الاتحاد الروسي امتحانات شديدة الصعوبة، بل محناً مصيرية حقاً، وها هو اليوم وقد قطع شوطاً كبيراً في القضاء على المافيات والفساد والديون التي أثقلت كاهله، بل هاهو يسترد قوته وهيبته ومواقفه، التي تذكرنا بالاتحاد السوفييتي من دون أخطائه، الأمر الذي جعله شريكاً بارزاً مع دول أخرى، كالصين والهند، مرشحة لاحتلال مواقع فعالة في نظام دولي جديد تريده عادلاً وسلمياً، غير أن أهم ما يجب أن نشير إليه، بصدد النهضة الروسية وبصدد ما يتعلق بنا مباشرة، هو تصدّي روسيا للمشاريع الأميركية الإسرائيلية في بلادنا، ودعمها للمقاومة اللبنانية والفلسطينية ممثلة بحزب الله وحركة حماس، ويفترض أن لا يغيب عن بالنا أن نهوض المقاومات العربية في العراق وفلسطين ولبنان بواجباتها، ونجاحها في إحباط المشاريع الأميركية الصهيونية، وفي إغراق قوى العدوان في الوحول، كان له دوره في تبلور السياسة الروسية الخارجية التي افتقدناها منذ نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات, والتي أعادت اليوم إلى الأصول اعتبارها.