منذ أن بدأت خطة فرض القانون أو الخطة الأمنية في بغداد وباقي مدن العراق التي أعلنها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بدعم ومساندة القوات الأمريكية وبعدد كبير جداً من القوات العراقية من جيش وشرطة وأمن ومخابرات الخ ، والشارع العراقي يتأرجح بين الآمال والتمنيات بالنجاح من جهة، والتشاؤم والخوف من إخفاق هذه الخطة كسابقاتها والهبوط درجة أخرى وأعمق في هوة الدمار والاقتراب من قاع الجحيم على حد تعبير أحد المثقفين العراقيين.

الأنباء تتضارب عن اختفاء أقطاب سياسية وعسكرية وميليشيات مستهدفة بهذه الخطة كالتيار الصدري وزعيمه مقتدى الصدر وتعرض البعض للملاحقة كحادث الاحتجاز المؤقت لنجل زعيم الإئتلاف العراقي عبد العزيز الحكيم وهو عمار الحكيم على الحدود الإيرانية أثناء عودته من إيران إلى العراق ومعاملته بخشونة على حد تعبيره مما يعني أن لا أحد بمنآى عن المحاسبة سيما وأن أغلب النواب وزعماء الأحزاب والكتل النيابية السنة يتواجدون خارج العراق كخلف العليان وغيره ناهيك عن هروب حارث الضاري زعيم هيئة علماء السنة المطلوب قضائياً بمذكرة اعتقال بتهمة التحريض على الإرهاب والقتل والعنف الطائفي وبالتالي يتضح للقاصي والداني أن الأزمة المستحكمة بين السياسيين العراقيين هي أزمة ثقة وريبة بالآخر وكل دعوات التعاون والحوار والمصالحة ليست سوى ذر الرماد في العيون وأن الحل السياسي الحقيقي ما يزال بعيد المنال وأن الحسم العسكري قد يحقق بعض التهدئة المؤقتة لكنه لن ينهي الأزمة القائمة . فالمواطن العراقي يدرك جيداً أن حكومته بعيدة عنه ولا تهتم باحتياجاته ومعاناته إلا في وسائل الإعلام وكلامياً فقط وهي تعيش محصنة داخل أسوار المنطقة الخضراء المعزولة عن العراق الواقعي والحقيقي، أي بعيدة عن عراق الشعب في حياته اليومية المضنية والخطرة .

فالتفجيرات والسيارات المفخخة والصواريخ وقذائف الهاون والعبوات الناسفة والأحزمة المفخخة والخطف والعمليات الانتحارية والتهجير القسري داخل الوطن وخارجه لا تطال رجال الدولة ولا يصاب مسؤول في محاولة اغتيال إلا نادراً وبالصدفة لكنها تمس المواطن العراقي في كل شبر من أرض العراق المحترقة والمدماة. و أن عشرات الجثث المكتشفة يومياً مصابة بطلق ناري في الرأس مكتوفة الأيدي وآثار التعذيب الهمجي بادية على الأجساد أو مقطوعة الرؤوس ليست جثث لنواب الشعب الذين لا يعرفون الشعب ولا يعرفهم الشعب إلا من خلال شاشات التلفاز والفضائيات، وهم يتحدثون من عمان ولندن ودبي ودمشق وواشنطن وغيرها من عواصم العالم، وأن طوابير الانتظار بحثاً عن قنينة غاز أو جيريكان نفط أو بنزين أو شراء احتياجات القوت اليومي من الخبز والأكل لا تجد فيها مسؤولون كبار في السلطة بل الموطنون الفقراء الأبرياء الذين يخاطرون بحياتهم في كل ساعة لتأمين احتياجات عائلاتهم بينما يتوفر كل شيء للفئات الحاكمة من كهرباء وماء ووقود ووسائل نقل مرفهة وحماية مدججة بالسلاح في " منطقة العراق الأمريكية أو أمريكا العراقية لا فرق، المحصورة في نطاق مباني وقصور أتباع النظام السابق التي صادرتها القوات المحتلة ووزعتها على المتعاونين معها في ما يسمى بالعملية السياسية ، داخل تلك التي يسميها العراقيون " المدينة الممنوعة على العامة من الناس" والتي تحولت إلى رمز للقمع والعزلة وسوء الفهم وعدم الإحساس بجوع المواطن وألمه و الذين جاءوا بذريعة تحريره من بطش وطغيان وقمع ودكتاتورية وعنف صدام حسين ونظام المقبور .

الأمريكيون يخافون من الموت كما قال عنهم الإرهابي الشهير أسامة بن لادن وهذه نقطة ضعفهم التي على الإسلامويين التكفيريين والانتحاريين الذين لا يهابون الموت النفاذ منها لترهيبهم كما قال أيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة وقد نجحوا في تطبيق هذه الإستراتيجية بحذافيرها في العراق ويحاول الأمريكيون اليوم بيأس البحث عن مخرج من هذا المستنقع الذي انزلقوا إليه بغباء . واليوم، وفي توقيت لم يتوقعه أحد أعلن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير يوم 7/2/2007 عزمه على سحب ما يقارب الـ 1600 جندي من قواته المتواجدة في العراق خلال الأشهر القليلة القادمة . ويندرج قراره بالانسحاب هذا في سياق إستراتيجية سياسية وعسكرية مدروسة وبعد تأمل وتفكير دقيق وعميق للأوضاع السائدة وما ستأتي به الأيام القادمة سيما في ظل تفاقم أزمة الملف النووي الإيراني هذه الأيام ومخاطر تشديد العقوبات على طهران والاستعداد لتسديد ضربة عسكرية للمنشآت النووية والعسكرية الإيرانية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل الأمر الذي لا ترغب بريطانيا أن تكون طرفاً مشاركاً فيه على الأقل على الصعيد العلني في الوقت الحاضر. إلى جانب وعي الحكومة البريطانية وإدراكها لأهمية مراعاة الرأي العام البريطاني المستاء جداً من أداء حكومة بلير بشأن الحملة العراقية. ومن المتوقع أن يعلن رئيس الوزراء البريطاني استقالته قريباً ليفسح المجال لخليفته القادم ويفتح أمامه الطريق بلا عوائق تذكر. ويبدو قرار بلير وكأنه خطوة جادة لفصم عرى التحالفات والعلاقات التضامنية مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع رئيسها جورج دبليو بوش .

وهكذا فإن خطة سحب القوات البريطانية تدريجياً ، والبالغ قوامها حوالي 7200 جندي ، يتمركزون في غالبيتهم الساحقة داخل المناطق الجنوبية من العراقي وبالأخص محافظة البصرة ، تعني في المقام الأول فشل السياسة البريطانية في العراق حسب رؤية البعض، كما تعني نجاحاً محدوداً ومتواضعاً للمهمة الملقاة على عاتق تلك القوات كونها ستسلم السيادة والمسؤولية الأمنية لقوات عراقية يفترض فيها أن ستكون قادرة على فرض وحفظ النظام والأمن كما يدعي البعض الآخر، وذلك من دون تقديم جدول زمني واضح ومحدد لأمر الانسحاب . كما أشارت وسائل الإعلام البريطانية من أمثال البي بي سي وصحيفة صن، إلى أن رئيس الوزراء البريطاني سيقدم جدولاً للانسحاب الكامل للقوات البريطانية من الآن ولغاية نهاية العام 2008 . وقد أبدت أطراف عديدة سرورها بهذا القرار مثل بعض أوساط الرأي العام البريطاني المناهضة في أغلبها للتدخل العسكري في العراق والمناوئة للحرب ، وكذلك المعارضة الديمقراطية الأمريكية التي تسعى جاهدة هذه الأيام لتقليص صلاحيات الرئيس الأمريكي في ملف العراق وسحب القوات الأمريكية من هناك في أسرع وقت ممكن، وأيضاً بعض الأوساط القريبة أو المحيطة برئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي وهي معروفة وتجد مصلحتها في خروج القوات البريطانية لكي تستفرد بمصير الجنوب وحكمه كما تشاء وفق أجندتها ومصالحها الضيقة وليس وفق مصلحة العراق العليا. وبما أن الانسحاب ليس فورياً وليس كاملاً ، فإن تلك الجهات حرصت على كتم سرورها ولجم حماستها بيد أنهم يعلمون علم اليقين أن التوقيت الذي اختاره توني بلير ليس عفوياً أو بريئاً .

فمن المنتظر كما أشرنا أعلاه أنه سيعلن استقالته من منصبه في شهر حزيران القادم بعد عشر سنوات أمضاها في السلطة لكي يتيح لخلفه الذي ربما سيكون وزير الخزانة والمالية الحالي غوردن براون، التحضير والاستعداد للانتخابات التشريعية لسنة 2009. وكما علٌق جاك لورويز الباحث المشارك والمتعاون مع مركز الدراسات والأبحاث الدولية قائلاً:" صار توني بلير يعي أكثر فأكثر بأنه ارتكب حماقة كبرى وحطم تاريخه السياسي . وما كان سيعلن استقالته قبل الأوان أي قبل نهايتها الشرعية لو لم تكن هناك أزمة خطيرة نجمت عن حرب العراق التي خسر بسببها مصداقيته وشعبيته التي هبطت إلى الحضيض". كما أن تفاقم الأوضاع في أفغانستان واستعادة ميليشيات طالبان لزمام المبادرة والبدء بهجمات مضادة ، يمكن أن يشكل تفسراً إضافياً لما يبدو وكأنه تحولاً سياسياً جوهرياً في إستراتيجية الزعيم البريطاني. فالمسؤولون العسكريون البريطانيون يقدرون بأن عدد القوات البريطانية في أفغانستان ليس كافياً ويمكن تعزيزها بمن سيتم سحبهم من العراق وهذا يعد بمثابة انتصار للقيادة العامة لأركان الجيش البريطاني التي تعتقد أنها تضيٌع وقتها في العراق فلا فائدة ولا أمل من تحسٌن الأوضاع هناك كما ذكر جاك لورويز في دراسته عن طبيعة التورط البريطاني في العراق.

كما يمكن ترجمة قرار توني بلير كما لو أنه تخلي مقصود عن دعم ونصرة حليفه جورج بوش وتنصل عن كافة التزامات التضامن غير المشروط معه إذ يتعرض رئيس الوزراء البريطاني في كل يوم إلى ضغوط لا تحتمل داخل حزبه حزب العمال لكي لا يتبع سياسة بوش المغامرة والطائشة بصورة عمياء . وعندما تم الإعلان عن خطة لجنة جيمس بيكر ـ ولي هاملتون التي نصت على الانسحاب التدريجي لقوات الاحتلال من العراق والتفاوض مع الدول المجاورة الإقليمية الرئيسية للعراق كإيران وسورية ، أعلن توني بلير تأييده لها بينما امتعض منها جورج بوش وعارضها بل وتجاهلها. ومن ثم أبدى توني بلير علناً أسفه لعدم استماع إدارة بوش لنصائحه فيما يتعلق بموضوعة الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني . وبعد دعمه غير المشروط لجورج بوش في كل خطواته أعتقد بلير أنه سيحصل من الرئيس الأمريكي على بعض التنازلات بيد أن الولايات المتحدة الأمريكية أثبتت أنها لم ولن تكون محايدة وموضوعية ومنصفة في هذا الملف الصعب والشائك والخطير الذي يعتبر الجذر الحقيقي لكل المواجهات والصراعات والكره المتبادل في هذه المنطقة الحساسة بين الغرب والعالم العربي والإسلامي. أعرب توني بلير عن رفضه للتفسير الذي قدمه جاك لورويز في دراسته الموضوعية عن التورط البريطاني في العراق وارتباط الملف العراقي بالملف الشرق أوسطي مبرراً مغادرة قواته للعراق أن تواجدها هناك لم يعد ضرورياً جداً نظراً لكون منطقة البصرة التي تتمركز فيها أغلب القوات البريطانية منطقة آمنة وأكثر هدوءاً من بغداد العاصمة الغارقة في العنف والأعمال الإرهابية.

وبالرغم من هذه الصفعة غير المتوقعة الموجهة لإدارة بوش إلاٌ أن وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس تعتقد أن التحالف الدولي الهش بالأساس ما يزال صلداً وصامداً ولم يتصدع بالرغم من إعلان الدنمارك في 21/2/2007 عن عزمها سحب 880 جندياً هم قوام قواتها في العراق من الآن وحتى نهاية هذا العام. ويبدو الجيش الأمريكي أنه سيظل وحيداً يواجه مصيره وعليه أن يقرر إما الانسحاب الفوري أو التدريجي مهزوماً أو الانزلاق لفتنمة ثانية على أرض الرافدين خاصة بعد تحرشه بزعامات شيعية قد تؤلب الشارع العراقي الشيعي ضده . ومن الجدير ذكره أن أمريكا تحتفظ اليوم بحوالي 139000 جندي عدا الـ 21000 الذين تنوي إرسالهم إلى العراق في الشهور القادمة لتعزيز الخطة الأمنية الجديدة ، وبريطانيا تحتفظ بحوالي 7200 جندي وكوريا الجنوبية بحوالي 2300 جندي وأستراليا بحوالي 1400 جندي وبولونيا بحوالي 900 جندي وجورجيا بحوالي 850 جندي ورومانيا بحوالي 605 جندي والدنمارك بحوالي 460 جندي والسلفادور بحوالي 379 جندي. ويتوقع سحب 1600 جندي بريطاني في الثلث الأول من العام القادم وسحب باقي القوات الكورية الجنوبية والبولونية والدنماركية خلال العام 2007 .

ولابد من الإشارة إلى نقطة أخيرة تتناساها وسائل الإعلام وتتعلق بالمرتزقة والقوى الأمنية المدنية الخاصة المعروفة بالـ " المتعاقدون" ويقدر عددهم بحوالي 120000 عنصر مسلحين ويتصرفون وكأنهم فوق القانون ويستنزفون الميزانية العراقية والأمريكية على السواء في العراق لتأمين سلامة الشخصيات السياسية والبرلمانية وبعض المنشآت والمساكن والمقرات المهمة وتتراوح رواتب هؤلاء حسب الجنسية والدور المناط بهم بين 1500 دولار شهرياً و 15000 دولار ويدعي بعض هؤلاء أنه يحصل على أكثر من 1000 دولار يومياً وقد قتل من هؤلاء المرتزقة ما يزيد عن الـ 800 عنصر وجرح أكثر من 3000 . هذا هو المأزق الذي بغوص فيه العراق وجميع ركابه يبحثون عن مخرج .