الاتحاد

بعد بزوغ نجم "بايرو"... هل انتهى زمن "اليمين" و"اليسار" في فرنسا؟!

دلالة بزوغ نجم مرشح "الوسط" الفرنسي فرانسوا بايرو في سياق السباق نحو قصر الأليزيه، والآمال الفرنسية المعقودة على مؤتمر 10 مارس الدولي حول العراق، وأوجه الشبه بين الحرب المذهبية في العراق، والتصعيد والتجاذب في لبنان، موضوعات ثلاثة نعرض لها ضمن جولة سريعة في الصحافة الفرنسية.

فرانسوا بايرو بديلاً عن لوبن: دخلت الحملة السياسية لانتخابات الرئاسة الفرنسية حدوداً محمومة يمكن تلمسها في افتتاحيات الصحف الفرنسية. وبعد تقارب نتائج المتنافسين الرئيسيين نيكولا ساركوزي وسيغولين رويال في استطلاعات الرأي، صعد الآن مجدداً نجم "الخيار الثالث"، فرانسوا بايرو. وقد اعتبر جان مارسيل بوجيرو في عنوان مقال نشره بمجلة "لونوفل أوبسرفاتور" أن المرشح "بايرو" هو "رجل هذا الأسبوع" في فرنسا. أما "بيير لورل" فقد كتب افتتاحية في "لوربيبليكن"، اعتبر فيها هو أيضاً أن عاصفة "بايرو" بدأت تهز الآن بقوة دعائم وأوهام اليمين واليسار معاً، في فرنسا، وتحول الرجل إلى ما يشبه "الحصان الأسود" في الحملة. فحصول سياسي "الوسط" على 20% في آخر استطلاعات الرأي، ونحن على بعد 50 يوماً فقط من موعد اقتراع الدور الأول، ليس دعوة للاطمئنان موجهة إلى أي من المعسكرين التقليديين. وما يقوله لسان الحال لكثير من الفرنسيين هو أن خياراً جديداً قد فتح أمام الناخبين، خياراً يجنبهم تجرع التصويت لرجل يكرهون ليبراليته وقوته المزعومة كساركوزي، أو التصويت لمرشحة ذات خطاب يساري شبه شعبوي، كسيغولين رويال. إنه فرانسوا بايرو، "الليبرالي، الاشتراكي، المثقف، وابن الأقاليم، المحب للمشروع الأوروبي، الوجيه اجتماعياً، وخاصة المعادي لساركوزي"، إنها كلها مزايا أدت إلى بزوغ نجم زعيم UDF الصاعد. وفي صحيفة "نيس ماتين" اعتبر "ألان ديهامل" أن بروز مرشح "الوسط"، مقابل عدم تمكن مرشح "اليمين المتطرف" زعيم "الجبهة الوطنية" جان ماري لوبن، من تحصيل التوقيعات اللازمة لإيداع ملف ترشحه حتى الآن، ربما يقلب معادلة الانتخابات رأساً على عقب. كما كتب "فرانسوا روسو" في "نيس ماتين" أيضاً افتتاحية أخرى في نفس السياق اعتبر فيها أن ما يميز "بايرو" من حيث الأداء حتى الآن هو عدم انزلاقه في إطلاق الوعود البراقة للناخبين، كما يفعل منافساه دون حساب للعواقب، مما يجعله غير مدين سلفاً بالوعود صعبة التحقيق. أما في صحيفة لوفيغارو فقد كتب "ألكسيس بريزيه" افتتاحية تحت عنوان: "وماذا لو أن لوبن لم يوجد..."، أثار فيها موضوع ممانعة كثير من العُمد والمنتخبين في إعطاء توقيعاتهم الضرورية لجان ماري لوبن لكي يسمح له ذلك بإيداع ملفه قبل 16 مارس، آخر موعد لتقديم الملفات، مبرزاً أن الشعب هو وحده السيد، وهو من يستطيع قبول أو رفض رئاسة لوبن، وليس من الديمقراطية في شيء أن يمارس العُمد والمنتخبون نوعاً من "الفيتو" المسبق ضد ترشح أي كان، حتى لو كان لوبن نفسه.

فرنسا والفخ العراقي:صحيفة لوموند نشرت أول من أمس افتتاحية بعنوان: "فرنسا والعراق" خصصتها لتحليل دلالات الدعوة التي تلقتها باريس للمشاركة في مؤتمر دولي حول العراق يوم 10 مارس الجاري، يجمع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وبعض دول جوار العراق بما في ذلك سوريا و(مع تحفظ في التأكيد رسمياً) إيران. والهدف المعلن للمؤتمر هو محاولة إخراج العراق من حالة الرعب والعنف التي غاص فيها بشكل خطير. وقد برر الفرنسيون قبولهم بأن الدعوة جاءتهم من الحكومة العراقية، وليس من واشنطن، هذا مع أن وزيرة الخارجية الأميركية "كوندوليزا رايس" هي أول من أعلن عن هذا المؤتمر بشكل رسمي. ولم يخفِ الفرنسيون دهشتهم من قبول الإدارة الأميركية الجلوس على الطاولة العراقية بهذه الطريقة مع كل من سوريا وإيران. أما ما تخشاه أوساط سياسية عديدة في باريس فهو أن يكون المؤتمر مجرد محاولة من واشنطن لاستدراج المجتمع الدولي من أجل تحميله مسؤولية ما انتهت إليه سياساتها هي من فشل، وهي محاولة يبدو أنها ستكررها أيضاً في لقاء لمجوعة الثماني في أبريل المقبل. صحيح أنه لا أحد يرفض الترحيب بجنوح الإدارة الأميركية إلى تحريك خيار الدبلوماسية لمقاربة الأزمة العراقية عموماً، كما أنه لا أحد سيرفض تقديم أقصى ما يستطيع في هذا السبيل، ولكن المشكلة هي عدم وجود مؤشرات على حدوث تحول جذري حقيقي في الاستراتيجية الأميركية، بحيث يصبح التركيز على تعزيز فرص المصالحة السياسية الوطنية العراقية، وليس على سياسات القوة والعنف. وترجِّح لوموند أن تكون كل هذه التحركات الأميركية مقدمة لتلزيم حل المأزق العراقي للمجتمع الدولي، في أفق تفكير أميركي بالانسحاب من هناك نهائياً، وهو ما تأمل فرنسا أن يتم في سنة 2008. وليس خالياً من المعنى في المبادرة الأميركية الأخيرة الموقف تجاه إيران، وهو موقف يذكر بإعلان "رايس" في يوم 31 مايو 2006، لأول مرة، عن انضمام بلادها إلى حزمة العروض الأوروبية المقدمة إلى طهران. واليوم وفي حين كانت كل الأنظار موجهة إلى تصعيد محتمل مع إيران بوصول ثاني حاملة طائرات أميركية إلى مياه الخليج العربي، فاجأ الأميركيون الجميع بإعلان موافقتهم المبدئية على اقتسام نفس الطاولة مع النظام الإيراني. ولأن باريس –تقول لوموند- لاشك ترحب بأي تغليب للغة الدبلوماسية تبديه واشنطن، فإن هذا يقتضي منها وقف لغة الانتقاد للمشروع الأميركي في العراق، والعمل سوياً مع حليفتها الكبرى لإعادة أجواء السلام والاستقرار إلى بلاد الرافدين، وإلى عموم المنطقة.

أوجه الشبه بين لبنان والعراق: الكاتبة منى نعيم كتبت مقالاً تحليلياً في صحيفة لوموند جاء بعنوان: "لبنان: الشقاق بين الشيعة والسُّنة"، عقدت فيه مقارنة مطولة بين أوجه الشبه في التصعيد الطائفي بين أتباع المذهبين، مع إبراز أوجه خصوصية كل من الحالتين اللبنانية والعراقية. فكل من البلدين ما زال يتلمس طريقه لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وكلاهما يشهد تجاذباً أو صراعاً محتدماً بين السُّنة والشيعة. وفي كلتا الحالتين أيضاً للفاعلين الإقليميين والدوليين دور بالغ السلبية في زيادة التصعيد وتقليل فرص التهدئة. ولعل أبرز فرق واضح بين الحالتين هو أن جوهر الصراع في لبنان سياسي، في حين أن جوهره مذهبي قبل أن يكون سياسياً في العراق. فالطائفية في بلاد الأرز موجودة ومترسخة منذ ظهور الدولة اللبنانية، وكانت أحياناً كثيرة مصدر توازن وجزءاً من الحل، ولم تكن سبباً رئيسياً في المشكلة، هذا على رغم تزعم "حزب الله" و"أمل" الشيعيتين للمعارضة، وتزعم "ريس الحكومة، و"تيار المستقبل" السُّنيين للأغلبية. أما في العراق، فالصراع المذهبي هو ما يتقدم الصورة، وليس الاختلاف على برامج سياسية. ولعل أحد أسباب ذلك -تقول الكاتبة- أن سقوط نظام حزب "البعث" في بغداد فُهم على نطاق واسع في الأوساط السياسية الشيعية على أنه لحظة مواتية لـ"الانتقام" المذهبي. كما زاد تناثر محتويات صندوق "باندورا" العراقي لاحقاً، وتصادم الإرادات والرغبات، إلى زيادة حالة الاحتقان، وتفشي ثقافة الثأر، والثأر المُضاد. وتذهب منى نعيم أخيراً إلى أن العراق ولبنان ليسا مع ذلك هما البلدان الوحيدان اللذان يوجد فيهما تجاذب سُني- شيعي، بل إن هنالك بلداناً أخرى عديدة في المنطقة مرشحة لزيادة الاحتقان فيها، إن لم تتدارك حالة التجاذب المذهبي المتنامية في عموم الشرق الأوسط.