ما هي التوجهات والأهداف الحكومية لقطاع الاتصالات المحلي؟ وهل سيستمر قطاع الاتصالات في المسير إلى قدره المحتوم؟ ولماذا لم تتمكن الحكومة من المحافظة على المصلحة الجماعية في هذا القطاع الهام؟ وهل تراجعت الحكومة عن دور المنظمات غير الحكومية كما حددته في خطتها الخمسية العاشرة؟

تسارع في الانحدار: رغم أن قطاع الاتصالات يسير في انحدار مستمر، نعتقد أنه سيصل إلى تحوله إلى قطاع خاسر خلال فترة لا تزيد عن سنتين، فإن الخطوات الأخيرة قد أدت إلى تسارع هذا الانحدار، إذ أطلقت الحكومة مجموعة من المؤشرات السلبية في الأسابيع الأخيرة تجعلنا في موقف الحائر حول ما إذا كانت الحكومة مطلعة على تفاصيل مشكلات أداء قطاع الاتصالات، ومدى خطورة أي خطوة غير محسوبة في هذا القطاع الحيوي، أم أنها تتعامل معه ككبش فداء لتردي الأداء الحكومي في مختلف المجالات، دون الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاستراتيجية لهذا القطاع.

مبدأ ردود الأفعال:

لن نعود لنناقش التفاصيل التقنية لمذكرة التفاهم التي وقعت بين المؤسسة العامة للاتصالات والجمعية المهنية لتقانات المعلومات والاتصالات، وبالرغم من أن رد الفعل الحكومي (غير المبرر) على هذه المذكرة قد وجه ضربة شديدة لمجمل قطاع الإنترنت (المنهار أصلاً)، فإن تداعيات ما حصل تتجاوز موضوع الإنترنت لمواضيع أشد خطورة تبين أن رد الفعل الحكومي لم يكن متناسباً مع الحدث، وبالتالي فهذا يشير إلى خلل ما في مكان ما، بحيث أن الحكومة تركز على الشكل وليس على المضمون، وما يهمنا الآن الحد من تأثير ما حدث على مجمل الواقع التنموي والعمل (الحكومي وغير الحكومي) في سوريا.

مبدأ العقاب الجماعي:

أعتقد أن أول ضحايا ما حدث هو الأداء الحكومي، فقد أرسلت الحكومة رسالة خاطئة لموظفيها تبين أنها غير مستعدة حتى للإنصات إليهم أو لإنصافهم في أبسط حقوقهم، وأن الطوفان عندما يأتي يقتلع الجميع، وفي هذا المجال أود أن أبدي أسفي على القرار الحكومي بإعفاء الدكتور إباء عويشق (للمرة الثانية) من منصبه على خلفية هذا الموضوع، وأعتقد أن المؤسسة قد خسرت خبرته ونظافة كفه، وقد خسرت ثقة موظفيها أيضاً، فالدكتور إباء قد تسلم منصب مدير تبادل المعطيات والإنترنت، ووضع الإنترنت في سوريا دون الصفر، وقد بذل جهداً استثنائياً (رغم الإمكانات المحدودة مالياً وبشرياً) لمعالجة المشكلة، وأذكر أنني قد اجتمعت به في العام الماضي كممثل لإحدى المنظمات غير الحكومية، (بعد قرار إعفائه الأول) وكان يبحث عن جهة تساعده في إصلاح الخلل الكبير الناجم عن ضعف تنفيذ شبكة الـPDN ( قبل أن تؤسس جمعية بيكتا بوقت طويل)، وربما من المفيد هنا الإشارة إلى أن موضوع المساعدة في إدارة شبكة نقل المعطيات (PDN) لم يطرح في البداية على جمعية بيكتا، وإنما طرح على جهة غير حكومية أخرى، وقد رفضت هذه الجهة رفضاً قاطعاً بسبب التردي في وضع المشروع وضرورة وجود خطوات تسبق عملية الإدارة، وبسبب حرص هذه الجهة على عدم الدخول في هذا الموضوع الشائك. ما يهمنا الآن أن قرارات الإعفاء الحكومية كانت ذات طابع إداري وإعلامي ولم تكن ناجمة عن دراسة دقيقة لواقع القطاع وللظروف العامة المحيطة، وبالتالي أدت لإضعاف موقع المؤسسة وموظفيها مقابل الجهات الأخرى بدلاً من أن يحدث العكس، وإنني الآن أرثي لحال من سيتابع العمل في ظل التوجهات الضبابية وهامش الصلاحيات المعدوم، وآليات العقاب الجماعي والدخل المتدني وضعف الكوادر وانعدام التمويل وغياب آليات التنفيذ الفعالة، وغير ذلك من الظروف التي لا تشير إلى أن الحكومة مدركة للأزمة التي يعيش بها قطاع الاتصالات (رغم أن هذه المشكلات واردة في الخطة الخمسية العاشرة).

هل دفعت بيكتا الثمن؟

يبدو أن جمعية بيكتا قد دفعت ثمناً قاسياً لا يتناسب مع الدور الذي لعبته، إذ كان من المفترض أن يتم الاكتفاء بإلغاء مذكرة التفاهم أو تعديلها (وهنا تنتهي الصلاحيات الحكومية)، ولكن أن يتم اتهام الجمعية بأنها قد خرجت عن هدف إنشائها وأن يتم طي قرار الإشهار فهذا أمر مثير للاستغراب والحيرة، فالجمعية كانت تحاول تقديم الدعم للحكومة بعد أن طلبت الحكومة ذلك، وبالتالي فإن تغيير رأي الحكومة (لسبب ما) لا يعني أن الجمعية يجب أن تصبح في موقع الاتهام، هذا عدا عن أننا نود التأكيد مرة أخرى على حق الجمعيات (غير الربحية) بإقامة مشاريع ربحية (في قطاع اهتماماتها) تمول نشاط الجمعية، وذلك شرط عدم وصول هذه الأرباح لأعضائها، وهذا أمر يضبطه التدقيق المالي اللاحق، وليس الشك المسبق.

الضحية الأكبر (الجمعيات غير الحكومية والمواطن):

أعتقد أن الضحية الأكبر لما حدث ويحدث هو العمل غير الحكومي، إذ أنه من المعلوم أن الحكومة (ودورها الناظم) يفترض أن يمثل المصلحة العامة، ومع تنامي دور القطاع الخاص وإمكاناته تصبح الحكومة (بإمكاناتها وكوادرها) غير قادرة وحيدة على تحقيق الموازنة بين مصلحة أصحاب رؤوس الأموال من جهة، وبين المصلحة العامة، وهنا يأتي دور الجمعيات المهنية التي تضمن إسناد الحكومة في لعب هذا الدور، وبالتالي ضمان استمرار تحقيق المصلحة العامة بشكل متوازن لكل من أصحاب رؤوس الأموال وللمواطنين، ومع الضربة الساحقة التي تم توجيهها للعمل المهني غير الحكومي فأعتقد أن المواطن سيكون المتضرر الأكبر مما يحدث، وهذا الأمر لن يقتصر على قطاع الاتصالات وإنما سيمتد إلى قطاعات أخرى، وستدرك الحكومة (أرجو أن لا يكون بعد فوات الأوان) بأنها قد ساهمت في إضعاف دورها عبر منع الجمعيات المهنية من مساعدتها، ولا أ دري بعد الآن إن كان أي تجمع مهني سيحاول التحرك لإسناد الأداء الحكومي، وما هي الضمانات التي سيطلبها؟ فبعد أن شهدت السنوات السابقة نمواً في عدد ومجالات عمل الجمعيات غير الحكومية، وهذا الأمر يعتبر أحد النقاط الإيجابية التي تحسب لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، يبدو أن الإجراءات الأخيرة ستفرغ هذه الجمعيات من مضمونها، وتجعلها فولكلورية ليس أكثر، تتسول مقراتها من المؤسسات الحكومية، وتستجدي المعونات لدفع فواتير اتصالاتها ورواتب موظفيها، وبالتالي فهي ستعيش عالة على الحكومة بدلاً من أن تدعمها.

العمل غير الحكومي في الخطة الخمسية العاشرة:

ربما من المفيد تذكير الحكومة بالدور الذي وضعته للمجتمع الأهلي في خطتها الخمسية العاشرة، وبالتالي مطالبتها بتقديم تبرير لما حدث وما قد يحدث.

(دور القطاعات غير الحكومية ومنظمات المجتمع الأهلي:

تولي الخطة العاشرة مكانة خاصة لتطوير العمل الإنمائي لهذه القطاعات، وستلعب دوراً كبيراً في تعبئة المشاركة الشعبية، ووضعها في صيغ عمل جماعي لتطوير المجتمعات المحلية، واقتراح برامج ومشاريع لإنجاز أهداف الخطة العاشرة.. التشارك في رسم وتنفيذ برامج الإصلاح المؤسسي ومساءلة مؤسسات الدولة من أجل ضمان الشفافية والتيسير في أوجه الإنفاق العام وفي المعاملات والحد من الفساد الإداري والمالي.). وهنا ربما يحق لنا أن نتساءل: كيف سيشارك القطاع غير ا لحكومي في رسم وتنفيذ برامج الإصلاح المؤسسي وغيرها؟ هل عبر المعونات من الحكومة ومن المنظمات الدولية؟ أم بتمويل مادي من أعضائه؟ أم بتثقيف الكوادر الحكومية عير المحاضرات والندوات؟ وهل يمكن تحقيق ما سبق دون السماح للجمعيات بإطلاق مشاريع ربحية ضمن إطار شركات تدفع ضرائب وتوظف عاملين وتنقل الخبرات والتقانات المطلوبة ؟

وفي الجزء المتعلق بتقانات المعلومات والاتصالات وردت العبارة التالية:

العمل على إصدار قانون جديد للاتصالات يُشرِّع لإعادة تنظيم القطاع، وإحداث هيئة ناظمة، مستقلة وشفافة، تعمل على الدفاع عن حقوق المستهلك (الخدمة الشاملة، تخفيض الأسعار، المنافسة،...) وتحافظ على المصالح الوطنية

استكمال استثمار الشبكة الوطنية لتبادل المعطيات، مع إمكان تقديم مراتب خدمة مختلفة حسب الطلب عليها، وفتح مجال تقديم خدمات الإنترنت على نحو واسع أمام الشركات الخاصة المتنافسة.

وهنا يحق لنا أن نتساءل حول مدى موضوعية السماح لشركة خاصة وحيدة (كائنة من تكون) بإدارة شبكة تبادل المعطيات (قبل تنظيم القطاع)، وكيف سيتحقق حينها مبدأ (قدرة المنافسة لدى مزودي الإنترنت ولدى شركات تقديم الخدمات)؟ وهل كان حل إنشاء شركة مساهمة تضم ما لا يقل عن 30 شركة حلاً مقبولاً أم فاسداً؟، وهل (القطبة المخفية) هي في التنافس على الدخل الناجم عن إدارة شبكة تبادل المعطيات أم على (طريقة الإدارة: شفافة أم احتكارية)؟ وهل تدرك الحكومة أن ما تفعله الآن يتعارض مع ما وضعته في خطتها الخمسية، وهل يعتبر هذا الأمر دليلاً إضافياً على ما ذكرناه سابقاً من أن الخطة الخمسية لا تحمل آليات لتنفيذها؟ ولا أدري ما هو الحل البديل الذي تخطط له الحكومة بعد أن فقدت المؤسسة معظم فنييها (خلال السنة الأخيرة) مما جعل الشبكة في وضع مأساوي.

بعد كل ما سبق، ربما يحق لنا أن نتساءل هل هذا فعلاً هو ما تريده الحكومة؟ وعلى ماذا تراهن الحكومة؟ فبعد أن وضعت الحكومة استراتيجية في مجال تقانات المعلومات والاتصالات لم تلتزم بها على الإطلاق، ووضعت خطة خمسيه لا تحمل آليات تنفيذها، وعندما حاول القطاع غير الحكومي أن يساهم في معالجة التردي تم منعه وبقسوة، وبالتالي لم نعد نرى إلا نهاية واحدة لهذا القطاع نعتقد أنها لن تكون بعيدة عن الانهيار ولو بعد حين. وختاماً نرى أن الحكومة أمام أحد خيارين، إما السماح للجمعيات غير الحكومية بالعمل الجدي، أو بناء مؤسسات (شبه حكومية) قادرة على إسناد الحكومة في دورها التنموي، وفي ظل غياب أي من الحلين فلا أعتقد أن جهازاً حكومياً يضم أكثر من مليون موظف تتفاوت خبراتهم ومهاراتهم بشكل شديد ولكنهم يكافئون ويعاقبون بالطريقة نفسها ووفق معدلات متشابهة للدخل قادر على تحقيق معدلات التنمية المطلوبة، وهذا سيعني الفشل ولكن (أصولاً)!!