النهار / رنده حيدر

خلال الأسبوع الماضي استطاعت الصحف الاسرائيلية أن تصنع العناوين الكبرى لوسائل الإعلام العربي المكتوب والمرئي. وفي مدة لا تتجاوز الاربع والعشرين ساعة انتقلت من نشر أخبار تضع المنطقة على شفا الحرب غير مستبعدة وقوع مواجهة سورية - اسرائيلية؛ الى الحديث عن استبعاد وقوع أي مواجهة عسكرية في وقت قريب في المنطقة، مثيرة من جديد قضية الجدل الداخلي الاسرائيلي والخلافات في الرأي بين الموساد والاستخبارات العسكرية بشأن جدية النيات السورية من التفاوض مع اسرائيل. برز التناقض في المواقف ووجهات النظر الاسرائيلية ايضاً في موضوع استعادة "حزب الله" قدرته الصاروخية؛ ففي الوقت الذي شددت بعض تصريحات العسكريين على استعادة هذه القدرة، قللت أخرى من هذا الامكان. لكن الأمر الثابت أن احداً لا ينفيها. ودائماً تكون الصحف الاسرائيلية هي المجال الحيوي لتوظيف هذه التناقضات والمواقف لتغذية سيناريوات كثيرة حول احتمالات وقوع حرب في وقت قريب. ونشرت "هآرتس" أخيراً تقارير عن تسلل عناصر سنية تنتمي الى المجاهدين المسلمين الى لبنان وتجمعهم بالقرب من مدينة صور، وعن الوساطة السعودية التي يقوم بها منذ فترة الأمير بندر بن سلطان السفير السابق للمملكة في واشنطن، الأمر الذي لا بد أن يشغل من جديد وسائل الاعلام العربية وأن يثير جدلاً داخلياً عربياً هذه المرة يتناول الدور السعودي في المنطقة. واللافت أن تأتي المعلومات الاسرائيلية قبيل مؤتمر القمة العربية المزمع انعقاده أواخر الشهر الحالي في الرياض. والأمر شبه الأكيد أن وسائل الاعلام الاسرائيلية دخلت بقوة على خط الاعداد للقمة العربية، لا سيما مع تسليطها الضوء على الرفض الاسرائيلي للمبادرة العربية للسلام التي سبق ان تبنتها الدول العربية في قمة بيروت عام 2000، ودعوتها الى ادخال تغييرات اساسية على مطالبة هذه المبادرة بعودة اللاجئين الفلسطينيين. واذا كانت الصحف الاسرائيلية مرآة عاكسة لما يجري في اسرائيل على صعيد القيادة السياسية والعسكرية والشارع؛ فان ما تقدم يمثل صورة ملتبسة متعددة الدلالة. فتوزع اهتمام هذه الصحف بين التحقيقات الحكومية لتقصيرات حرب لبنان الثانية كما تسميها، والبحث في دروس الحرب العسكرية على صعيدي التسلح والتدريب؛ والملاحقة اليومية لأداء الطبقتين السياسية والعسكرية في معالجة كيفية استعادة اسرائيل لقدرتها على الردع، والمتابعة المدروسة والموجهة للتطورات السياسية على الساحة العربية يعطي الصحافة الاسرائيلية دوراً رقابياً انتقادياً غالباً ما يؤدي الى نتائج ايجابية اسرائيلياً. اما على الصعيد العربي فدورها يتأرجح ما بين العرقلة و التحريض والاصطياد في الماء العكر واثارة الشكوك بين الاطراف العربية واللعب على التناقضات. والراهن ان حال الصحف الاسرائيلية في هذه الايام هي حال الاسرائيليين، مزيج من القلق وعدم الثقة بالحكومة الحالية، والخوف مما يخبئه المستقبل من تطورات بالنسبة للمصير السياسي لإسرائيل. من هنا هذا المناخ من التشكيك بكل شيء؛ من اتفاق مكة وحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية الى القمة العربية والمؤتمر الاقليمي الذي سينعقد في العراق. يضاف الى هذا كله التأرجح الدائم بين احتمالات الحرب والتفاوض. كل هذا يعكس احساس الاسرائيليين بأنهم مهددون بأكثر من خطر قديم وجديد. ولكن ثمة شيء جوهري على المتابع الا ينساه هو ان احتمالات نشوب الحرب او احتمالات التوصل الى تسوية سلمية يقررها القادة بعيداً عن الصحافيين وغرف التحرير.