انسربت إلى داخل قاعة الاجتماعات في مقّر المجلس الوطني الفلسطيني الواقع في منطقة ( دير غبار) في العاصمة الأردنيّة عمّان،على رؤوس أصابعي، محاذراً إصدار جلبة،والاصطدام بأحد،فالقاعة معتمة،وثمّة عرض بدأ للتو لفلم توثيقي عن ( القدس) وما يجري لها، وصوت عميق حزين غاضب وأحياناً ساخر يشرح ما يتوالى من صور،ويعلّق على المشاهد، ويوضّح كل جزء يظهر في الصور.

خليل تفكجي الفلسطيني المقدسي مدير قسم الخرائط في مركز الدراسات العربيّة في القدس،قدم من القدس ليحاضر في أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني،منبّهاً إلى خطورة الحفريات تحت الأقصى وقبّة الصخرة، والهجمة الاستيطانيّة المتسارعة للاستحواذ على قلب القدس، والتخلّص من العرب الفلسطينيين،وفقاً لخطّة يتعارف عليها بالعشرين عشرين ،يعني 2020،والتي ترمي إلى جعل القدس في ذلك التاريخ مدينةً ( إسرائيليّة) تماما، والأقليّة القليلة عرباً فلسطينيين مسلمين ومسيحيين . خليل تفكجي لا يتحدّث بالعواطف،لا يقول كلاماً خطابيّاً،هو يقدّم وثائق بالخرائط،وبتصوير المواقع وما يحدث فيها،وهو يقدّم مقترحات عمليّة فعّالة في حال أنجزت.

من يطالب المقدسيين بالصمود عليه أن يمدّهم بما يكفل تكلّل هذا الصمود والصبر والتحمّل بالفوز، الذي هو إنقاذ القدس من براثن المخططات الصهيونيّة .

ما يجري تحت القدس ربّما يكون أكثر خطورة مّما يجري فوق أرضها،وحولها، فثمّة قدس تنشأ تحت المدينة، بأنفاق، وممّرات،ومعابر تصل بين نفق ونفق،وعلى عمق أزيد من 12 متراً.

بالخرائط شرح خليل التفكجي وضع الكتل الاستيطانيّة التي تنتشر في داخل القدس،وتتوسّع،وكيف التهمت وتلتهم المساحات التي كانت حارات عربيّة كاملة قبل ال67 مثل حارة المغاربة ، وحارة الأرمن...

بين خارطة وخارطة كان خليل التفكجي يتوقّف مردّداً العبارة المنذرة : نحن في سباق محموم مع الزمن، إنهم ماضون وبسرعة لوضع اليّد على المدينة المقدسّة ، وهم يريد الكسب على كّل الصعد، فهذه المدينة ( بترول ) لا ينضب، بما سيتدفّق عليها من سياحة وأموال ..في المستقبل!

وبما يثير القشعريرة في الروح يقول التفكجي المقدسي المتابع لتفاصيل التفاصيل بعقليّة علميّة:لا تتفاجأوا يوما لو استيقظتم صباحاً على إعلان على شاشة (الجزيرة) يقول : تمّ بناء الهيكل،ومع الخبر يظهر الهيكل على الشاشة ! تحت الأرض يحفرون ليل نهار، وفوق الأرض يزحف الاستيطان خانقاً عرب القدس ، ناهباً المساحات،مشردا مزيداً من المقدسيين وتحويلهم غرباء في مدينتهم. للصمود عوامل، ونحن لو مضينا بخطّتنا 2015 في مواجهة خطّتهم 2020 وكما نقترحها فسيمكننا أن نوقف زحفهم ،وأن نفشلهم . ثمّة خطّة من بنود طرحها التفكجي، منها ترميم البيوت في القدس، دعم المدارس ،بناء ألوف الوحدات السكنيّة حول المدينة على أرض متوفّرة وجاهزة للبناء، وليشرف على المشاريع من يتبرّع بالتكلفة لطمأنته على ماله . تمكّن الفريق مع التفكجي من الدخول بالكاميرا والتصوير في أحد الأنفاق في العمق،وارتنا عين الكاميرا بعض ما يحدث وهو ما لا يمكن وصفه سوى بأنهم يأكلون لبّ المدينة المقدسّة العريقة. يريدون أن يتحوّل الوجود الفلسطيني الإسلامي المسيحي إلى قشرة هشّة يمكن أن تتهاوى في لحظة معّد لها، بعامل طبيعي وارد، أو بفعل مدبّر. القدس هي المعركة ، ونحن في سباق مع الزمن،فإمّا أن نوقفهم أو نخسر معركة القدس ومعركة ( الدولة) ، ومن يأخذ القدس يستحوذ على قلب العالم ، كما ردد خليل التفكجي!

القدس في خطر لأن الصهاينة يحفرون تحت أساسات المسجد الأقصى تماماً، ولأنهم يحفرون قبرنا في واقع الحال،فهم يريدوننا غرباء على أرضنا، سقّائي ماء في القدس!.

أضيئت القاعة ، وتوّقف خليل التفكجي عن الكلام ، وحتى لا يسود اليأس،وقد أدرك حالة الحزن التي ملأت النفوس ، قال مخاطباً الحضور: لا داعي لليأس إن نحن عملنا بجّد .

منذ بدأت الغزوة الصهيونيّة لبلادنا فلسطين والقدس في خطر، فهم وضعوا عينهم عليها منذ البداية وفي كّل تصريحاتهم المعلنة غير الخافية ، رددوا بأن القدس ( أورشليم) هي روح الدولة ، وأنه لا دولة بدون القدس!

يوم الاثنين 5آذاروضع خليل التفكجي الحقائق أمام أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني المتواجدين في عمّان،وبحضور الصحفيين،ومراسلي وكالات الأنباء والفضائيات.

والآن أسأل : ما دور ( القيادة) الفلسطينيّة في إنقاذ القدس؟!

أحد أبرز أعضاء هذه القيادة، (بطل)أوسلو أبوعلاء قريع طلع علينا بمقالة أرادها مثيرة بعنوانها (مرّةً أخرى ..القدس في خطر) ، والمنشورة في القدس العربي يوم الثلاثاء 27 شباط.

ما هذا ؟ الرجل يأخذ دورنا نحن الكتّاب والصحفيينن ، وكأنه ليس ( قائداً) يفترض فيه أن يدّلنا على طريق الخلاص،لا أن يصف ما يحدث للقدس،هو الذي وافق على إرجاء قضيّة القدس إلى مفاوضات الوضع النهائي! ..أترى نهاية الوضع يا صاح؟! تطالب بالتحركات الجماهيريّة بعد أن أتلفتم حياة شعبنا وأضعتم الأرض، ومنحتم الاحتلال الوقت المريح له لبناء الجدار،ونهب الأرض، والتحكم تماماً بالاقتصاد الفلسطيني يا رجل الاقتصاد ! وزّج المزيد من أهلنا في السجون، وفتح وإغلاق العابر وقت يشاء...

أيام زمان كان أبوعلاء يحّب الفكاهة وسماع النكات واستملاحها،والضحك ملء شدقيه حتى يهتّز ( بنصه) _ كرشه الصغير آنذاك_ ولا ادري إن بقي على عهدي به،ولكن يبدو أنه ما زال يميل للدعابة،فروح المرح لا تفارقه،وإلاّ ما هذه المقالة التي يخبرنا فيها بأن القدس في خطر!

بشرفك ! ..أهي في خطر حقا،ومنذ متى بالضبط، وماذا فعلتم كقيادة لإنقاذها من الخطر المحدق بها؟

أين البوس مع قادة الكيان الصهيوني،وأين العلاقات الأسريّة الحميمة،وتبادل الهدايا،وجلسات الفرفشة بينكم و( بينهم) كأصدقاء حميمين ؟. يبدو أنكم اندمجتم في الوّد معهم، بينما هم عندهم :للضحك وقت، وللاستيلاء على القدس وقت ! ..هم لا يخلطون المزاح بالجّد، بينما أنتم تسابقتم على الدخول في قلوبهم ورضاهم والVIP و..البزنسة معهم، و..أشياء أخرى نعرفها...

يعيب أبوعلاء في مقالته على القيادات الفلسطينية حاليا إضاعتها الوقت في التفاوض على المحاصصة،وعدد الوزراء و..الست من هذه القيادة يا صاح؟!

نعم ،المعركة محتدمة حاليّاً حول إن كان زياد أبو عمرو قريباً من حماس أم من فتح؟ ..وماذا عن وزير الداخليّة ؟ المهّم حاليّاً الوزارة والوزراء ، عددهم ودرجة ولائهم ، ولتتدبّر نابلس المنكوبة دفن شهدائها،ولتتواصل عمليات الحفر وإنشاء مدينة أورشليم تحت الأقصى والقيامة والصخرة ...

هكذا تمضي الأمور: شعب معطّل القدرة عن المقاومة المنظمّة الكفيلة بمواجهة خطط الاحتلال،يقوده عجزة متبلدون،كّل همهم التسابق على إطلاق التصريحات للفضائيات،وأكثرها سماجة وقلّة حياء: قبل نهاية هذا الأسبوع قد..نعلن تشكيل الحكومة ! هذه الحكومة! ..قد لا تشكّل قبل نهاية مخططات إسرائيل في تهويد القدس فوق الأرض وتحت الأرض ، وإن تشكلّت قريباً فلن تكون حكومة مقاومة... عن القدس العربي،الثلاثاء 7 آذار 20