النهار / سمير عطاالله

اتهم لبنان بأنه بلد أقيم من أجل الموارنة، حلفاء فرنسا التاريخيين. وبعدما كانوا فازعين الى الجبال ومغاور قنوبين، اصبحوا في المدن وعلى الساحل. ثم في العاصمة وحكاماً عليها، بعدما كان الحكم قد سلّم فترة الى الاريستوقراطية الارثوذكسية التي ذهبت في اوائل القرن الماضي الى السوربون وعادت منه محملة بالشهادات. لكن الحقيقة التاريخية العملية هي ان لبنان سمّي على الموارنة وتم الضحك على ذقونهم. وقام مكان الدولة الاحادية شيء اكثر جمالاً وبهاء بكثير. فكل تلك الامبراطورية العثمانية المترامية الاطراف ورث بقاياها بلد صغير يكاد لا يتسع لأن يكون رقعة من الرقاع في الارض. فما ان رسمت حدود لبنان "الكبير" الذي لم يزد كبره على عشرة آلاف كيلومتر مربع، حتى كان الهاربون من تداعيات الانهيار العثماني قد ملأوا ارجاءه: جاءه الارمن هاربين من مذابح تركيا. ثم جاءه السريان والكلدان والاشوريون بعد استقلال العراق. ومن ثم حلت النكبة الكبرى بالعرب في فلسطين فعبرت اليه اكثرية الفازعين من الشواطئ المحاذية، وشبَّه للموارنة انهم حكام على وطن لم يكونوا في الحقيقة سوى اقلية فيه من مجموعة اقليات، مقيمة او عاربة. ولم يكفَّ هذا البلد – اللقاء عن التغير في ملامحه ومكوناته منذ اللحظة الاولى لقيامه، وسواء أراد ذلك ام لم يرد، فأنه تحول مجموعة أوطان صغيرة وغيتوات ومدن صفيح ومخيمات وحتى "كامبات" كما كانت تسمى تجمعات الارمن، على غرار المعسكرات النازية. وعندما تنبّه لبنان الى حقيقة البناء الذي هو فيه، وجد ان التراكمات اعظم اهمية من الاعمدة والزوايا والاسس. وحاولت كل اقلية من اكثرياته الاستعانة على خصومها بقوة خارجية، كما كانت تفعل في القرن التاسع عشر. ووصل الأمر الى درجة الذهاب الى اسرائيل فيما ذهب كمال جنبلاط الى وشاح لينين، واعتبر السنة ان الفلسطينيين هم "جيشهم"، او بالاحرى "جيش المسلمين" وفقاً لعنوان شهير على غلاف "الحوادث" مطلع حرب السبعينات. لا أريد ان ابرر شيئاً لأحد. لكن الدولة التي لم تقم، والوطن الذي لم يكن، يجعل رئيس مجلس النواب الآن ينتظر محادثات الرئيس الايراني احمدي نجاد في الرياض، كي يعرف بماذا يمكن ان يعد اللبنانيين. أو بالاحرى بماذا يمكن ان يعد نفسه، وهو ذلك اللبناني القادم اصلاً من موطن الكد والتعب والأمل والبحث عن وطن حقيقي، له اهل وله حدود، ولشعبه هوية واحدة، اي هوية. ما دامت الدولة تأخرت في ضم الجنوب الى لبنان، مرة بالتغاضي ومرة بالاكراه. وقد اتسعت الرقعة الخضراء الصغيرة للقادمين من النواحي البعيدة، لكنها ضاقت بالاطراف المهملة في عكار والشمال والجنوب. واخفقت في اقامة "العقد الاجتماعي" مع الناس أو بينهم. وزاد الأمر سوءاً ان الاصلاحيين الذين طلبوا ذلك ذهبوا مباشرة الى الثورة والحرب على النظام نفسه، ولم يقوموا بحملة اصلاحية حقيقية. والسبب انهم ربطوا دائماً بين اوضاعهم في الداخل وتطورات المنطقة ومتغيراتها. وتحول لبنان من مشروع وطن "يكاد يكون عالماً" قائماً بنفسه كما كتب طلال سلمان الاثنين الماضي، الى مرآة متعبة تعكس تيارات المنطقة وأحياناً زلازلها. هكذا عصف بلبنان تيار القوة الناصرية في الخمسينات، وعصف به تيار القوة الفلسطينية في السبعينات، ويعكس الآن اندفاع القوة الايرانية نحو الداخل العربي، في المشرق وفي الخليج. بل رأينا الرئيس الايراني يذهب حتى الى السودان، والنفوذ الايراني يحاول الدخول حتى الى مصر. ولا يستطيع لبنان ان يعزل نفسه عن "الاحتباس الحراري" في المنطقة، وخصوصاً اذا كانت سوريا في قلب التحولات. ففي ايام القوة الناصرية كانت دمشق منصة الوحدة، وفي ايام القوة الفلسطينية كانت ضابط الايقاع، وفي زمن المتغيرات الاستراتيجية الايرانية تقيم تحالفاً عضوياً مع الجمهورية الاسلامية. وكما عام 1958 و1990، كان مستحيلا اليوم العثور على حل لازمة الداخل من دون البحث عن الجزء الاقليمي منه. لذلك كان علينا ان ننتظر البارقة من الرياض كما انتظرناها قبلا من الطائف. وطبعاً تعدت محادثات الرئيس الايراني احمدي نجاد في الرياض الدائرة اللبنانية الى ما هو اوسع واعمق بكثير. ولكن حتى في عمق "المسألة الشرقية"، اذا صح التعبير، يظل لبنان بكل غموضه وتشعباته وتواريخه وتناقضاته، هو المرآة العاكسة اكثر من سواها. عندما قام العراق المستقل، هاجرت جماعات كثيرة الى لبنان. واذ يعاد تشكيل العراق اليوم، نرى ان جماعات كثيرة تهاجر لبنان. وقبل ان يفرغ البلد على وقع الخطاب الداخلي المتردي، كان لا بدَّ من حوار اقليمي ينقذه من نفسه. ومن الواضح ان قمة الرياض عينت عبد العزيز خوجه حارساً على اتفاقاتها. وليس في الذاكرة السياسية اللبنانية سفير تحرك بين أهل الازمة بقدر ما سعى. متعب هو الوسيط في لبنان.