فوجئت الأوساط السياسية في لبنان بالمواقف الأخيرة لوزير الخارجية السوري وليد المعلم وتحديداً لجهة تهديده بإغلاق الحدود مع لبنان إذا تقرر نشر مراقبين دوليين بين البلدين وتحذيره من انفجار الوضع في حال الضغط على «حزب الله» لنزع سلاحه، واصراره على محاكمة المتهمين السوريين في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري أمام المحاكم السورية. واعتبرت أن كلامه يتناقض مع المرونة التي أظهرها في اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب لا سيما بالنسبة الى المحكمة الدولية ويخالف الأجواء الايجابية المصرية للاتصال بين الرئيس السوري بشار الأسد ونظيره المصري حسني مبارك بعد القمة التي عقدها الأخير مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.

وسألت الأوساط نفسها عن أسباب اندفاع الوزير المعلم الى التصعيد لا سيما ضد المحكمة الدولية بالتزامن مع النقاش الدائر بين الأطراف اللبنانيين برعاية مباشرة من المملكة العربية السعودية من خلال سفيرها في بيروت عبدالعزيز خوجة من أجل التوصل الى مخرج للأزمة اللبنانية على قاعدة التوازن والتلازم بين انشاء المحكمة وتشكيل حكومة وحدة وطنية؟

ولفتت الى أن أداء المعلم في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة لم يكن صدامياً وهذا ما لمسه وزير الخارجية اللبناني بالوكالة طارق متري والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى الذي يدرس امكان الحضور الى بيروت قبل أسبوع من موعد عقد القمة العربية في الرياض. وعبّر مسؤولون مصريون التقوا عدداً من وزراء الخارجية العرب على هامش اجتماعهم الدوري في القاهرة، عن ارتياحهم الى الأجواء الايجابية التي سادت اتصال مبارك بالأسد وتلك التي سيطرت على أعمال القمة السعودية – الايرانية.

ونقلت مصادر ديبلوماسية عربية عن المسؤولين المصريين أن مبارك حض الأسد على ضرورة السير في انشاء المحكمة الدولية وعدم وضع العراقيل أمام قيامها لأنها سترى النور عاجلاً أو آجلاً سواء سهلت دمشق قيامها أم لم تسهل. وتمنى مبارك – كما تقول هذه المصادر - على الأسد، التحرك لدى حلفائه في بيروت لتشجيعهم على السير في قانون انشاء المحكمة الدولية والانكفاء عن التصعيد الذي يمكن أن يرتب المزيد من الاحتقان المذهبي والطائفي. كما تمنى عليه، وقبل عقد القمة العربية، أن يبادر الى تصحيح علاقاته بعدد من الدول العربية وتحديداً السعودية على رغم أنه يعتقد بأن ترميم العلاقة السعودية – السورية في حاجة الى متابعة ولا يمكن أن تنجزه اللقاءات الثنائية ما لم تكن مقرونة بتغيير السلوك السوري في علاقاته بالدول العربية ومنها لبنان.

وأشارت المصادر الى أنها فهمت من المسؤولين المصريين أن الأسد أبدى تجاوباً مع ما نقله اليه مبارك وأنه وعد باعلان موقف ايجابي جداً من المملكة في الخطاب الذي سيلقيه اليوم لمناسبة ذكرى تسلم «البعث» السلطة في سورية في 8 آذار (مارس). وكشفت المصادر أيضاً أن ما توافر من معلومات لدى القيادة المصرية عن أجواء القمة السعودية – الايرانية يؤكد ايجابيتها وأن الطرفين أكدا رفضهما الفتنة المذهبية بين الشيعة والسنّة وتصديهما للمحاولات الهادفة الى اشعالها، فالعلاقة بين المسلمين يجب أن تبقى مصانة واللعب فيها هو بمثابة خط أحمر للبلدين لن يسمحا باختراقه أو تجاوزه.

وأضافت المصادر أن اصرار الرياض وطهران على التصدي للفتنة المذهبية لا يتعلق بالعراق وحده وإنما بلبنان أيضاً في ظل المناخات السائدة فيه والتي تدعو للقلق.

وأوضحت أن القمة السعودية – الايرانية لم تتطرق بالتفصيل الى الأفكار المطروحة لحل المشكلة اللبنانية إنما رسمت الاطار العام الذي يساعد طرفي النزاع على التفاهم، مؤكدة أنه ينطلق من الثوابت الآتية:

- رفض كل شكل من أشكال الفتنة المذهبية في لبنان ودعم الجهود الآيلة الى تنفيس الاحتقان وتفاهم اللبنانيين على الحل.

- رفض أي تصعيد سواء كان من خلال الدعوة الى العصيان المدني أو الاضراب العام باعتبار أن مثل هذه الدعوات يمكن أن تزيد من حدة التوتر وتدفع باتجاه الانقسام وصولاً الى جر لبنان الى مشكلة الجميع في غنى عنها.

- هناك موافقة مبدئية سعودية – ايرانية على ضرورة انشاء المحكمة على أن يترك للبنانيين التفاهم على التفاصيل في ضوء ملاحظات بعض الأطراف عليها.

لكن ما صدر عن الوزير المعلم يتناقض كلياً مع ما نقله الأسد الى مبارك، ويتعارض مع الأجواء الايجابية للقمة السعودية – الايرانية، إضافة الى أنه شكل احراجاً لقوى المعارضة في لبنان وعلى رأسها تلك الحليفة لسورية أو الشديدة الالتصاق بها.

في هذا السياق، على رغم أنه لم يصدر أي رد فعل من المعارضة على كلام المعلم، فإن مصادر بارزة فيها أبلغت «الحياة» أنها لم تكن مرتاحة الى مواقفه وأنها وإن كانت تفضل عدم التعليق، فهي تتريث الى حين جلاء الموقف السوري الحقيقي الذي سيعلنه اليوم الرئيس الأسد ليأتي الحكم على كلامه.

وبالنسبة الى الأكثرية فإنها، كما تقول أوساط قيادية فيها، تتعامل مع كلام المعلم وكأنه بمثابة برميل بارود أعد للانفجار في وجه اللبنانيين لمنعهم من التفاهم ويبقى على المعارضة إن تقول كلمتها في مواقفه لا سيما انها تخشى في ضوء ما صدر عنه أن يكون الهدف الأول والأخير عند المعارضة الحصول على الثلث المعطل في الحكومة الجديدة لقاء وعد غير مضمون بتسهيل مهمة قيام المحكمة الدولية.

وسألت هذه الأوساط: «الا يشكل كلام المعلم محاولة جدية للتفلت من التزامات دمشق ازاء المحكمة من ناحية ولتمرير رسالة الى المعارضة بعدم الموافقة عليها بعدما أظهرت ايران تجاوباً مع قيام هذه المحكمة من جهة ثانية؟».

وفي انتظار ما سيصدر عن الأسد اليوم، هل يمكن القول أن موافقة طهران على انشاء المحكمة لا تلزم حليفتها دمشق باعتبار أن الأخيرة لا تقدم مواقف مجانية وأن حلفها الاستراتيجي مع ايران لا يشجعها على التخلي عن كل أوراقها من دون مقابل سياسي، وبالتالي ستسعى الى رفع سقف مطالبها علّها تنجح في الحصول من المجتمع الدولي ومن خلاله الدول العربية على ما يتيح لها اعادة تصحيح علاقاتها بهم أم أن ما أعلنه المعلم يعود بلبنان الى نقطة الصفر ويعكس حقيقة الموقف السوري الرافض لأي حل يتضمن في بنوده اشارة الى المحكمة الدولية وبالتالي تكون دمشق قد تسببت بإحراج حلفائها في بيروت إلا اذا ارتأوا سلوك طريق آخر للقاء الأكثرية!.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)