الاتحاد / توماس فريدمان

...في الحقيقة أنني لا أعرف العدد بالضبط لأني لم أحتفظ بسجل لذلك... بيد أنه يخيل إليَّ أن عدد المرات التي رأيت فيها الرئيس بوش أو نائبه "ديك تشيني" وهما يلقيان خطاباً عن حرب العراق، وقد وقف خلفهما عسكريون مبتسمون أكثر مما يمكن إحصاؤه. إن من يرى الإدارة الأميركية، وهي تبادر منذ أن انطلقت حرب العراق باستغلال العسكريين كسند أو خلفية لإضفاء المصداقية على إعلان رئيسها من على ظهر حاملة طائرات بأن "المهمة قد أنجزت"، أو كوسيلة لإسكات المنتقدين من خلال القول إن نقدهم هذا يمكن أن يعرّض هؤلاء العسكريين للخطر في ميدان القتال، فإن أول ما سيخطر على ذهنه هو أن تلك الإدارة ستبادر بنفس السرعة، ودون أن تدخر في ذلك جهداً أو مالاً، إلى العناية بجنودها الذين أصيبوا في الحرب. غير أن أقل ما يقال عن الظروف البائسة والتعقيدات الروتينية التي واجهها بعض الجنود العائدين من العراق الذين يتلقون العلاج في مستشفى "وولتر ريد" أو غيره من المنشآت الصحية -والتي ألقت "واشنطن بوست" الضوء عليها- هو أنها صادمة في تفاصيلها، وإن كانت ليست بالمستغربة مع ذلك. لأنها في جوهرها ليست سوى مظهر آخر من مظاهر قصور الإدارة، شأنها في ذلك شأن العديد من مظاهر القصور الأخرى التي شابت الطريق التي خاضت بها تلك الإدارة حرب العراق، مثل إرسالها لعدد غير كافٍ من الجنود لخوض معارك في بلاد الرافدين، وسوء تخطيطها لمرحلة ما بعد انتهاء العمليات القتالية الرئيسية، وعدم تزويد الجيش هناك بحاجته من الدروع. لقد كان من المهم (حقاً) أن يعالج فريق بوش مظاهر القصور هذه، غير أنه وجد ذلك صعباً (حقاً)، مع أنه كان يعتقد أنها ستكون سهلة (حقاً)، هل أبدو متهكماً؟ ربما. لماذا؟ لأنني أومن بأن رئيس الولايات المتحدة، يفترض فيه عندما يجهز دولته ليوم بدء العمليات، أن يكون قد أعد ما يلزم من قوات، وجهز نظامه الطبي العسكري، ومنظومة صناعاته العسكرية، وعبأ شعبه كله للحرب حتى لو كان سيخوض حرباً ضد دولة صغيرة مثل جرينادا -فما بالك بالعراق؟ لقد حاول فريق بوش منذ البداية أن يجعل كل ما يتعلق بحرب العراق سواء من الناحية المالية أو من الناحية الوجدانية "بعيداً عن السجلات والدفاتر"، كما حاول تغييب الشعب عن المعركة وهو ما أكده لي "لاري دياموند" زميل "معهد هوفر" بجامعة "ستانفورد" حينما قال: "إن أميركا ليست في حالة حرب، الذي هو في حالة حرب هو الجيش الأميركي فقط". أما باقي الشعب فيكتفي بالمشاهدة، أو يتجاهل الأمر فحسب. فالقتال وكل ما يتعلق به يقوم به 150 ألف جندي وعوائلهم. في السادس عشر من يناير الماضي سأل "جيم ليهرر" الرئيس بوش: طالما أن الحرب على الإرهاب على ذلك القدر الهائل من الأهمية الذي تصورها به. فلماذا لم تطلب أبداً من المزيد من الأميركيين أن "يضحوا بأي شيء"؟ فأجابه بوش إجابة لا يمكن لأحد أن يصدق أنها يمكن أن تصدر عن رئيس الولايات المتحدة حيث قال له: "حسناً ما أود قوله، هو أنني أعتقد أن هناك الكثير من الأميركيين يشاركون في هذه الحرب. أقصد أنهم يضحون براحة البال عندما يرون تلك الصور الرهيبة للعنف على شاشة التلفاز كل ليلة". أي نوع من الهراء ذلك الذي يقوله الرئيس؟! يضحون براحة البال عندما يشاهدون التلفاز كل ليلة! يا لها من تضحية! هل هذه هي القيادة بالله عليكم؟ إن القيادة كما قرأت تعني تعزيز القدرة وتقديم الإلهام للشعب، كي يساهم بما يتوجب أن يساهم به في أوقات الحروب. بحيث يجد العدو أنه يحاربنا جميعاً. وليس أن يقوم الرئيس بعزل الشعب عن الجيش وترك الأخير يخوض المعركة ضد العدو وحيداً. وإذا أردتم أن تقارنوا ما فعله بوش في هذا الصدد مع ما فعله رؤساء مثل "روزفلت"، أو "ويلسون"، فما عليكم سوى الحصول على نسخة من كتاب "روبرت هورماتس الذي سيصدر قريباً تحت عنوان: "ثمن الحرية: دفع تكاليف الحروب الأميركية" لكي تقرؤوا ما كتبه: "في كل حرب من الحروب الكبيرة التي خضناها، باستثناء حرب فيتنام، كان هناك مجهود قمنا به قبل انطلاق العمليات مباشرة، أو بعد انطلاقها يهدف لإعادة تقييم الضرائب، وسياسات الإنفاق، وتحويل المخصصات من المشروعات الوطنية الأقل أهمية إلى الهدف الاستراتيجي المتعلق بخوض تلك الحرب وكسبها". هذا ما قاله "هورماتس" نائب رئيس مؤسسة "جولدمان ساشس الدولية" في كتابه مستشهداً بما جاء على لسان الرئيس "روزفلت" في خطابه عن "حالة الاتحاد" عام 1942. في ذلك الخطاب واجه "تيودور إف. روزفلت" الأميركيين، وقال لهم دون مواربة: "إن الحروب تكلف أموالاً وذلك يعني فرض ضرائب وطرح سندات ثم فرض ضرائب وطرح سندات، إنها تعني التخلي عن بعض مظاهر الرفاهية وغيرها من الأشياء غير الضرورية... إنها تعني باختصار أن نخوض حرباً يشارك فيها كل فرد وكل عائلة وأن تكون الأمة بأسرها متحدة وراءها". إنني لم أسمع بوش يتكلم بهذه الطريقة قط؟ ويضيف "هورماتس" في كتابه أيضاً أن "روزفلت" تعهد بعد الهجوم الياباني الشهير على ميناء "بيرل هاربر" بحشد الصناعات الأميركية لإنتاج المزيد من الأسلحة التي ستمكن أميركا من التمتع بـ"تفوق ساحق" في السلاح على جميع الأعداء. هكذا تعهد "روزفلت"، أما بوش فإنه وبعد أربع سنوات على انطلاق حرب العراق، لم يزود جيشنا هناك بالدروع التي يحتاج إليها. هكذا كان يفكر "روزفلت"، وهذه هي الطريقة التي كان يجب على بوش أن يفكر بها، والتي كان يجب بموجبها أن يطلب من الشعب كله أن يضحي في تلك الحرب بما هو أكثر من "راحة البال". ما أود قوله هو أنه قد يجوز لنا أن نخطئ في كل شيء تقريباً في حرب العراق -وقد أخطأنا في الكثير منها بالفعل- ولكن هناك شيئاً محدداً يجب علينا ألا نخطئ فيه أبداً، وهو أن نوفر العناية الفائقة لهؤلاء الذين حملوا على عاتقهم عبء تلك الحرب، هذه هي المسألة بكل بساطة.