لم نعرف بعد، الراوية الإسرائيلية الكاملة لحرب تموز / آب 2006، فقد فرضت "المصلحة العليا" قيودا على نشر الإفادة الكاملة لرئيس الوزراء إيهود أولمرت أمام لجنة فينوغراد، ولم يتسرب منها سوى النزر اليسير، بيد أنه على أية حال، ليس بالنزر ولا باليسير قليل الأهمية.

نعرف الآن من مصدر إسرائيلي، بل من أرفع مصدر في إسرائيل، بأن قرار الحرب كان متخذا قبل اندلاعها بأربعة أشهر على أقل تقدير، وأن "جيش الدفاع الإسرائيلي" كان سيجتاز الحدود في أوسع عملية تصفية ومطاردة لحزب الله، في موعد أقصاه أكتوبر أو نوفمبر من العام الفائت، وبهذا الكشف يكون أولمرت قد عمّق ما ذهب إليه سيمور هيرش في مقالة سابقة، وأكد ما تردد في تقارير غربية منشورة عن الحرب التي تبحث عن ذريعتها.

الذين لاموا حزب الله على توفير الذريعة، يرد عليهم أولمرت في شهادته أمام لجنة فينوغراد بصورة لا تبقي مطرحا للبس أو الالتباس: "الله بحاجة أحيانا لمن يساعده"، عبارة قالها شارون ردا على "مخاوف" بوش من افتضاح أمر اغتيال الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بعد أن فاتح الأول الأخير بنيته إزاحة "أبو عمار" عن المسرح، وكررها أولمرت على مسامع أحد محدثيه العرب الذي استبعد أن يوفر حزب الله "الذكي" الذريعة التي تحتاجها إسرائيل للاجتياح والمطاردة والتصفية، وقد فهم من رد أولمرت بأن إسرائيل ستخلق ذريعتها بيدها لا بيد حزب الله إن تطلب الأمر أو إن احتاج خالق العباد للمساعدة. والذين لاموا حزب الله لتفرده وانفراده بقرار الحرب، يرد عليهم إيهود أولمرت بما يقطع الشك باليقين...فبعض الشخصيات اللبنانية – من الوزن الثقيل – كانت تعرف بقرار الحرب وقد التقت بموفدين إسرائيليين لهذا الغرض في غير عاصمة وزمان، كما أن بعض العرب الذي أخذتهم المفاجأة شكلا وتحدثوا عن "المغامرة غير المحسوبة"، كانوا أيضا على علم بما سيجري، ولكن ليس بوساطة موفدي حزب الله بالطبع ؟!.

وإذا قدر لتقرير / شهادة أولمرت أن تنشر كاملة، أو تسريب أجزاء رئيسة منها في أقل تقدير إلى الصحافة، فإن حقائق أقرب ما تكون إلى الفضائح ستطال مواقف وشخصيات وسياسات وعواصم عدة، وسيظهر لنا – ربما – كيف أن المنطقة تدار "بحكومة ظل إقليمية" تضم بقدر متفاوت من التورط وإسهام متفاوت من الخبرات والمقدرات، أطرافا أمريكية وعربية وإسرائيلية وأوروبية، حكومة الظل هذه، هي ذاتها "هيئة أركان الحرب القديمة ضد الخطر الشيوعي" زمن الحرب الباردة، مع تعديل طفيف في هوية العدو وطبيعته.

والحقيقة أن الكشف عن شهادة أولمرت وغيره من القادة الإسرائيليين، سيمر مرور الكرام في عدد من العواصم العربية لأن أحدا ما عاد يخشى انكشاف الاتصالات والمشاورات السرية والعلنية مع الجانب الإسرائيلي، لكن وقعها قد يأخذ شكل الزلزال في لبنان، لاسيما إذا ثبت أن رموزا لطالما تصدرت العمل الوطني اللبناني والتحالف الفلسطيني اللبناني زمن الحرب الأهلية والتدخل الإسرائيلي واجتياح 82 وحصار بيروت واحتلالها، قد انتقلت إلى مواقع خصومها، وأخذت بنفسها زمام المبادرة في التنسيق مع "العدو" واستدراج "الإسرائيلي" إلى الداخل اللبناني، عندها من المرجح أن تجري دماء غزيرة أو تتدحرج رؤوس كبيرة سيصعب على براميرتس وفريقه متابعة المتسببين والمسئولين عن إراقتها ودحرجتها، فالقبائل التي ستتوزع عليها الدماء و"الديّات" كثيرة وكثيرة جدا.

الدستور