دون قدرة على الفصل يبدو الشأن الداخلي ممزوجا بالتصريحات الدولية، وعلى الأخص ما قاله نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني حول مسألة الانسحاب من العراق... فتشيني اعاد الصورة التي اعتقدنا أنها انتهت مع زمن العصور الوسطى.. فالانسحاب الأمريكي حسب تشيني يمكن ان يضع المنطقة على حافة الحرب الإقليمية التي وجدها وفق التصنيفات النمطية – المذهبية. هذا "التشكيل" السياسي الذي يتم رسمه منذ أكثر من عامين لا يمكن اليوم تجاهله بعد أن خلق واقعا داخل العراق على الأقل، وبعدما تم تشكيل الانتخابات العراقية على مساحة "المذاهب" أو حتى "الأقليات".. وبشكل يوحي ان "ديمقراطية" الانتخاب تملك شرطا واحدا في التمثيل يعتمد أساسا على مقياس "تراثي" بالدرجة الأولى.. أو مذهبي إن صح التعبير ظهرت نتائجه بشكل سريع داخل العراق.

والمسألة الانتخابية ليست محصورة على العراق، فالانتخابات مهما كانت آلياتها أصبحت مهددة بالمقياس الذي أثبت الإعلام أنه قادر على ترويجه، أو استفزازه، كما استطاعت الاستراتيجية الدولية في المنطقة عموما على تكريسه من جديد، ومن هذه الزاوية فإن مقياس الحداثة في هذه العملية بدأ يغيب بشكل تدريجي.

وإذا كانت الخطورة في العملية الانتخابية تتضح داخل العراق نتيجة ظروف الاحتلال، فإن أي انتخبات أخرى أصبحت تملك تحد أساسي في كسر هذه القاعدة التي يستمر الترويج لها على قاعدة الفصل الحاد في القوى الإقليمية، وهذا الفصل لا يقتصر على سياسة الدول بل يمكن أن ينسحب إلى كافة الآليات السياسية.

الانتخابات يمكنها أن تتجه نحو هذا التحدي بشكل مباشر، وبإمكانها أيضا تجاهله والتعامل معه على انه لا يعنيها طالما أنه مازال محصورا داخل دولة محددة. لكن الانتخابات أيضا قادرة على الدخول في تعبير جديد للتعامل مع هذا التحدي، والخروج من دائرة الحالة التقليدية لتخاطب "المصلحة الاجتماعية" بالدرجة الأولى، ولتضع العملية التشريعية على مسار حيوي وفعال.

ما تحدث به تشيني امس لا يتعلق فقط بالسياسة الأمريكية فقط، لأنه يعني حياة المجتمعات في الشرق الأوسط القائمة أساسا على تحديد "المصالح الاجتماعية" بشكل دقيق بدلا من تركها لمخاطر الاستراتيجيات الدولية، أو لافتراض "الصراع" الحاد بين التيارات، أو حتى العودة بها إلى التراث الذي ظهر قبل أن تتبلور فكرة المؤسسات الحداثية. وما تحدث به تشيني أيضا يدخل في إطار استبدال المفاهيم للدولة الحديثة بما فيها الانتخابات، ووضعها على محك صراع آخر يهدد بنية المجتمعات في المنطقة عموما.