النهار / سمير عطا الله

كانت نشرة الطقس قبل الاقمار الاصطناعية تسلينا لانها تصدق على النشرة السياسية: صاف الى غائم مع الانفراجات واحتمال هطول امطار. الرياح شرقية، شمالية، الى جنوبية غربية! وكانت اذا هبت عاصفة باردة او حارة، سارع صاحب الطقس فورا الى تحميل سوانا المسؤولية: الحر يأتي من ليبيا، والصقيع يأتي من سيبيريا مروراً بتركيا. لا بد من عبور مضيق الدردانيل. هكذا حالنا منذ بعض الوقت. وهو وقت ضائع وأسى لا يعوّض. فكل شيء غامض والانفرجات محتملة، وكذلك الامطار. اما التغير الكبير فيأتي دائما من الخارج، صقيعا من سيبيريا، او حراً من الصحراء الليبية. وكما تأتي التأزمات رزما، تأتي الانفراجات سبحة. فبينما توالت لقاءات بري – الحريري في بيروت، كان وزير خارجية اوروبا خافيير سولانا يقول انه سيسافر قريبا الى دمشق بعد قطيعة طال امدها بين سوريا واهل القارة. وفي اليوم التالي كانت اميركا تجتمع في بغداد، ومعها الدول المرافقة، مع ايران وسوريا. وقبل ذلك بأيام قليلة وصل الى دمشق اعلى مسؤول اميركي منذ استدعاء السفيرة الاميركية من دمشق عقب اغتيال الرئيس الحريري. او أعلى مسؤولة. قد يكون من المبالغة ربط كل هذه الاحداث برياح واحدة، ولكن من السذاجة الا نتأمل في تزامنها وتلاحقها. فمن ناحية تحشد اميركا اساطيلها في الخليج بلا توقف، موحية بان ضرب ايران وشيك، ومن ناحية اخرى تحاور طهران في بغداد في شأن حل يجب البحث عنه في ظهر القنفذ: شوكة بعد أخرى. في الواقع السياسي لا شيء تغير في ايران، ولا شيء تغير في سوريا. المتغير الكبير حدث في اميركا منذ صدور الوثيقة المعروفة باسم وثيقة بايكر – هاميلتون. فقد بدا بوضوح ان اللجنة التي ترأسها جيمس بايكر وزير خارجية جورج بوش الاب، كان هدفها انقاذ جورج بوش الابن من طمي الفرات وزبد دجلة. وحاول الرئيس الاميركي ان يبدو كأنه يرفض التوصيات معلنا انه سيزيد عدد القوات الاميركية في العراق. لكن الواضح ان هدف الزيادة تأمين الاسراع في الانسحاب. وقد حصلت بعد صدور الوثيقة تطورات متباعدة ومتلاصقة معا. اذ اعلن طوني بلير اول انسحاب للقوات البريطانية من البصرة، على رغم انها لا تتعرض لاي ضغط شديد هناك. بل الناس نسيت وجودها، بالمقارنة مع ما تتعرض له القوات الاميركية في وسط العراق. ثم أخذ "الصقور" في الادارة يتساقطون، بدءا بوزير الدفاع دونالد رامسفيلد. ووقع حدث بدا بعيدا جدا لكنه اقرب بكثير مما نظن، عندما قرر بوش عقد مصالحة مع اقدم واغرب واعقد اعداء اميركا، الزعيم المبجل كيم جونغ – ايل. وفي مقايضة لا سابقة علنية لها، قبل الزعيم المبجل بتفكيك قوته النووية مقابل مليون طن "فيول": اورانيوم بارد بزيت حار. لكن الاتفاق اظهر ان ادارة بوش التي خرجت الى كل الحروب دفعة واحدة بعد 11 ايلول 2001، تتجه الى احتواء ازماتها العالمية من طريق الصفقات الباردة. ويمثل هذه السياسة في الحديقة الخلفية للبيت الابيض جيمس بايكر بينما تمثلها في قلب المبنى الآنسة كوندوليزا رايس. وبعدما تخفف بوش من رامسفيلد وجون بولتون وتقلص نفوذ القطب المتجمد الشمالي ديك تشيني، بات من الممكن طرح الحوار بديلا من الحرب التي دمرت اقتصاد اميركا وخزانتها وميزان مدفوعاتها وقوة الدولار، وجعلتها دولة على خصام مع معظم قوى العالم. السياسة مناخ عام، مثل العواصف التي تأتي من سيبيريا او من الصحراء الليبية. وعندما تتفق اميركا او تفاوض او تقايض عدوا مثل كيم جونغ – ايل، فهذا يعني ان تطورا جوهريا قد طرأ على مفهوم عام، وليس على قضية واحدة. فعندما سمى جورج بوش "الدول المارقة"، جعل كوريا الشمالية ضمنها، كي لا يقال انه لم ينتق "المارقين" الا من دول اسلامية بعد ضرب نيويورك وظهور "القاعدة" كمبارز جديد في الحرب العالمية الثالثة. والانتقال من سياسة المواجهة الى سياسة التحاور، او التفاوض تأخر طويلا لكنه حصل في النهاية. والحوار ليس اقل صعوبة في القضايا الشائكة من المواجهة نفسها، لكنه اقل ضررا بالتأكيد. والحمد لله على اننا دخلنا اخيرا تحت هذا العنوان. فالانفراجات قد تقع في نهاية المطاف. والهبوب العليل قد يصلنا بعد ان يعبر مضائق ما. وعندما يحصل الانفراج الكلي وتنقشع الحقائق السياسية والوطنية الجديدة سوف يتبين لنا ان لبنان بات ثلاثة اثلاث بدل نصفين: ثلثين معطِّلين بكسر الطاء، وثلثا معطَّلا بفتحها. ففيما كان لبنان يخوض معركة متغيراته الاقليمية ومصائر مكوناته الوطنية، كان السياسيون الموارنة يخوضون، كالعادة، معركة الوصول الى رئاسة الجمهورية او التمسك بها. وزيّن للرئاسة، للمرة الاولى منذ الطائف، انها حقا جزء من الحكم وأن لها صلاحيات تدوم اكثر من شهر واحد. وفيما طرح كل فريق من عائلات الوطن، مسألة وجوده وحقوقه، طرح الفريق الماروني على طاولة الحوار موضوعا واحدا: صاحب الفخامة. مَن يذهب ومن يأتي ومن لا يأتي ابدا، الا الآتي باسم الرب. الحقيقة صعبة. وقد بقي للموارنة من مقام الطليعة الطروحات الفكرية التي يطلع بها كل شهر مجمع المطارنة. وهي في كل حال، طروحات فاتيكانية في ابعادها، تأخذ دوما في الاعتبار "المسألة الشرقية" وأوضاع مسيحيي الشرق. وجميعهم يهاجرون. ولن يبقى هنا سوى المرشحين. فالفكر السياسي الماروني وحده، وليس السياسيون، يعرف مدى عمق المتغيرات في المنطقة، ويدرك انه لم يعد ثمة مكان للعيون والانوف الصغيرة التي تنتهي آفاقها عند ارنبتها. ومن كان يتوقع شيئا آخر او نتائج اخرى لما فعله سياسيو الموارنة الذين خاضوا معركة الوجود عند الدواليب، فقد كان يتوقع سرابا آخر. من يختر الصف الثاني في لحظة الخيارات، لا يستطيع ان يطلب الموقع الاول. ومن يختر الانتساب، هنا او هناك، لا يستطيع ان يصر على موقع الحكم. ومن لم يقرأ في العناوين الكبرى ان المنطقة تشهد تحولا لم تعرفه منذ قرون، سوف يستمر في قراءة الحروف الصغيرة. هذه المنطقة، ايها السادة، تعيش المخاض الذي عاشته اوروبا عشية الحرب العالمية الثانية. والمتغيرات العاصفة لا وقت لديها لانتظار يقظة الغافلين. وما بقي من فكر سياسي يعبّر عنه المطارنة، لم يعد يكفي. وكما قال ستالين عن البابا عام 1935: "كم فرقة يملك". المؤسف ان احدا لم يضطهد بكركي وفكرها وموقعها كما اضطهدت في السنوات الاخيرة، ولا تجرأ الانتداب على مقام البطريرك كما فعلت نسوة الشر.