في هذه الدراسة محاولة لابراز السياسات الصهيونية لتهويد المسجد الاقصى والحرم الابراهيمي ، لكن بداية لا بد من توصيف حالة سكان القدس عبر التاريخ ،حيث تشير الدراسات التاريخية الى انه لم يكن لليهود تواجد سكاني يذكر في مدينة القدس ، منذ قام الإمبراطور الروماني تيتوس بتشتيت بقاياهم في العام ( 70 ) ميلادي و حتى العهد العثماني ، حيث لم يسجل خلال الفترة المذكورة سوى عائلتين يهوديتين في العام ( 1267 ) ميلادي ، و مع دخول فلسطين في العهد العثماني في عام ( 1516 ) ميلادية ، بدأ مجموع اليهود يتزايد في مدينة القدس بفعل التسامح الديني التي انتهجته الإدارة العثمانية في البداية ، و تحت وطأة تأثير الضغوط ، الاقتصادية و المادية التي تعرضت لها من الدول الأوروبية خلال عقودها الأخيرة ، فقد بلغ عدد اليهود في القـدس عــام ( 1525 ) ميلادي ، أي بعد أقل من عشر سنوات من الإدارة العثمانية ستة آلاف يهودي ، و أخذ التواجد اليهودي في المدينة بالتزايد خلال السنوات التالية ، إلى أن عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا في نهاية شهر اب من عام 1897 . فاحتل موضوع استيطان و تهويد القدس لجهة زيادة مجموع اليهود ، مكانة الصدارة في البيان الختامي للمؤتمر المذكور ، و منذ ذلك التاريخ سعت الحرؤكة الصهيونية والمنظمات المنبثقة عنها كل ما بوسعها لإيجاد واقع جديد في القدس في سياق سياسة سكانية صهيونية مدروسة ، تخدم الأهداف الأساسية للحركة الصهيونية ، و بخاصة إقامة الدولة اليهودية المنشودة ، و قد وصل مجموع اليهود في مدينة القدس نتيجة النشاط الصهيوني الدبلوماسي والدعائي إلى ( 28122 ) يهودي ، يمثلـون ( 61,9 ) في المائة من إجمالي سكان المدينة في عام 1898 ، و البالغ ( 45430 ) نسمة ، وكان لوعد بلفور في عام 1917 ؛وفتح بريطانيا بكونها الدولة المنتدبة على فلسطين خلال الفترة (1922-1948) لأبواب الهجـرة اليهودية على مصرعيها ، بالغ الأثر في تسريع وتيرة زيادة مجموع اليهود في مدينة القدس ، إذ وصل مجموعهم إلى ( 51,2 ) ألف يهودي في عام 1931 يمثلون ( 56,6 ) في المائة من إجمالي مجموع سكان المدينة ، ما لبث أن ارتفع مجموع اليهود ليصـل ( 84 ) ألـف يهودي ، يمثـلون ( 97,2 ) من إجمالي سكان المدينة المقدسة بعد أيـار 1948 ، و قد كان لطرد العصابات اليهودية الشتيرن والهاغانا والايتسل حوالي ( 100 ) ألف عربي من الجزء الغربي المحتل عام 1948 بالغ الأثر في رفع نسبة اليهود في هذا الجزء حتى عام 1967 .وهو العام الذي احتلت فيه إسرائيل الجزء الشرقي من المدينة وطردت إبانة نحو (15) ألف عربي , حيث بدأت الإحصاءات الإسرائيلية تشمل العرب في الجزء المذكور من إجمالي سكان مدينة القدس بشقيها الشرقي والغربي , ولذلك بدأت نسبة اليهود تتراجع ، بسبب الزيادة الطبيعية للعرب التي تصل الى ( 3.5 ) في المائة ، فضلاً عن التوسعات لمدينة القدس و التي تستهدف السلطات الإسرائيلية من ورائها ضم أكبر عدد ممكن من أراضي القرى بحيث تشكل مساحتها في نهاية المطاف أكثر من ربع مساحة الضفة الفلسطينية قبل البدء بشكل حقيقي في مفاوضات الحل النهائي التي أجلت مراراً .

و تعتبر مدينة القدس مركز جذب للمهاجرين اليهود ، و قد ساعد في ذلك الاقتطاعات السنوية الكبيرة من الموازنة الإسرائيلية لتنفيذ مزيد من اللخططات الاستيطانية لتهويد مدينة القدس ، الـتي بات يقطن فيها في بداية عام 2007 حـوالي ( 11 ) في المائة من إجمالي مجموع اليهود في اسرائل والاراضي العربية المحتلة ، حيث يصل مجموعهم (5.7) مليون يهودي ، وبفعل النشاط الاستيطاني وجذب مزيد من اليهود الى مدينة القدس وصل عدد اليهود في الجزء الشرقي من المدينة المقدسة(246.843 ) مستوطناً يهودياً في عام 2006 مقابل الى (310) الاف عربي مقدسي .ويتركز المستوطنون اليهود في محافظة القدس في 26 مستوطنة اسرائيلية تلف المحافظة بعدد من الأطواق الاستيطانية ، ناهيك عن الاحياء اليهودية التي أقيمت داخل مدينة القدس .

وتبعاً للاتجاه العام لمعدل النمو السكاني العربي و السياسات السكانية الإسرائيلية في مدينة القدس ،فإنه من المحتمل أن يصـل مجموع سكان المـدينة إلى ( 817 ) ألف نسمة عام 2010 منهــــم ( 76 ) في المائة من المستوطنين اليهود .وفي الاتجاه نفسه سعى ويسعى اصحاب القرار والمخططون الاستراتيجيون في اسرائيل الى خلق هيمنة ديموغرافية يهودية مطلقة في القدس ، و أوضح شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق الميت سريرياً في أكثر من مناسبة " بأنه يجب أن يكون في القدس ، العاصمة الأبدية لإســرائيل ، أغلبية يهوديـة ، و نحن نسير و من رؤية بعيدة بحيث يكون في القدس الكبرى مليون يهودي " . ومن جهته قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت رؤية للأوساط الإسرائيلية تقوم على أساس العمل لتصبح نسبة السكان اليهود في المدينة تتجاوز(88) في المائة ،فيما تتراجع نسبة العرب إلى (12) في المائة خلال السنوات القليلة القادمة .

و من الناحية العملية وضعت مخططات إسرائيلية تستهدف جعل اليهود أكثرية ساحقة في القدس الشرقية المحتلة عام 1967 ، بحيث ستعتمد الزيادة المقترحة لليهود في المدينة على استيعاب اليهود القادمين من الخارج عبر الهجرة اليهودية الكثيفة ، جنباً إلى جنب مع الزيادة الطبيعية لليـــهود ، وفي نفس الوقت ستواكب هذه الزيادة لليهود في مدينة القدس سياسات إجلائية للعرب منها عبر إبطال شرعية إقامتهم في مدينتهم من خلال اتباع الإجراءات التالية :

1. إذا عاش الفلسطيني خارج القدس سبع سنوات متتالية .

2. إذا حصل على جنسية أخرى .

3. إذا سجل إقامته في بلد آخر .

و تبعاً لهذه الحالات فإن المصادر الإسرائيلية تقدر عدد العرب في القدس المعرضين لفقدان بطاقة الهوية العائدة لهم بنحو ( 50 – 60 ) ألف عربي ، و هذا يعني ترحيلهم من مدينة القدس أو إبقائهم خارجها ، و اللافت للنظر أن كافة الإجراءات الإسرائيلية لترحيل عرب القدس وضعت وفق أحكام القانون الإسرائيلي الدقيق و المخططة سلفاً فصاحب الأرض : وفقاً لنسق تطور الملكية و السكان ، معرض في أي لحظة لسلب حقه و إقامته ، بينما يكفي لليهودي الآتي من دول العالم المختلفة أن يعلن نية القدوم إلى فلسطين حتى يصبح مواطناً في القدس ، و لا يفقدها حتى لو غاب ( 7 ) سنوات أو سبعين سنة أو حمل جنسية أخرى ، على عكس العربي صاحب الأرض الذي يفرض عليه قوانين إسرائيلية جائرة ، لاستلاب أرضه و تهويدها بكافة الوسائل ، و خاصة عبر مصادرة مزيد من الأراضي في القدس و بناء المستوطنات عليها لتلف المدينة من كافة الاتجاهات و تعزلها على باقي المدن و القرى في الضفة الفلسطينية . ومن الاهمية الاشارة الى ان كافة الحفريات وعمليات التجريف الاخيرة في باب المغاربة و محيط الاقصى المبارك انما تخدم التوجهات الديموغرافية الاسرائيلية .

ولم تكن المخططات الاسرائيلية ازاء الحرم الابراهيمي اقل خطورة من المخططات الصهيونية لتهويد الاقصى ، حيث تحدق بالحرم الإبراهيمي مخاطر جمة في المقدمة منها محاولات إسرائيل تحويل الحرم إلى كنيس يهودي خلال السنوات القليلة القادمة .

وبالعودة الى محاولة توصيف الحرم الإبراهيمي الشريف، يذكر بعض المؤرخين للحرم الإبراهيمي الشريف " انه يتكون من بناء ذي أربع حوائط من الحجر المصقول ، طوله ثمانون ذراعاً وعرضه أربعون ، وارتفاعه عشرون ، وثخانة حوائطه ذراعان ، وبه مقصورة ومحراب في عرض البناء .

وبالمقصورة محاريب جميلة بها قبران راسهما للقبلة، وكلاهما من الحجر المصقول بارتفاع قامة رجل واحد، الأيمن هو قبر اسحق بن إبراهيم ، والأخر قبر زوجته وبينها عشرة أذرع ، وارض هذا المشهد وجدرانه مزينة بالسجاجيد القيمة والحصر المغربية التي تفوق الديباج حسناً . وحين يخرج السائر من المقصورة الى وسط ساحة المشهد ، يجد مشهدين امام القبلة : الأيمن به قبر إبراهيم الخليل ، وهو مشهد كبير ، ومن داخله مشهد آخر لا يستطاع الطواف حوله ، ولكن له أربع نوافذ يرى منها . أما المشهد الثاني الذي على يسار القبلة فيضم قبر سارة زوجة إبراهيم الخليل عليه السلام ، وبين القبرين ممر عليه باباهما . وهو كالدهليز وبه كثير من القناديل والمسارح ، وبعد هذين المشهدين قبران متجاوران ، الايمن هو قبر النبي يعقوب ، والايسر هو قبر زوجته ، وبعدهما المنازل التي اتخذها ابراهيم لضيافة زائريه وبها ستة قبور ، وخارج المشهد منحدر وفيه قبر يوسف بن يعقوب ، وهو من الحجر وعليه قبة جميلة .

ومن الاهمية بمكان الاشارة الى ان وصف صاحب الانس الجليل في تاريخ القدس والخليل الذي انتهى من تصنيف كتابه المذكور في عام 901 هجرية الحرم الابراهيمي يعتبر بانه وصف يتفق مع وصف الحرم في يومنا هذا ، حيث يصف البناء الموجود بداخل السور على ماهو عليه في عصرنا ، وقد صار مسجداً فهو يشتمل على بناء معقود من داخل السور على نحو النصف من جهة القبلة الى جهة الشمال والبناء من عهد الروم ، وهو ثلاثة اكوار الاوسط منها مرتفع عن الكورين المتلاصقين له من جهة الشرق والغرب ، والسقف مرتفع على اربع اسوار محكمة البناء وبصدر هذا البناء المعقود تحت الكور الاعلى المحراب ، والى جانبه المنبر وهو من الخشب في غاية الإتقان والحسن ، وهذا المنبر عُمل في زمن المستنصر بالله ابو تميم معد الفاطمي خليفة مصر .والظاهر أن الذي نقله ووضعه بمسجد الخليل عليه السلام الملك الناصر صلاح الدين الايوبي رحمه الله لمَّ هدم عسقلان ، وهذا المنبر موجود الى عصرنا ، والقبور الشريفة بداخل السور ، منها تحت البناء قبر اسحاق عليه السلام الى جانب السارية التي عند المنبر ، ويقابله قبر زوجته .وكان أخر وصف للحرم الابراهيمي جاء في دليل الحرم الشريف الذي وضعه المجلس الإسلامي الأعلى في سنة 1436 هجرية الموافق لسنة 1927 ميلادية . حيث يشير الدليل الى ان جميع مراقد الأنبياء عليهم السلام وزوجاتهم واقعة في غار موصد سفلي الحرم ، وما الأضرحة العليا إلا إشارات لها ، ولهذا الغار ثلاثة مداخل ، أحداهما بإزاء المنبر ، والثاني بين قبري سيدنا اسحق وزوجته الى جهة الشمال ، وهما مسددوان ، والثالث واقع بجوار الحضرة الخليلية وعليه القبة اللطيفة التي أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاوون وبابه من رخام مستدير له غطاء من نحاس يسرج فيه دائماً قنديل معلق عند فوهته .

ويشير مصطفى مراد الدباغ في الجزء الخامس – القسم الثاني من بلادنا فلسطين الصادر عن دار الطليعة في بيروت في عام 1972 ص 351 الى ان الحرم الابراهيمي الشريف في الخليل ، هو مسجد اسلامي بكل مافي الكلمة من معنى شرعي ، وكل عدوان عليه يعتبر انتهاكاً لقدسيته وحرماته ، وان محاول تغيير الحالة الراهنة للمسجد الاقصى والحرم الابراهيمي يتنافى مع احترام المقدسات الاسلامية وصيانتها ؛ فضلاً عن ذلك يشير الدباغ الى ان اسرائيل انتهكت حرمة المسجد الابراهيمي الشريف ووضعت في داخله خزانة فيها كتب دينية يهودية ، ووضعوا لافتات على أضرحة الانبياء الكرام باللغة العبرية ، حتى يتراءى للزائر هذا المسجد الاسلامي هو كنيس يهودي ، وفي هذا السياق يذكر ان السلطات الاسرائيلية بدأت بالتخطيط لتحويل الحرم الابراهيمي الى معبد يهودي منذ الخامس حزيران 1967 إثر احتلال مدينة خليل الرحمن مباشرة ً، ومن تلك المخططات محاولة انشاء كنيس يهودي في اثناء الدرج الذي يصعد له للحرم الشريف .

وتوجت الاجراءات والاعتداءات الاسرائيلية لتنفيذ مخططاتها في الحرم الابراهيمي بالمجزرة التي حدثت فجر يوم الجمعة الموافق للرابع والعشرين من شباط في عام 1994 ميلادية ، حيث قام المتطرف " باروخ جولدشتاين " بإطلاق النار على المصلين مما أدى الى استشهاد 29 مصليا داخل الحرم وإصابة نحو 300 آخرين . وتشير مؤسسة الأقصى إلى أن البلدة القديمة في الخليل قد تحولت الى مستوطنة كبيرة باتت تكبل التواجد الفلسطيني لنحو مائة وعشرين ألف فلسطيني ، وتقلق ماضيه وحاضره ومستقبله ، فالعشرات من المنازل الفلسطينية أصبحت خالية والعشرات الأخرى يتهددها خطر الإخلاء ، وبات الوصول للحرم الإبراهيمي متعذرا ومرتبطا بطريق طويل لا تدخل إليه إلا عبر العديد من الحواجز والبوابات الإلكترونية والشوارع البعيدة الضيقة .

مما يقدم يتضح ان سياسات التهويد الإسرائيلية بكافة إشكالها سواء تلك الرامية لتهويد الاقصى او الحرم الابراهيمي ،إنما هي أعمال موافق عليها من قبل المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة ، وهي سياسات تهدف الى تغير المعالم والمقدسات الإسلامية في فلسطين سواء في المناطق التي أنشئت عليها إسرائيل في عام 1948 وكذلك في المناطق الفلسطينية المحتلة في الخامس من حزيران من عام 1967 ، وخاصة في مدينتي القدس والخليل في الضفة الغربية .