الكفاح العربي / سعاد جروس

أدى مجلس شعبنا الموقر في دورته الثامنة, أداءً يصح فيه وصف الشاعر ابن الرومي لمغنية, كما يصح فينا وصفه لحاله: لها غناء يثيب الله ســـامعه ضعفي ثواب صلاة الليل والصوم ظللت أشرب بالأرطال لا طرباً عليه, بل طلباً للســكر والنوم وبما أن الدور التشريعي الثامن اختتم جلساته العجاف بأمان واطمئنان, آن وقت الاستيقاظ قبل أن يغط القادمون في «نومة» الدورة التاسعة. اليوم قبل أن تطرش الشوارع والساحات بوجوه المرشحين الكرام, لا بد لنا من كلمة صغيرة بحجم حصوة نلقيها في ماء الانتخابات الوطنية, مع إدراكنا سلفاً أن كلمتنا لا تنفع ولا تضر, وإنما هي فشة خلق لرأي يحاول أن يكون حراً؛ بمعنى متحرر من كل شيء, إذ لا ينطلق من موقف سياسي, فهو بالأساس ولد وعاش أجرد مجرداً من السياسة والتسييس, ولا يرتكز على موقف مسبق أو كيدي ضد أحدهم, فلغاية الآن لم يعلن اسم أي مرشح حتى نكيد له, أو نرد كيده في نحره. كما أن أعضاء مجلس الشعب الموقرين السابقين, كانوا سباقين وأفاضوا علينا بأفعالهم النظيفة الخالية من المواقف البناءة والهدامة إلى درجة لم تنتزع منا أي موقف تجاههم, وتجاه المجلس عموماً, لا حباً ولا كراهية, حتى غدا عنوان العلاقة المتبادلة بيننا «صبحتك بالخير يا جاري, أنت بحالك وأنا بحالي». هذه العلاقة المثالية سواء من حيث السلامة أو الأمان, تستوجب قول كلمتي الصغيرة: «لن أصوت في الانتخابات المقبلة» على ألا يعتبر هذا مقاطعة للانتخابات ولا تشكيكاً في نزاهتها معاذ الله, وإنما لدواعي مرضية, فأنا مصابة بقصر نظر, لن يتيح لي تبين أي من صور مرشحينا ومرشحاتنا هي الأجمل, كما أنني اتبع حمية غذائية تمنعني من تناول وجباتهم المجانية, وبالتالي لن أتمكن من معرفة أي منهم يقدم الأدسم والأطيب, بالإضافة إلى مشكلة في السمع أعانيها, لا تساعدني على الإصغاء إلى أغاني الدبكة في المضافات, للتمييز أيها الأدق تعبيراً عن طموحات شعبنا المقدام. وليعذر نوابنا الأكارم مواطنتي الناقصة بصراً وسمعاً ومذاقاً... وذوقاً, وليسامحوني إذا لم أشارك في التصويت, مع أنه لا خسارة لهم تذكر من صوتي, وبالناقص منه في انتخابات تتطلب استنفار الحواس كاملة مع السادسة إن أمكن, والتي تفيد في تحسس الأكثر ملاءمة من المرشحين لتمثيل الملايين, طبعاً ليس الملايين من جماهيرنا الغفيرة, وإنما الملايين من ثروتنا الوطنية السالكة طريق اقتصاد السوق الاجتماعي, لتكون معبراً عن مصالح المستفيدين, فهم عملياً المؤثرون لا المتأثرين, وعلى عاتقهم تقع عملية التحويل من الليرة إلى الدولار واليورو. أما المرشحون المعترون؛ نواب العمال والفلاحين والكادحين وصغار الكسبة, إن وجدوا, فعليهم أن لا يدخلوها مستقلين, لأنهم لو باعوا ما فوقهم وما تحتهم, لن يُحصِّلوا ثلاثة ملايين ليرة لزوم المعارك الانتخابية, وليس لهم سوى أحزاب جبهتنا التقدمية لينخرطوا بين صفوف مرشحيها, وينزلوا على كراسي المجلس بالبراشوتات, وهو احتمال ضعيف, لأن «العليق لا ينفع وقت الغارة», غيرهم كان اشطر وانتسب مسبقاً لصفوف الأحزاب, وحفر بالأظافر والأنياب سرداباً من تحت الباب. إذاً لماذا العذاب وكسر الخواطر وحرق الألباب...؟ نقول ليهنأ سعيد بسعيدة, ما لنا وما لهم, ليدخلوا مجلس الشعب آمنين, كما دخله من سبقهم, وليخرجوا كما خرج أسلافهم, ولتكن الأصوات على قدر البذل بالشاورما والسخاء بالبقلاوة في المضافات, فبعد العرس لا يوجد حلاوة... وعرس الانتخابات ليس كباقي الأعراس, فهو مناسبة للقاء الأحباب على حساب المرشح, ومناسبة ليفرد المرشح عبه في شهر الترشيح ليظلل بكرمه أكبر عدد من الناس. لذا التمتع بلذائذ الترشيح فرصة لا تعوض, وللأسف لن ينعم بها من تمنعه مواطَنته المعطوبة من البصر والسمع والتذوق مثلي. ونحن أي معشر الذين لا صوت لهم ليعطوه, ليس لهم غير ذكرى مجالس طواها الزمن مع من طوى من فارس الخوري الى فخري البارودي وبدوي الجبل ونجيب الريس ومنير العجلاني... إلخ من قامات نعيش على ماضيها المشرف, حين كان النائب نائباًَ فحسب, لا جائحة ولا نائبة من نوائب الدهر, أي نائباً ممثلاً لناخبيه لا ممثلاً عليهم أدوار تلائم ما يعصف بأسواقنا من أطوار فيسوق على هوى السوق, ويعيث في الأرض محسوبيات واستثناءات وتسهيل معاملات وقصائد مديح مقفاة, وحفلات ردح تضيع فيها المأساة لتحضر الملهاة بكامل ابتذالها... وأسوأ ما فيها أنه لا بد من المشاركة فيها إما بالتصويت أو بالصمت, في حالة ألفناها كألفة القائل: وكنا ألفناهــــــا ولم تك مألفاً وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن كما تؤلف الأرض التي لم يطب بها هــواء ولا مـــاء ولكنها وطن