الاتحاد

بين تحديات تركة "شيراك" الثقيلة... ومستقبل "فرانسوا بايرو" غير المضمون!

التحديات التي تنتظر من سيخلف شيراك في قصر الأليزيه، والسجال حول إشكالية الهجرة في أميركا وفي فرنسا، وما يتعين على المجتمع الدولي القيام به لمواجهة المشكلة الإنسانية في دارفور، موضوعات ثلاثة نعرض لها ضمن جولة سريعة في الصحافة الفرنسية.

تركة ما بعد شيراك: انسحاب شيراك رسمياً، الذي أعلن عنه منذ أسبوع، كان موضوع افتتاحيات عديدة في الصحف الفرنسية، تناولت تركة رئيس الجمهورية، وما سيتعين على من سيخلفه عمله لتجاوز بعض الجوانب السلبية لهذه التركة السياسية. في صحيفة لوموند كتب رئيس التحرير "جان- ماري كولومباني" افتتاحية حول الموضوع نفسه قال فيها إنه بعد أربعين سنة متواصلة من العمل السياسي، منها اثنتا عشرة سنة على رأس الدولة، يترك شيراك لمن سيخلفه تحدياً حقيقياً وعاجلاً هو إخماد تمرديْن اثنين، متزامنين ومحتدمين معاً. تمرد "فرنسا السفلى"، ممثلة في الرفض المتنامي للنسق السياسي والاجتماعي القائم، فرنسا التي صوتت لشيراك 1995، والتي رفضت الدستور الأوروبي، وصعدت باليمين المتطرف في انتخابات 2002. وتمرد "فرنسا العليا" ممثلة في عالم الشركات والصناعات، وفي ضوء ما عرفه ويعرفه الاقتصاد الفرنسي من مصاعب وركود. وبقدرما سيستطيع من سيتلو شيراك في قصر الأليزيه تهدئة هذين التمردين سيكون قادراً على إسداء خدمة لفرنسا. وفي سياق متصل وصلت حملة الرئاسيات الفرنسية الآن إلى درجة الذروة، ونحن على بُعد 5 أسابيع من الاستحقاق الانتخابي الأول، بعد أن بلغ عدد المترشحين قرابة الـ11 مترشحاً، رصد "جيل دوسير" في "لابروفنس" بعض ملامحهم وتناقضاتهم في افتتاحية اعتبر فيها أن الحملة بدأت الآن تركض بثلاث سرعات مختلفة، فإلى جانب الثلاثي "رويال" و"ساركوزي" و"بايرو"، وصلت فجأة بقية قافلة الحالمين بتمضية أوقات في قصر الأليزيه، وهي قافلة منوعة وغير متجانسة، تشمل خاصة 7 وجوه ملفتة منها الشيوعي، والأخضر، والمعادي للعولمة، والصياد بكل بساطة، والمتطرف اليميني... واليساري، وكل واحد من هؤلاء يزعم لنفسه القدرة على الإتيان بـ"النموذج البديل"، وبـ"الحل السحري".. الخ. هذا عن الشكل أما عن مضمون خطاب المترشحين، فقد هاجمت صحيفة لوفيغارو في افتتاحية كتبها "نيكولا باريه" تحت عنوان" طوباوية ذرية" دعوة المرشحة الاشتراكية "سيغولين رويال" إلى تقليص عدد المحطات النووية الفرنسية، بـ20 محطة تقريباً من مجموع 58 محطة، متجاهلة أن الدول الكبرى الأخرى تتحسَّر على أنها لم تنتهج طريق فرنسا في الاعتماد على الخيار النووي في مجال الطاقة، وخاصة الكهربائية، وفي وقت وفر هذا الخيار الاستراتيجي الناجح على اقتصاد فرنسا المترهل، السنة الماضية وحدها 16 مليار دولار. إنها طوباوية ولا واقعية تكشفان عن فشل المرشحة الاشتراكية ليس في اجتراح الحلول الناجحة، بل فشلها أيضاً في تجنب الدعوة إلى تدمير الحلول الصحيحة كذلك. وفي افتتاحية بصحيفة ليبراسيون قلل "جان- ميشل تينار" من أهمية فزاعة مرشح الوسط "فرانسوا بايرو"، الذي "سرق" من زعيم "الجبهة الوطنية" جان ماري لوبن صورة "البديل" و"الخيار الثالث" و"المتمرد على النسق"، معتبراً أن مستقبل "بايرو" وما تتوقعه له استطلاعات الرأي من مكاسب انتخابية غير مضمون. أما في "لا ربيبليك دي سانتر" فقد كتب "جاك كامي" افتتاحية خصصها لدلالات ترشح "جان ماري لوبن" الآن، وللمرة الخامسة، للانتخابات الرئاسية، وعمره 79 سنة، مؤكداً أن الدور "التخريبي" المُربك الذي لعبه زعيم "الجبهة الوطنية، في رئاسيات 2002 لن يتكرر الآن.

بوش والهجرة: تحت هذا العنوان جاءت افتتاحية بصحيفة لوموند تناولت فيها بالتحليل الأبعاد السياسية لجولة الرئيس الأميركي الأخيرة في دول أميركا اللاتينية. وهي جولة شملت 5 دول ودامت 6 أيام، وكانت الغاية النهائية منها مواجهة تنامي خطر "التحريض الثوري" ضد أميركا الذي يقوم به الرئيس الفنزويلي هيغو شافيز في القارة الأميركية الجنوبية. وقد كانت زيارة بوش للمكسيك تحديداً هي ذروة هذه الجولة حيث أثار، بلغته الأسبانية المميزة، أهم قضية تهمُّ أميركا وتهمُّ جارتها الجنوبية، وهي قضية الهجرة. ومع أن سيد البيت الأبيض وعد مضيفيه بإمكانية تمرير قانون جديد للهجرة بعد موافقة الكونجرس عليه من هنا وحتى الخريف المقبل، فإن ما لم يقله بوش صراحة هو أن محاولات تمرير رؤية بوش لإصلاح قوانين الهجرة كانت قد تعثرت في وقت سابق كان حزبه "الجمهوري" يسيطر فيه على الكونجرس، في حين أن منافسيه "الديمقراطيين" هم من يسيطر الآن في "الكابتول هيل"، وبالتالي باتت المهمة أصعب بكثير. ومع ذلك لا تستبعد لوموند أن يتحقق وعد بوش خاصة مع تعاظم ضغوط اللاتين الذين يزيد عدهم على 26 مليوناً في أميركا، ويشكلون 9% من السكان، ومع استفادة الأوساط الرأسمالية "الجمهورية" من قدوم عمالة رخيصة. أما "الديمقراطيون" فهم الأقرب عادة إلى لوبيهات النقابات العمالية، وهذه تضغط بقوة لتمرير القانون. وفي سياق الهجرة دائماً خصصت لوموند أيضاً افتتاحية أخرى بعنوان: "فرنسا.. أرض هجرة" أثارت فيها مسألة تآكل ما منحته فرنسا من أذونات لجوء خلال العام الماضي بنسبة 33.6%، هذا مع أن باريس عادة ما تفاخر بأنها ملاذ لكل المظلومين ومثلٌ أعلى في مجال حقوق الإنسان. وتقارن الصحيفة تضاؤل ما منحته فرنسا من فرص لجوء منذ نهاية التسعينيات مع كرم دول مثل السويد وهولندا في هذا المجال، مع أن الضغط عليها أعلى بكثير، محذرة من تلاشي تلك الصورة الإنسانية الزاهية التي يحب الفرنسيون أن يأخذها العالم عن بلادهم باعتبارها "بلاد النور والحرية ومبادئ حقوق الإنسان".

ما يجري في دارفور: التقرير الأممي القاسي في وصفه لما جرى ويجري في إقليم دارفور السوداني كان موضوع افتتاحية لاذعة في صحيفة لوموند، اعتبرت فيها أنه على رغم قلة ما في يد مجلس حقوق الإنسان العالمي من خيارات لرفع المعاناة عن ضحايا عنف دارفور إلا أنه يحسب له أنه استطاع "تسمية القط على أنه قط والجريمة على أنها جريمة". وتذهب لوموند إلى أن تأكيد التقرير بأن الحكومة السودانية "نظمت وشاركت" في ما جرى هناك، يجب أن يدفع حكومة الخرطوم إلى مراجعة سياساتها بشكل جذري، لأن العالم لا يمكن أن يبقى مكتوف الأيدي إزاء ما يوصف بأنه "جرائم حرب وجرائم بحق الإنسانية". وأشادت الصحيفة أيضاً بشجاعة معدي التقرير بإماطتهم اللثام عن الدور الإجرامي الذي لعبه كذلك متمردو دارفور فيما حصل من جرائم ومعاناة في الإقليم، خاصة أن أطرافاً خارجية عديدة تسعى لتصوير متمردي الإقليم بصورة مثالية لا يستحقونها أبداً. غير أن دخول المحكمة الجنائية الدولية مؤخراً على خط إدانة جرائم دارفور وتوجيهها صحائف دعوى ضد متهمين محددين باسميهما كان تحولاً نوعياً في مسار القضية. ولأن المحكمة الدولية بنَت اتهاماتها على شهادات أخذت من خارج الإقليم ولم يتمكن محققوها من زيارته، فإن ذلك مما يضعف من قدرتها على الضغط على الخرطوم، التي تدعمها الجزائر، التي تقود المجموعة الأفريقية في مجلس حقوق الإنسان، وأيضاً منظمة المؤتمر الإسلامي. وتدعو لوموند في نهاية افتتاحيتها المجتمع الدولي إلى اتباع "دبلوماسية أكثر عدوانية" تجاه الخرطوم من خلال فرض إرسال قوات دولية تدعم القوات الأفريقية الهزيلة المتواجدة عملياً في دارفور. وفي صحيفة لوفيغارو جاءت أمس في مقابلة مع "صامويل فيرفاري" أستاذ الجيوبوليتيكا في جامعة بروكسل الحرة اتهامات كثيرة ضد الخرطوم، منها مزاعم بتخصيصها كامل عائداتها النفطية لدعم جهدها في دارفور، مع تركيز خاص على الدور الصيني، وأيضاً مع إشارة ذات معنى على أن نفط السودان هو النفط الأفريقي الوحيد الذي تغيب عن مائدة كعكته جميع الشركات الغربية.