روبير ماللي / لوموند العدد الصادر في 14-3-2007

الوضع المأساوي للعالم الفلسطيني يعكس ولو جزئياً الفشل في سياسة أمريكية غير مسؤولة . وهو يعكس بنفس الوقت فشل الجميع _ وخصوصاً الأوروبيين _ الذبن كان من واجبهم تليينه .

فمنذ آذار 2006 , تاريخ تشكيل حكومة حماس , تتلخص هذه السياسة ببضع كلمات : مقاطعة اقتصادية وديبلوماسية للحكومة طالما لم تحترم الشروط الثلاثة التي هي : الاعتراف بإسرائيل , رفض العنف واحترام المواثيق الماضية . والهدف المعلن : أن تواجه الحكومة الإسلامية قيمها العليا : وهذا هو الأمل , وأن عدم قدرتها على الحكم يقلب الرأي العام عليها ويعيد إلى القدرة هؤلاء الذين أقصتهم الانتخابات . وجاءت المساعدات الاقتصادية والعسكرية لفتح لتكمل الصورة , وبذلك أملت واشنطن التحضير لمواجهات بين الفصائل الفلسطينية .

هذه الاستراتيجية القابلة للنقاش من حيث المبدأ بدا أنها أقل مأساوية على الواقع . فالرئيس محمود عباس هو اليوم أضعف مما كان عليه قبل عام . وحماس لم ترضخ لمطالب الرباعية, ومع أنها هي أيضاً فقدت شيئاً من شعبيتها لكنها مازالت في السلطة ولن تتخلى عنها . الدولة الفلسطينية والتي دفعت لها أوروبة مبالغ طائلة على شفير الزوال . فالحرب الأهلية تتهدد الأراضي المحتلة . وقف إطلاق النار الإسرائيلي – الفلسطيني الهش منذ البداية يترنّح . اتفاق السلام وصل إلى نقطة النهاية . وعلى كافة الأصعدة _ الأمنية , السياسية , الاجتماعية , الاقتصادية , المؤسساتية أو الديبلوماسية _ فإن تدخل الرباعية أبعد اتفاق السلام عن الأهداف التي كانت مقرّرة .

الاتفاق الذي عقد في مكة بين حماس وفتح يعطي فرصة لقلب هذه الصفحة الحزينة . فالاقتناع بأن الرأي العام الفلسطيني يعتبرهما كليهما مذنبين , وأن لا أحد سيخرج منتصراً من هذا الصراع الذي قد يودي إلى الحرب الأهلية , اتفق الاثنان على تشكيل حكومة وحدة وطنية ووضع حد للاقتتال . الاتفاق هش . فالتنظيمان سيشهدان تضحيات لم يعرفاها قبل اليوم ؛ ومنها القبول بمبدأ التعاون الذي ليس له سابقة بين الوطنيين والإسلاميين ؛ والسيطرة على غريزة الثأر التي تولدت في قلب الشعب . ولكن نجاح اتفاق مكة يعتمد نفس الوقت وبدرجة عالية على رد الفعل العالمي. ومنذ الآن تعالت أصوات تطالب الحكومة المقبلة باحترام الشروط المسبقة , وهي تحيي بكل نفاق الجهود السعودية . ومن إدارة بوش لا ينتظر الكثير .ولكن من أوروبة ؟ ألم تتعلم بعد من الفشل المتلاحق ؟ إذا كان اتفاق مكة قد أنجز , فمعنى ذلك أن حماس لا تريد أن تقوم بثورة أيديولوجية , ولكنها قد تكون تريد تحقيق مكاسب براغماتية . والعودة للمطالبة بشروط الرباعية يعني بالضرورة إعادة التفاوض على اتفاق مكة , أي مهاجمته .

إن خطاب حماس يوحي بأنها تتجاوب مع وضعها على محك التجربة : هل هي مستعدة لفرض وقف إطلاق نار متبادل؟ هل ستترك الخيار حرّاً بيد الرئيس عباس ليتفاوض مع إسرائيل ؟ وهل ستوافق على ما سيحققه محمود عباس من نتائج ؟ للجواب الجاهز عند بعض القادة الأوروبيين بأن المرجعية هي للولاء حول الأطلنطي الضروري . وهذا بعينه يعتبر خلط الوسائل بالغايات . إن تبني مواقف الولايات المتحدة لا يعني أن نقوم بذلك مقابل أي ثمن , على أي حال ليس مقابل فقدان كل منطق وكل عذر . لقد أصبح تشكيل حكومة الوفاق الوطنية مطلباً رئيسياً , وشرطاً لحدوث أي تقدم , سواء لوضع حد للاقتتال الداخلي , أو للاستقرار في الدولة الفلسطينية , أو لإعادة بناء المؤسسات , أو لإيقاف الاستفزازات الإسرائيلية_ الفلسطينية أو حتى إعادة الحوار نحو اتفاق سلام ما . أما الرهان على فشل اتفاق مكة , ومقاطعة حكومة جديدة فيها بعض القادة الفلسطينيين الأكثر براغماتية والاستمرار في حرمانها من وسائل الحكم , فهذا يعني ضمان سير الأمور إلى الوراء , مع ضمان عدم العودة .

إن رد الفعل الأوروبي هذا , والحاجة إلى أن يصبح صدى لمواقف واشنطن له مفعول مضاعف : إيمان مطلق بالعند الأمريكي وضمير غير كاف في سعته الذاتية. و بالمقابل , إذا عبرت أوروبة عن موقفها بحزم وقناعة , وأصرّت عليه بدعم من العالم العربي وفعلّته بعد ذلك , عندها ستكون الولايات المتحدة هي من سيتبنّاه . فلتتوقف عن الاحتماء وراء إدارة عمرها الافتراضي سنتين . ولتتحمل مسؤولياتها الخاصة .