على خلاف ما تروجه الكثير من المؤسسات والوسائل الإعلامية العربية وغير العربية عن سوريا، رسم نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية عبد الله الدردري صورة مختلفة مليئة بالأمل استـندت من جهة إلى انتهاء حقبة المقاطعة الأوروبية والضغوط السياسية، ومن جهة أخرى إلى المؤشرات والأرقام الرسمية فيما يتعلق بزيادة معدلات النمو والاستثمار الأجنبي وانخفاض معدلات التضخم.

وأعلن الدردري في لقائه المطول، أن الحكومة باتت قاب قوسين أو أدنى من إلغاء الدعم المباشر الذي تقدمه لبعض المواد ومنها المازوت، لإعادة توزيعه بطريقة عادلة، وعبر دفعات نقدية (كاش) تصل إلى كل أسرة سورية، وتكون لصالح الفقيرة والمتوسطة منها على حساب أصحاب الدخل العالي، الذين يأخذون اليوم 60% من الدعم البالغ نحو 200 مليار ليرة سنوياً على المازوت وحده.

على خلفية زيارة منسق السياسة الخارجية الأوروبية خافيير سولانا إلى دمشق، بعد قرار القمة الأوروبية الأخير بفتح الحوار مع سوريا وإنهاء مقاطعتها، كيف تقرأ هذا الانفتاح من الناحية الاقتصادية، وما هو أثر ذلك على إمكانية إطلاق مشروع اتفاقية الشراكة؟

دعني أقول أولاً، إن المنطق يؤكد بأنه إذا ما كانت أوروبا تريد أن تلعب دوراً إيجابياً وبناء في الشرق الأوسط، فمن الضروري أن تتحاور مع سوريا لأنها لاعب أساسي، وهي ليست اللاعب الوحيد لكنها لاعب أساسي، ويعمل من أجل الاستقرار والأمن، ويسعدنا أن الاتحاد الأوروبي توصل إلى هذه النتيجة.

ثانياً، من خلال حواراتنا الثنائية مع الدول الأوروبية، بات واضحاً أنهم مقتنعين بعدم نجاح سياسة العزلة، وأن هذه السياسة انتهت، والآن نجري حوارات مكثفة مع الدول الأوروبية كل على حدة، وعلاقاتنا الثنائية معهم في تطور على مستوى التعاون الفني والاقتصادي والعلمي، حتى على المستوى الحكومي شهدنا خلال العامين الماضيين توسعاً ملموساً في مشاريع الدعم الفني من قبل الدول الأوروبية لسوريا من حيث استمرار ونمو مشاريع المفوضية الأوروبية.

إننا ومنذ فترة قريبة اتفقنا على البرنامج التأشيري للاتحاد الأوروبي في سوريا خلال فترة 2007–2013، وهناك زيادة بنحو 20 في المئة عن الفترة الماضية، وتوجد مشاريع ذات أهمية بالغة لدعم الإصلاح الاقتصادي في سوريا. أما بالنسبة لموضوع الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وإمكانية أن تؤشر زيارة سولانا إلى سوريا بإعادة تفعيل الاتفاقية فدعني أقول بوضوح إننا لم نوقف عملية الشراكة، ومن قام بذلك هو الاتحاد الأوروبي ولأسباب سياسية لا علاقة لها بالنص الفني والاقتصادي باتفاقية الشراكة.

منها مثلاً ما يتعلق بحقوق الإنسان في سوريا؟

لا أبداً، حتى هذا الموضوع متفق عليه وتم التأشير، بل نحن وقعنا بالأحرف الأولى على نص اتفاقية الشراكة التي تنص على كل هذه المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية والدعم الفني والتعاون. أريد أن أقول وأكون واضحاً: هذه الاتفاقية موقعة بالأحرف الأولى، وبالتالي لا مجال لإعادة التفاوض على النص، وهذا أمر محسوم نهائياً.

الآن الأوروبيون أوقفوها لأسباب لا تتعلق بالاتفاقية نفسها، بل لأسباب سياسية من طرفهم، وإذا أرادوا أن يعودوا لفتح هذا الموضوع فهذا قرار أوروبي، وهم الذين يجب أن يقرروا ذلك.

وأقول هنا، صحيح أننا لا نقبل إعادة التفاوض على النص والعودة إلى نقطة الصفر، لكن يجب أن يعلموا، ونحن أبلغناهم ويعلمون، أن الواقع الاقتصادي السوري اليوم تجاوز بمراحل كثيرة ما كان عليه الواقع الاقتصادي السوري أثناء التفاوض على اتفاقية الشراكة وعند التوقيع عليها بالأحرف الأولى.

وكمثال بسيط فقط أوضح، أن هيكل الرسوم الجمركية الذي تم الاتفاق عليه بين سوريا والاتحاد الأوروبي عام 2004، من أجل تفكيكه على مدى 12 عاماً، أصبح اليوم مختلفاً تماماً، فقد خفضت سوريا الرسوم الجمركية تخفيضا هائلا منذ ذلك الحين حتى الآن، وبنسب أكثر مما متفق عليه.

وأيضا في الإصلاحات المالية والنقدية والمصرفية والتجارية وإصلاحات بيئة الاستثمار، فقد تجاوزنا بكثير ما نصت عليه اتفاقية الشراكة.

نحن لا نقول أبدا بأننا نريد إعادة التفاوض على الاتفاقية لأنها قضية معقدة، لكن لابد وان يأخذ الأوروبيون بالاعتبار الواقع الاقتصادي الجديد في سوريا.

إذاً القرار بالنسبة إلى إعادة إحياء اتفاقية الشراكة هو قرار أوروبي، ونحن من جهتنا تجاوزنا هذا الموضوع، ونسير قدما في الإصلاح، ولم ننتظر اتفاقية الشراكة لكي نسير في عملية الإصلاح.

من هو الطرف الخاسر أو الرابح نتيجة تجميد اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الماضية، هل هي سوريا أم الاتحاد الأوروبي، والخسارة ربما تكون سياسية هنا؟

دعنا ننظر للقضية من جهتنا، لقد اتخذ الرئيس بشار الأسد قراراً جريئاً وشجاعاً في الاستمرار بالإصلاح بغض النظر عن الظروف المحيطة بسوريا، بما فيها تجميد اتفاقية الشراكة والضغوط الهائلة التي مورست علينا، ونحن الآن نقطف ثمار هذا القرار الشجاع في معدلات النمو والاستثمار والتجارة الخارجية واستقرار ميزان المدفوعات والميزان التجاري الخ.

ولكن ماذا لو لم نقم بالإصلاح وانتظرنا الشراكة؟ هل كان سيعود علينا بأمر أفضل أم لا؟ لا نريد أن ندخل في أسئلة افتراضية. بصراحة، أنا لا أستطيع أن أقول أن سوريا خسرت، والدليل على ذلك أن جملة الإصلاحات التي قمنا بها، جاوزت نص الاتفاقية، أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي فلندعهم هم يجيبون على هذا السؤال.

إننا نقول بشكل مبدئي، إن أي جهة دولية تريد أن يكون لها نفوذ إيجابي وبناء من أجل السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، لابد أن تكون لها علاقة قوية مع سوريا، وأود القول إن الأوروبيين وصلوا إلى هذه النتيجة أخيراً.

عمدت وسائل إعلام وخصوصا منها لبنانية، إلى التسويق بأن زيارة سولانا إلى سوريا هي فقط من أجل لبنان، وبما معناه أن سولانا يأتي إلى دمشق لفرض الشروط الأوروبية فيما يتعلق وإقرار المحكمة الدولية، وإلزام سوريا بالمساعدة في استقرار لبنان وتشكيل الحكومة. فهل تعتقد بدقة ذلك؟

قرأت تصريحات سولانا التي تحدث هو فيها عن ضرورة إحياء علاقات الاتحاد الأوروبي مع سوريا، وعن ضرورة إعادة ملف الشراكة.

أما من وجهة نظرنا فمواقف سوريا ثابتة من القضايا الإقليمية، وبالنسبة لحكاية الضغوط فأؤكد بناء على ما سمعته في ألمانيا خلال زيارتي الأخيرة لها، ومما نسمعه من المسؤولين الذين يزورون سوريا، أن هذه الحكاية والشروط المسبقة قد سقطت، ولم يعد أحد يقبل بلغة أن على سوريا أن تفعل كذا وكذا، وسوريا تعرف جيداً ما يجب أن تفعله والكلام السابق لم يعد يجدي نفعاً. أعتقد أن زيارة سولانا دليل عملي على سقوط هذا الكلام، ولا يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى إرسال سولانا إلى سوريا إذا ما كانت مواقفه على ما هي عليه. وبالنسبة لنا فإن الحوار البناء من اجل المساهمة في استقرار ونمو وازدهار الشرق الأوسط، هو شعار سوريا.

بعد قرار القمة الأوروبية الأخير بإعادة إحياء العلاقات مع سوريا، هل لاحت أي مؤشرات أو فتحت قنوات حول إمكانية التوقيع على اتفاقية الشراكة خلال فترة معينة؟ لا.

استمراراً لحديثنا عن العلاقات الخارجية وقبل الدخول إلى الملف الداخلي، كيف تقيمون العلاقات الاقتصادية السورية مع دول الخليج وخصوصاً مع المملكة العربية السعودية، على خلفية العلاقات السياسية خلال السنتين الأخيرتين؟ وكنا قد سمعنا عن أزمة مع المملكة بعد منعها دخول شاحنات سورية محملة بالمواد الغذائية متوجهة إليها وإلى باقي دول الخليج، هل تم تجاوز مثل هذه المشاكل؟

دعني أتحدث بشكل عام، ولنتحدث عن مؤشرين أساسيين وهما الاستثمار الخليجي في سوريا وحركة التجارة بالتصدير أو الاستيراد بين سوريا ودول الخليج العربي.

لقد شهد هذان المؤشران ارتفاعاً كبيراً خلال السنتين الماضيتين، ونحن نتحدث عن زيادات تتجاوز 30 إلى 40 في المئة للتجارة البينية، وخصوصاً بعد دخول اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة بالكامل التنفيذ مع بداية عام 2005 وتحول الرسوم الجمركية إلى صفر.

تبقى هناك بعض التفصيلات، وكما ذكرت قضية شاحنات هنا وقضية كذا هناك وهذه يتم تجاوزها بالاتصال المباشر، لكنها لا تؤثر على مجمل التطور الكبير في العلاقات التجارية.

أما فيما يتعلق والاستثمار العربي الخليجي في سوريا فإنه لم يشهد تراجعاً خلال العامين الماضيين بل على العكس شهد قفزة نوعية، ومن جميع الدول الخليجية.

إننا لم نشعر بصراحة، ولا بأي لحظة، بأن هناك استغلالاً لورقة الاقتصاد من أجل ممارسة ضغوط سياسية على سوريا، وبالتالي لم يتأثر الاستثمار الخليجي في سوريا بالظروف السياسية.

في الأمس القريب كان لديكم نائب رئيس الوزراء العراقي، فهل عادت العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى الانطلاق، وما هو مصير العديد من الاتفاقيات التي تم توقيعها سابقاً مثل مد خطوط نفط جديدة عبر سوريا، وإقامة مشاريع مشتركة؟ لقد أبلغت سوريا العراقيين التالي: هناك اتفاقيات موقعة، وهناك لجنة مشتركة كان يرأسها رئيسا وزراء البلدين، ونحن اليوم نقول للجانب العراقي اختاروا ما تشاؤون من هذه الاتفاقيات، وما يناسبكم منها نستمر به، وما يحتاج إلى تعديل نعدله وفق مصلحة الطرفين، وما ترونه غير ضروري نلغيه.

نعتقد أن الوسيلة الأمثل هي إعادة إحياء اللجنة العليا المشتركة، لأنها تؤطر العلاقة، وهذه الطريقة نجحت وحققت قفزات هامة بين سوريا وباقي الدول العربية.

إن الحوار الاقتصادي مع العراق بات مكثفاً، والمشاريع المطروحة للتعاون بيننا هامة جداً واستراتيجية وحيوية، سواء في قطاع النفط والغاز الطبيعي، أو في ربط ومد الشبكات الكهربائية، والوصل بين السكك الحديدية، واستخدام المرافئ السورية كمدخل رئيس للعراق، والتجارة بين البلدين.

اننا نتحدث عن فضاء اقتصادي سوري عراقي نراه، ونقوم حالياً بكتابة هذه الاستراتيجية حتى نؤطرها.

إن أكثر دولة في العالم لها مصلحة في استقرار ونمو وازدهار ووحدة العراق هي سوريا، لأن مستقبلنا الاقتصادي معلق بشكل أو بآخر بالازدهار والمستقبل الاقتصادي للعراق.

حول هذه الفكرة تحديداً، هناك من يقول إن سوريا استفادت كثيراً عندما فتح نظام صدام حسين أسواقه أمام المنتجات السورية في السنوات الثلاث الأخيرة من عهده، وهي أيضاً وبعد سقوط نظام صدام حسين تستفيد اقتصادياً، وكأنها تستغل الأوضاع العراقية، فما مدى صحة هذه المقولة؟

لن ننظر إلى الأمور بمنظار زمني ضيق، فسوريا والعراق اقتصادان متكاملان منذ آلاف السنين، وهذا شيء ليس بجديد، والعراق هو سوق رئيس للمنتجات السورية، والشعب العراقي يحب هذه المنتجات، وسوريا هي متنفس سياحي هام للإخوة العراقيين تاريخياً، والارتباط والتشابك في التجارة وتجارة الترانزيت والبنية التحتية وغيرها هو أمر معروف تاريخياً. واليوم، نحن في اقتصاد معقد ومعولم ويعتمد على مبدأ الاعتماد المتبادل، فمن الطبيعي جداً أن تستفيد سوريا من العراق، وان يستفيد العراق من سورية، وأين الضير في ذلك، وهذه ليست لعبة حاصلها الصفر، أي إذا استفدنا خسر العراق، وإذا استفاد العراق خسرت سوريا، أبداً، وإنما هناك استفادة متبادلة.

خلال اجتماعكم مع المسؤولين العراقيين هل تم وضع جداول زمنية لإعادة إحياء المشاريع والاتفاقيات المشتركة؟ في جميع اللقاءات ومنها لقاءنا الأخيرة مع نائب رئيس الوزراء العراقي سالم الزوبعي، أكدنا له استعدادنا، وقد بدأنا فعلاً، بإعداد ورقة عمل استراتيجية تؤطر لجدول زمني حول كيف نطلق هذه المشاريع، ودعونا الوزراء العراقيين النظراء لزيارة دمشق، وان نعمل سويا على تنفيذ البرامج والمشاريع المشتركة.

إننا ندرك أن ظروف العراق ليست بطبيعية، ولابد من أن نقدر هذا الشيء، ونحن نقدره، وندرك أن مصلحتنا هي في مصلحة العراق.

الانفتاح العراقي الذي تم خلال الأشهر الأخيرة سواء عبر زيارة الرئيس العراقي جلال الطالباني، ثم زيارة كبار المسؤولين العراقيين إلى سوريا، إضافة إلى مشاركة سورية في مؤتمر الأمن في بغداد ربما يتم على خلفيات ضوء أخضر أمريكي أو قناعة أمريكية بأنه لا يمكن استقرار المنطقة إلا بوجود دور سوري فاعل.

هل تعتقد أن تحسن العلاقات السورية - العراقية يمكن أن ينعكس إيجاباً على تحسن العلاقات الاقتصادية السورية – الأمريكية، على خلفية تحسن للعلاقات السياسية؟ وأقصد تخفيف العقوبات الاقتصادية الأمريكية ومنها المفروضة على المصرف التجاري السوري، وتخفيف أو إلغاء الحصار التكنولوجي الأمريكي على سوريا؟

أعتقد أنه سابق لأوانه أن نرى مثل هذه الإشارات، ولابد لنا من فترة لنـتأكد من أن الإشارات السابقة التي تحدثت عنها هي استراتيجية وليست تكتيكية.

في المقابل أؤكد أننا لا نعتبر العراق ساحة لتحسين شروط حوارنا مع الولايات المتحدة، وإنما لدينا رغبة جدية للتعاون مع العراق سياسياً واقتصاديا وأمنيا، نابعة من مصالحنا، ومن منظورنا أنه في نهاية المطاف سيغادر الأمريكيون وسنبقى نحن والعراق.

كيف يمكن التوفيق بين هذه الفكرة وبين الموقف السوري القائل بأن كل قضايا المنطقة مرتبطة ببعضها، ويجب حلها بشكل متواز؟

إنها مرتبطة بطيعة الحال، ولكن لا أقول إن علاقة سوريا بالعراق مرتبطة بحل كل قضايا المنطقة، غير أن الحوار بين سورية والدول الأخرى بما فيها الولايات المتحدة إذا ما تم، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار ارتباط قضايا المنطقة، ونحن لا نستطيع أن نتحدث مع الولايات المتحدة حصراً حول الموضوع العراقي، ونتجاهل قضايانا الرئيسة الأخرى وهي: أراضينا المحتلة، وقضية الشعب الفلسطيني، فهذا أمر غير ممكن.

وأيضاً على خلفية الموضوع العراقي ومن ورائه العلاقات مع الولايات المتحدة، زارت سورية أخيراً مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الإنسانية وبحثت وضع العراقيين في سوريا، وكان هناك حديث حول تخصيص مساعدات للدول المضيفة للعراقيين عبر الصليب الأحمر الدولي بقيمة 60 مليون دولار، فهل بدأت المساعدات بالوصول؟

هي أتت لتستمع وقد فوجئت بحجم القضية، لدينا لجنة مشكلة بقرار من رئيس مجلس الوزراء وتضم ممثلين عن وزارات الخارجية والتربية والصحة والإدارة المحلية والداخلية، وغيرها من الوزارات المعنية بتقديم خدمات لأشقائنا العراقيين، وقد فوجئت بحجم الخدمات التي نقدمها لهم.

لم يخطر على بالها بالتأكيد أن هناك 75 ألف تلميذ عراقي الآن في المدارس السورية، وعلى حساب الحكومة السورية، وفوجئت أننا نقدم العمليات الجراحية مجانا للإخوة العراقيين كما يعامل المواطن السوري.

أنا سأعطيك مثالاً فقط، فإن ما يستهلكه الإخوة العراقيون من دعم مادة المازوت يتجاوز مبلغ 250 مليون دولار في السنة، وكل هذه الأرقام وضعت أمامها مبدئياً، وسوريا ستقدم ورقة عمل بخصوصها في مؤتمر دولي يعقد بجنيف في نيسان المقبل للمهجرين العراقيين، ونحن هنا لا نستخدم كلمة لاجئين، لأنهم ضيوف وزوار ومهجرين أصلاً.

إن الرسالة الأساسية الثانية التي أسمعناها إياها هي أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية حول واقع هؤلاء لأنها قوة احتلال.

لنتحدث بصراحة، ماذا يمكن أن يقدم المجتمع الدولي لنا، فهو لن يتمكن من تعويض سوريا تجاه استضافة 75 ألف طالب عراقي في مدارسها، وآلاف الحالات في المراكز الصحية السورية.

شكل موضوع المهجرين العراقيين إلى سورية قضية رأي عام، وخصوصا تجاه الضغط الاقتصادي الذي تركوه على حياة المواطن السوري اليومية، وخصوصا فيما يتعلق بأسعار المواد الغذائية والعقارات، فما هو حجم هذه الضغوط وآثارها؟ إن أي اقتصاد في العالم يتعرض لمثل هذا الأمر لابد وأنه سيتأثر، فسوريا ارتفع عدد سكانها بمعدل وصل إلى 7 في المئة خلال عام واحد أي في 2006، من 2.45 في المئة، وأي اقتصاد في العالم، وأي شبكة بنية تحتية وخدمات اجتماعية صحية وتعليمية ومياه شرب وصرف صحي وطاقة، في أي دولة في العالم يرتفع عدد سكانها 7 في المئة في عام واحد، فإنها ستعاني من الضغط.

إن معدلات الارتفاع في الطلب على الطاقة الكهربائية مثلا بلغت أكثر من 12 في المئة عام 2006، وكان هذا المعدل تاريخيا ما بين 4–5 في المئة، إضافة إلى النمو الاقتصادي الذي تشهده سوريا.

وارتفع معدل الطلب على الكهرباء في ساعة الذروة إلى 16 في المئة، وهذه تمثل أرقاماً خيالية، والحال ذاته بالنسبة للتلاميذ و الجامعات السورية التي هي أساساً تحت الضغط.

في النظرية الاقتصادية، وأنا أتحدث هنا في الإطار النظري فقط، الاختلال ما بين العرض والطلب، وارتفاع الطلب في أي اقتصاد يعتبر أحد محركات النمو، وهو يمكن أن يكون أحد أسباب التضخم، وقد شهدنا هذا التضخم بحيث ارتفع معدله من 6 في المئة عام 2005 إلى ما بين 9–10 في المئة عام 2006.

إن هذا الارتفاع في الطلب وخصوصاً على قطاعين غير مرنين هما الزراعة والعقار انعكس سلباً، على خلاف قطاع الصناعات التحويلية السورية التي تجاوبت بشكل سريع، فلم ترتفع أسعار منتجاتها.

إن قطاع العقار لا يتجاوب سريعاً، ويحتاج إلى سنوات، ورغم ارتفاع معدل الطلب على تراخيص البناء بنسبة 700 في المئة خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو ما سيدفع إلى خلق توازن في السنوات القليلة المقبلة في سوق العقار، ورغم ذلك، فإن سوق العقار لا يمكن أن يتجاوب مع الارتفاع الشديد في الطلب دون أن تتأثر الأسعار، وذات الشيء بالنسبة للزراعة، فعندما يرتفع الطلب على المنتجات الزراعية، لا يمكن زيادة المحاصيل والبقعة الزراعية، خلال سنة واحدة.

بما أننا نتحدث عن تأثير المهجرين العراقيين على الوضع الاقتصادي المحلي، فهل لك أن تضعنا في صورة بعض المؤشرات الاقتصادية من قبل معدل النمو والتضخم وغيرها، ومقارنتها مع سنوات سابقة؟

كان معدل النمو عام 2004 نحو 3.7 في المئة، وارتفع عام 2005 إلى 4.5 في المئة وعام 2006 إلى 5.1 في المئة، ونتوقع أن يصل عام 2007 إلى 5.6 في المئة.

أما معدل التضخم فبلغ عام 2005 نحو 6 في المئة، وعام 2006 كان ما بين 9–10 في المئة، ونتوقع أن يعود معدل التضخم إلى التراجع عام 2007 لما بين 6–7 في المئة.

وبالنسبة لحجم الاستثمارات فإن ما تم تشميله بقانون الاستثمار رقم 10 بلغ عام 2004 نحو 210 مليار ليرة سورية (ما يوازي 4.2 مليار دولار)، وعام 2005 بلغ 370 مليار ليرة (ما يوازي 7.4 مليار دولار )، وعام 2006 نحو 460 مليار ليرة (ما يوازي 9.2 مليار دولار).

وأشير هنا إلى أن حجم الاستثمار السياحي عام 2004 وصل إلى 400 مليون دولار، وعام 2005 بلغ مليار دولار، وعام 2006 ملياري دولار.

والجديد في عام 2006 أن الاستثمارات الخاصة في المصارف وشركات التأمين، بلغت 30 مليار ليرة (ما يوازي 600 مليون دولار).

وفيما يتعلق بمعدل نسبة البطالة فإنها وصلت عام 2003 إلى 12.5 في المئة، وتراجعت عام 2006 وحسب أربعة مسوحات للقوى العاملة، إلى 8.5 في المئة، وأشير هنا إلى أن تعريف البطالة في سوريا هو ذاته تعريف منظمة العمل الدولية والذي يقول إن (كل من عمل لمدة ساعة وأكثر خلال الأسبوع الذي سبق المسح يصنف بأنه ليس عاطلاً عن العمل)، وبالطبع مازالت لدينا قضية: هل عدد ساعات العمل كافية، وهل الدخل الناجم عن هذه الساعات كاف؟

وارتفع معدل حجم الاستهلاك الخاص في سوريا أيضاً، أي ما تستهلكه الأسر السورية قد تجاوز 15 في المئة خلال عام 2006، وهو دليل على أن هناك أموالاً تدخل الاستهلاك، والاستهلاك الخاص هو أحد أبرز عوامل النمو، إلى جانب مصادر النمو الأخرى كالاستثمار والسياحة.

نتساءل هنا لماذا كان عام 2006 هاماً جداً بالنسبة لسوريا؟ أقول لأنه ولأول مرة يتجاوز حجم الصادرات غير النفطية حجم الصادرات النفطية، أي أن التحدي الخطير الذي كان يواجه الاقتصاد السوري، وهو إحلال مصادر النمو ومصادر الدخل مكان النفط، قد بدأنا بالنجاح فيه.

وهل النجاح الذي تحدثت عنه هو بسبب هذا الإحلال، أم بسبب تراجع حجم الصادرات السورية من النفط لانخفاض الإنتاج؟ صحيح أن صادراتنا قد تراجعت، لكن لا تنسى أن ثمن النفط لم يتراجع، وأشير إلى أن قيمة صادراتنا من النسيج والملابس وصلت إلى 3.3 مليار دولار، وهي تجاوزت قيمة كل صادراتنا من النفط.

إذاً هناك تغيير هيكلي في الاقتصاد السوري، فحصة الصناعة التحويلية عام 2003 في الناتج المحلي الإجمالي كانت أقل من 8 في المئة، وهي تجاوزت اليوم 15 في المئة.

يوجد من يقول بأن هذا النمو الذي تتحدث عنه لم يشعر به بعد المواطن السوري، ولم ينعكس عليه إيجاباً، فهل هناك تفكير بالسعي لتحسين دخلهم أو رفع مستوى الحد الأدنى من الأجور والرواتب؟

أنا لست مقتنعاً بأن المواطن لم يلمس هذه النتائج، فمن الذي يشتري 3.2 مليون خط خلوي في سوريا؟

ربما هناك عدد كبير منهم، ليسوا بسوريين، فمثلاً لدينا أكثر من 1.2 مليون عراقي حاليا في سوريا؟

= صحيح، ولكن ليس كلهم لديهم خطوط هاتف خلوي، وأسأل أيضاً هنا من الذي اشترى كل هذه السيارات، فقد دخل عام 2003 إلى سوريا 14 ألف سيارة حديثة، بينما ارتفع الرقم إلى 150 ألف سيارة في كل عام من العامين 2005–2006، وبالتالي أليست هذه مؤشرات على تحسن دخل المواطنين.

من المفترض في حالات الركود الاقتصادي وانتشار البطالة، أن تنخفض الرواتب والأجور وخصوصاً للعاملين في القطاع غير المنظم مثل عمال البناء والزراعة، لكن هذا لا نشهده في سوريا اليوم، بل إن أجور العاملين في الزراعة والبناء ارتفع بشكل كبير، وهو دليل على أن هناك فرص عمل جديدة في الاقتصاد السوري لم تكن موجودة سابقاً مثل الاتصالات والمصارف والتأمين والتجارة والخدمات والصناعة الجديدة والإعلام والإعلان.

اليوم عندما تذهب لتزور مدينة الشيخ نجار الصناعية ترى أن 14 ألف عامل بناء يدخلونها كل يوم، وتدخلها كل دقيقة جبالة أسمنت لبناء معامل جديدة، وبالتالي من يعمل في هذه المصانع ومن يأخذ الرواتب هناك، ما يعني أن زيادة دخل الفرد ليست مرتبطة بزيادة الأجور والرواتب.

هذا جانب، ولكن أيضاً نعيد السؤال هل هناك خطط لإعادة النظر بالأجور والرواتب للعاملين في القطاع العام، على خلفية الغلاء الذي تشهده الأسواق السورية هذه الأيام؟

إن الدول التي ربطت زيادة الرواتب والأجور بمعدلات التضخم، كادت أن تفلس، إذا لابد من ربط زيادة الرواتب والأجور بزيادة معدلات الإنتاجية في الاقتصاد الكلي، وربطها بمعدلات تنافسية الاقتصاد، ونحن الآن نعمل على ذلك، أي أن المواطن ماذا سيستفيد فيما إذا ما زدنا معدلات الرواتب والأجور وزاد حجم التضخم، لأنه ما لم ترتفع الإنتاجية في الاقتصاد، ورفعنا الرواتب والأجور فإن معدلات التضخم سترتفع وسيدفع الثمن، المواطن صاحب الدخل المحدود.

لابد من دراسة هذه الأمور بعلم الاقتصاد، وهذا ما يجري الآن، والمهم أننا نزيد فرص العمل ونرفع من حجم الاقتصاد السوري، وما من شك أننا مسؤولون عن تحسين عدالة توزيع هذا الدخل، وهذا يتم حاليا، فنحن عندما نتحدث عن مشروع تطوير المنطقة الشرقية خلال السنوات العشر المقبلة ونخطط من أجل إنفاق 400 مليار ليرة (ما يوازي 8 مليارات دولار) فإننا نعمل على إعادة توزيع الدخل، وأيضا نحن بدأنا الآن بمشروع تمكين المرأة ومكافحة الفقر، وعبر هذا المشروع سيتم إنفاق 500 مليون ليرة (10 مليون دولار) على أفقر القرى في سورية، وهذا يمثل بدوره إعادة لتوزيع الدخل. وأيضا عندما نؤسس لقانون بنوك التمويل الصغير، التي ستؤمن التمويل للمشاريع الصغيرة على امتداد الوطن، فإننا نعمل على إعادة توزيع الدخل وفتح الفرص أمام المواطنين لخلق مشاريعهم الخاصة.

إن الموضوع إذاً ليس فقط زيادة الرواتب والأجور.

ألا تعملون أيضاً في مجال إعادة النظر بتوزيع الدعم الذي تقدمه الدولة لبعض المواد، ويستفيد منه كل المواطنين بشكل غير عادل حالياً؟

نحن لا نتحدث عن إلغاء الدعم، ويجب أن يكون هذا واضحاً، وإنما نقول إن الآلية الحالية غير عادلة، وهي تعطي 60 في المئة من الدعم الذي يتجاوز 200 مليار ليرة (4 مليارات دولار) سنوياً على مادة المازوت فقط، لـ30 في المئة الأغنى في المجتمع السوري، وأصبح الدعم على المازوت يشكل 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ولا توجد دولة في العالم فيها مثل هذا الرقم.

إن هذا الدعم غير مجد اقتصادياً، فهو يشكل عبئاً هائلاً على الموازنة، وهو غير عادل اجتماعياً أيضاً، فلماذا نستمر به؟ إن المواطن السوري العادي أولى بإعادة توزيع هذا الدعم عليه وخصوصاً أننا سنعمل على توزيعه بشكل دفعات نقدية (كاش) على كافة الأسر السورية، فترتفع حصة الفقيرة والمتوسطة منها على حساب أصحاب الدخل العالي.

عملية إعادة التوزيع ستتم أيضاً عبر تحسين الخدمات الصحية والتعليمية المجانية التي يأخذها المواطن، كمّاً ونوعاً، وكذلك عبر دعم الموازنة الوطنية من أجل استقرار سعر الصرف واستقرار المستوى العام للأسعار وانخفاض التضخم، لأنه عندما نخفض عجز الموازنة فإن ذلك سيؤدي إلى انخفاض التضخم واستقرار الأسعار.

نحن نعمل على تنفيذ قرار المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث، بإعادة توزيع الدعم لمستحقيه، ولا نتحدث أبداً عن إلغاء الدعم، والعملية سيتم البدء بها هذه السنة، لتنفذ على مراحل، الأمر الذي سيساعد على تحسين المالية العامة، وتحسين عدالة توزيع الدخل، وتحسين كفاءة الاقتصاد السوري بشكل عام، وتحسين الخدمات التي نقدمها للمواطنين مجاناً أو بأقل من التكلفة كالطاقة الكهربائية والصرف الصحي ومياه الشرب والتعليم والصحة، إضافة إلى دفع المواطن للاعتماد على الطاقات البديلة. إننا نعمل على أن نؤسس الآن، وكما أسسنا سابقاً الصندوق الوطني للتحول إلى الري الحديث، أن نؤسس الصندوق الوطني للتحول إلى الطاقة البديلة؟

جرى أخيراً تدشين معمل سيارات (شام)، وربما هذه هي أول حالة لتوطين تكنولوجيا مستوردة من الخارج في سوريا، وهو تعاون يتم مع إيران، والسؤال، هل يمكن لهذا المشروع أن يتطور إلى مشاريع أكثر، وكيف تقيمون التعاون الاقتصادي السوري الإيراني على خلفية العلاقات السياسية الممتازة؟

إن العلاقات الاقتصادية السورية الإيرانية تشهد توسعا ملموسا، ونحن نعمل سويا في قطاع الطاقة الكهربائية وصوامع الحبوب والنقل والأسمنت، وحالياً السيارات، وهذه كلها صناعات استراتيجية وهامة، ونتفاوض مع إيران من أجل اتفاقية تجارة تفضيلية تسمح بتعزيز التبادل التجاري بين البلدين.

وفيما يتعلق وشركة السيارات، فنحن نصنع حاليا 40 في المئة فقط منها في سورية، والبرنامج هو في أن تصل إلى تصنيع وطني 100 في المئة، وهنا تكمن الأهمية، أي أنك سوف تنشئ حول هذا المصنع عشرات الشركات التي تقوم بتصنيع المكونات.

عندما كنت في ألمانيا أجريت حواراً مع شركة (فولغس فايكينع) والتي ستأتي قريباً مع مجموعة من شركات تصنيع قطع السيارات، لدراسة إمكانية إقامة مصانع قطع سيارات ومكونات سيارات في سوريا.

إذاً بدأ الناس يفكرون في سوريا كمكان ممتاز تتوفر فيه يد عاملة ذكية، ذات تكلفة منخفضة، وله موقع جغرافي ممتاز، ولديه بنية تحتية مقبولة واتفاقيات تجارة حرة مع معظم الدول المحيطة بها.

هل حقاً كان هناك نوع من الحصار والمقاطعة التكنولوجية مفروضة على سوريا من دول الصف الأول مثل الاتحاد الأوروبي واليابان وغيرها؟

للأسف بعض الشركات الأوروبية واليابانية تتمسك بالعقوبات الأمريكية أكثر من بعض الشركات الأمريكية، ونحن هنا لابد من فتح قنوات حوار معهم لنؤكد لهم أنه لا يوجد شيء على سوريا من الناحية القانونية، ولا يوجد قرار أوروبي بأن هناك حصار تكنولوجي على سوريا.

وكأنك تشير بأن شركات ألمانية ستكون سباقة على المستوى الأوروبي في توطين التكنولوجيا العالية في سوريا؟

هذا ما تم الاتفاق عليه في ألمانيا، وقد اتفقنا على إقامة ما يشبه مجمع بحث وتطوير صناعي ألماني في سوريا، لخدمة الصناعة السورية والصناعة في الشرق الأوسط.