الاتحاد / باتريك سيل

تقع على عاتق حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، التي ستبدأ بمباشرة مهامها اعتباراً من اليوم الاثنين التاسع عشر من مارس، مسؤولية جسيمة، تتمثل في توفير الأمن ومقومات الحياة اللائقة الكريمة لشعبها المنكوب، الذي فُرض عليه الحصار والجوع والإملاق. ثم تنتظرها بعد ذلك، ضرورة السعي الجدي لإقناع إسرائيل بالعودة إلى طاولة الحوار والتفاوض حول تسوية للنزاع المزمن، تقوم على حل الإعلان عن دولتين مستقلتين متجاورتين. وعلى رغم التفاؤل البادي الآن، فإنه ليس ثمة أحد قادراً على الحديث عن مستقبل باهر للحكومة الفلسطينية الأخيرة، التي جرى تشكيلها للتو. ذلك أن عقبتين كبيرتين تعترضان طريقها. أولاهما، ضعف وهشاشة تماسكها الداخلي، طالما ظل التنافس قائماً بين فصيليها الرئيسيين اللذين يشكلانها: حركة "حماس"، وحركة "فتح". وقد كان هذان الفصيلان قاب قوسين أو أدنى، من اندلاع حرب أهلية شاملة بينهما في الشهر الماضي. ولذلك فإن تحقيق المصالحة الفعلية بينهما، لا يزال يتطلب الكثير من الوقت والحنكة السياسية، وحسن النوايا. أما العقبة الثانية، فتتلخص في إبطاء إسرائيل، لخطى السلام التي يمكن أن تقطعها إلى الأمام، حكومة الوحدة الوطنية الجديدة هذه. وكما نعلم، فقد دشنت تل أبيب، حملة دبلوماسية ضارية في كل من واشنطن وبروكسل، هدفت إلى الحصول على شجب دولي لـ"اتفاق مكة"، الذي وفق في جمع الفصيلين الفلسطينيين: "حماس" و"فتح"، وبالتالي سعت تل أبيب إلى تقويض حكومة الوحدة الوطنية المتمخضة عنه، في مقابل ضمان استمرار المقاطعة الدولية، المفروضة على حركة "حماس". وعلى أي حال، فإن العقبة الأولى، تظل أخف وطأة وخطراً من قرينتها الثانية. فما أن لاحت نذر الحرب الأهلية الشاملة بين الفصيلين خلال الأسابيع القليلة الماضية، حتى عقد كلاهما العزم على وقف إراقة الدم الفلسطيني والعمليات الانتحارية المتبادلة بينهما. ولذلك فقد بدا طبيعياً، أن توحيد الصف الفلسطيني الداخلي، أضحى من أوجب وأهم أولويات كلا الفصيلين. غير أن لتل أبيب أولوية أخرى مناقضة لهذه الأولوية الفلسطينية قلباً وقالباً. فهي تريد للفلسطينيين أن يواصلوا الاقتتال فيما بينهم، وهي لن تدخر جهداً في ذلك، بما فيه استخدام سحرها وفنونها السوداء، بما فيها حض الفلسطينيين وتحريضهم على بعضهم بعضاً، مستخدمة في ذلك جيش المخبرين الاحتياطي، الذي تشق به صفوف الفلسطينيين، وتشرخ به وحدتهم الوطنية. ومبلغ غايتها وراء ذلك، أن تنقضّ حركة "فتح"، على منافستها "حماس"، وأن تقضي عليها وتقصيها بعيداً عن السلطة. وهذا هو ما يفسر تكرار تل أبيب المستمر لنغمتها المفضلة، القائلة: "لا تصالح مع الإرهابيين"، في ذات الوقت الذي تواصل فيه جهودها لإقناع العالم بشرعية العنف الذي تمارسه هي، لكونه دفاعاً عن الذات، علماً بأنه العنف الأشد فتكاً من كل ما يقع عليها من جانب الفلسطينيين. وفيما لو اضطرت تل أبيب للتفاوض مع الفلسطينيين في نهاية المطاف، وهو ما ستبذل قصارى جهدها لتفاديه، فإنها تفضل أن يتم ذلك، في ظروف تخلخل الصف الفلسطيني، وليس في وحدته وتماسكه. ولكن ليت إسرائيل تفتح عينيها ولو لمرة واحدة فحسب، لتكتشف بريق الفوائد التي يخبئها لها السلام، ولكي تدرك أن حكومة الوحدة الوطنية الحالية، هي عين الشريك الفلسطيني الذي تريد، على رغم إنكارها المستمر لوجود شريك فلسطيني كفؤ يُعول عليه. فهل تعلم إسرائيل أنه بمقدور هذه الحكومة الفلسطينية الجديدة، إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي، جلعاد شاليت، الذي تم أسره في الشريط الحدودي المشترك بين قطاع غزة ومصر، وأن في مقدورها كذلك، ترويض حركة "الجهاد الإسلامي"، وغيرها من الفصائل الفلسطينية المتطرفة، بل وأن في وسعها وقف إطلاق صواريخ "القسام" ضد المدن الإسرائيلية الواقعة في صحراء النقب، إضافة إلى قدرتها على فرض وقف شامل بعيد المدى لإطلاق النيران، شريطة أن تكف تل أبيب عن توغلاتها العقابية، وحملات اقتناصها للقادة والناشطين الفلسطينيين؟ وفوق ذلك وقبله، بمقدور هذه الحكومة، توفير الضمانات اللازمة لتنفيذ أي اتفاقات يتم التوصل إليها بين طرفي النزاع. فلماذا ترفض إسرائيل إذن الترحيب بحكومة الوحدة الفلسطينية الجديدة، واقتناص هذه الفرصة الذهبية؟ والإجابة هي أن إسرائيل، إنما تريد التعامل مع حركة فلسطينية خائرة مكسورة، وليست قوية وموحدة. ولأنها تريد أن تفرض شروطها، لا أن تتفاوض، ولأنها لا تزال تدمغ أي شكل من أشكال المقاومة لاحتلالها الذي دام لأربعين عاماً لأراضي الفلسطينيين، بدمغة الإرهاب، ثم لأن أبغض وآخر ما يمكن أن تقدم عليه، هو الانسحاب إلى حدود عام 1967. وفوق ذلك، فتل أبيب كلها عزم وتصميم على عدم السماح بعودة لاجئ فلسطيني واحد، إلى الديار التي شردتهم منها! وهكذا نخلص إلى أن الطريق أمام السلام، يظل مسدوداً تماماً، ما لم يشمر المجتمع الدولي عن ساعد الجد، ويعمل على كسر هذه الصخرة الإسرائيلية الصماء، بالمزيد من التدخل والضغط. وإن كان لإسرائيل أن تحترز، فقد أعلنت بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وكذلك روسيا، تأييدها لحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية الجديدة، مشفوعة بدعوة لرفع العقوبات المالية المفروضة على الفلسطينيين. وضمن ذلك، فقد وجهت باريس الدعوة لوزير الخارجية الفلسطيني الجديد، زياد أبو عمر، لزيارتها. ويبدو أن ذلك هو موقف دول أوروبية أخرى، من بينها النرويج وأسبانيا وإيطاليا. أما لندن، فهي لا تزال واقعة تحت تأثير كل من واشنطن وتل أبيب. وهذا هو ما يفسر استعدادها حتى الآن، للتعامل مع "فتح"، وبعض الأفراد الذين ضمتهم الحكومة الفلسطينية الأخيرة. ويا له من جبن وهزيمة للذات! وبين هذا وذاك، علينا أن نفحص الموقف الأميركي وما هو عليه من هذه الحكومة الجديدة. يذكر أن "تسيبي ليفني"، وزيرة الخارجية الإسرائيلية، هرعت إلى واشنطن، إثر الإعلان عن تشكيل الحكومة الفلسطينية مباشرة، وذلك للتأكد من أن نظيرتها كوندوليزا رايس، لا تزال على موقفها السابق، الرافض لرفع المقاطعة، أو التعامل الإيجابي مع حركة "حماس". ولم تكتفِ "ليفني" بالاطمئنان على ذلك فحسب، بل سعت لإقناع "رايس" بالدعوة لمصالحة عربية- إسرائيلية، قبل التوصل إلى تسوية للنزاع. وفي أرض الأحلام تلك، وجهت "ليفني" نداءً للدول العربية، بتطبيع علاقاتها مع تل أبيب، غير آبهة بحل النزاع، وهو السبب الرئيسي لمقاطعة العرب لإسرائيل. من المقرر أن تزور "رايس" المنطقة، خلال الأيام القليلة المقبلة، قبيل انعقاد "قمة الرياض" المرتقبة بين 28-29 مارس الجاري، وهي القمة التي يتوقع فيها إعادة إطلاق مبادرة السلام العربية، التي جرى الإعلان عنها في مارس 2002. وتعرض تلك المبادرة على إسرائيل السلام وتطبيع العلاقات مع الدول العربية، المنضوية تحت عضوية جامعة الدول العربية، شريطة انسحاب إسرائيل إلى حدود عام 1967، والتزامها بالحل العادل والمتفق عليه، لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وبما أن حكومة الوحدة الفلسطينية الجديدة، قد أعلنت التزامها بكافة مقررات قمة السلام العربية، بما فيها قمة بيروت 2002، فإن أنظار العالم كلها، ستتابع لترى ما إذا كانت "رايس" ستقر مبادرة السلام العربية هذه، وتحث إسرائيل على التفاوض مع الطرف الفلسطيني على أساسها. فذاك هو محك الاختبار الحقيقي، لنفوذ "رايس" واستقلاليتها.