النهار / محمد سيد رصاص

كان انحسار القوى الدولية المهيمنة على المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية، ممثلة بلندن وباريس، مؤشراً الى وجود فراغ قوة استطاع الدور الاقليمي المصري ملئه منذ النصف الثاني من الخمسينات، عبر رضا مضمر لكل من واشنطن وموسكو. وربما كان أكبر تكثيف له اجتماعهما معاً ضد الهجوم الثلاثي على السويس في خريف 1956. في المقابل، كان تدهور العلاقات المصرية - الأميركية، بعد تولي ليندون جونسون مقاليد الإدارة الأميركية إثر اغتيال جون كينيدي في 22 تشرين الثاني 1963، مؤشراً إلى بداية تحالف استراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. وكانت استقالة بن غوريون (16 حزيران 1963)، الذي ركز على التحالف مع قوى القارة العجوز، قد فتحت الأبواب أمامه. وقد كان الإنهاء الإسرائيلي للدور المصري الاقليمي عبر حرب حزيران 1967 ذروة هذا التحالف بالنسبة إلى واشنطن التي احتاجت إلى نصر استراتيجي في اللحظة الأشد للحرب الباردة أثناء غوصها في الوحول الفيتنامية، وبعد اشتداد الإنشقاق الأوروبي - الأميركي عقب انسحاب الرئيس الفرنسي شارل ديغول من الإطار العسكري لحلف الأطلسي في عام 1966. لم يواجه عبد الناصر مقاومات دولية مباشرة لدوره الاقليمي - باستثناء لحظة السويس - ، حيث أتى ذلك من دول اقليمية (عراق نوري السعيد حتى 14 تموز 1958، ثم عراق عبد الكريم قاسم المتحالف مع الشيوعيين المحليين وموسكو والسعودية منذ ربيع 1957 بعدما كانت قبل ذلك متحالفة مع المصريين ضد هاشميي بغداد وعمان) كانت مدعومة من أطر دولية (لندن مع نوري السعيد، موسكو ولندن مع قاسم، واشنطن الداعمة للسعودية في مواجهاتها الإقليمية للإمتداد المصري إلى اليمن في الستينات). وقد كانت خسارة حلفاء عبد الناصر في الجنوب اليمني لمصلحة خصومهم في "الجبهة القومية" التي تسلمت الحكم في عدن بعد انسحاب البريطانيين يوم 30 تشرين الثاني1967، ثم سقوط الحكم العارفي الموالي لعبد الناصر في بغداد صيف 1968، مؤشرات لا يمكن عزلها عن نتائج حرب الأيام الستة. ولو أن صعود النميري والقذافي إلى الحكم قد خفف من ذلك عند الزعيم المصري. في هذا الصدد، يلاحظ أن وفاة عبد الناصر لم تؤدِّ إلى انفراد سعودي بالزعامة العربية، ولا إلى قدرة مصرية على ذلك، حيث أعقب ثالوث عربي، تمثَل بـ"القاهرة - الرياض - دمشق"، أعطى مؤشرات على قدرة اقليمية عربية ذاتية استطاعت فرض ذاتها على "الاقليمي" و"الدولي" من خلال محطتي حرب 1973 وحظر النفط، مع موازين قوى جديدة اشارت إلى ميل الكفة في المنطقة لمصلحة واشنطن على حساب موسكو. كان انفراط هذا الثالوث، بين عامي1975و1977، متزامناً مع حرب أهلية لبنانية، ومع صعود القوة العراقية بعد اتفاق الجزائر (6 آذار 1975) بين شاه ايران وصدام حسين الذي أنهى التمرد الكردي بالعراق، لتؤول الأمور إلى صعود في الدور الاقليمي السوري بدأ منذ الدخول إلى لبنان (1 حزيران 1976)، بالتوازي مع استقالة مصر من شؤون آسيا العربية بعد اتجاه القاهرة للصلح المنفرد مع اسرائيل، ومع عدم قدرة السعودية على ترجمة قوتها المالية - الاقتصادية إلى موازٍ سياسي على الصعيد الاقليمي. حيث أخذت دمشق غطاءً دولياً من واشنطن وباريس منذ ذلك الشهر من عام 1976 لدورها الاقليمي البادىء من البوابة اللبنانية ثم من موسكو في العام اللاحق، بعد توتر قصير أتى نتيجة للمصادمات العسكرية للقوات السورية مع قوى التحالف الفلسطيني- اليساري اللبناني، ليتهز ذلك مع بداية اتجاه واشنطن إلى دعم حركة تل أبيب التدخلية في الشؤون اللبنانية، عبر تحالفها مع قوى لبنانية معينة اتجهت لمواجهة السوريين منذ شباط1978. وهو ماترافق مع اتجاه معاكس من دمشق لزيادة قوة حلفها مع موسكو، ومع اتجاه لنسج تحالف مع طهران الخميني التي تصادمت تلقائياً مع بغداد ووجدت نفسها في توتر مع الرياض، وفي حالة مواجهة مع واشنطن بعد احتلال السفارة الأميركية في طهران خريف عام 1979. كان ذلك مؤشراً ارهاصياً للّوحة المتشكلة عبر اجتياح صيف 1982 الاسرائيلي للبنان، الذي كان حركة من تل أبيب لترتيب أوضاع لبنانية جديدة بغطاء من واشنطن، ما كان مؤشراً إلى تصادم "الدولي" (الولايات المتحدة) مع "الاقليمي" (سوريا)، وهو ماكان منذراً ببداية صراعات لبنانية - لبنانية جديدة، تمَ حسمها لمصلحة دمشق عبر محطتي حرب الجبل (أيلول1983) وحركة6 شباط 1984 في بيروت. وهو ما اعترفت به واشنطن لاحقاً في عملية تكريس جديدة للدور السوري في لبنان، بدأت منذ "اتفاق الأسد - مورفي" في أيلول1988 حول انتخابات الرئاسة اللبنانية، ثم عبر "اتفاق الطائف" في خريف 1989. ليجد ذلك تكريسه العملي منذ عملية 13 تشرين الأول1990 في قصر بعبدا التي أتت بعد شهرين من غزو الكويت والتقاطعات السورية - الأميركية التي أعقبته. هنا، كان التحالف،الذي أقيم في عام1990 ضد صدام حسين، مؤشراً الى تلاقي "الدولي" (واشنطن) مع "الاقليمي" ممثلاً بالثالوث المستعاد بين القاهرة ودمشق والرياض. وهو ما كان (مؤتمر مدريد) أحد ثماره، ما عبّر عن رؤية أميركية جديدة للمنطقة اختلفت عن تلك التي كانت قائمة في أيام الحرب الباردة لمّا كبحت واشنطن عملية التسوية للصراع العربي - الاسرائيلي مكتفية بالإنفراد المصري (في عزل للرأس العربي عن الجسم)، حيث عبَر "مدريد" عن اتجاه أميركي جديد إلى ترتيب أوضاع المنطقة عبر "التسوية" بعد انتهاء الثنائية القطبية. وهو ما ترافق مع سياسة عزل ايران عن منطقة الهلال الخصيب، الأمر الذي ترجم عملياً من قبل الأميركيين عندما أغمضوا عيونهم عن عملية قمع الجيش العراقي (المهزوم أمامهم للتو) للقوى الشيعية العراقية المسلحة التي انتفضت على صدام حسين بعد أيام قليلة من تلك الهزيمة، ثم باستمرار واشنطن في سياسة المجابهة مع طهران التي سادت منذ أيام كارتر وريغان. صحيح أن "الدولي"، في أزمة 1990 - 1991 في الكويت، قد أتى بحضوره المباشر للمنطقة من أجل قضية اقليمية، إلاأنه لم يستطع القيام بذلك بدون غطاء من ذلك الثالوث الاقليمي، ومن دون أن يدفع فواتير مقابل ذلك، امتدت من "طهران" إلى بعبدا ومدريد. في المقابل، يلفت النظر أن "الدولي" لم يدفع ذلك أمام "الاقليمي" العربي في عام 2003 لما قرر غزو العراق، بل حصل هذا ضد إرادة العرب، سواء أولئك الرافضون للغزو أو الذين أُجبروا على السكوت أو الموافقة، فيما ترافق ذلك مع تخلي واشنطن عن سياسة المجابهة مع طهران لمصلحة توافقات وتعاونات من قبل حلفاء الأخيرة في العراق الذين أمنّوا الغطاء المحلي الرئيسي للغزو والإحتلال. كان سقوط بغداد مؤشراً الى بداية مرحلة جديدة في اللوحة الاقليمية للمنطقة، كان أحد أهم فصولها اللاحقة تصادم الإرادات بين القطب الواحد للعالم، الآتي بحضوره المباشر الى الاقليم، وبين "الإقليمي": كان أول عناوين ذلك هو تصادم واشنطن مع دمشق، التي دفعت فاتورة سياستها المعارضة للعملية الأميركية بالعراق في بيروت 2005، ثم تصادم طهران مع الأميركين منذ آب 2005 تحت عنوان (استئناف برنامج التخصيب النووي) وهو مايحوي عناوين تمتد من العراق إلى لبنان وفلسطين ليصل إلى محاولة ايرانية لفرض اعتراف واشنطن بدور اقليمي رئيس لطهران في المنطقة. يثير الإنتباه، هنا، أن تعثر المشروع الأميركي بالمنطقة، بعد أربع سنوات من احتلال العراق، لم يؤدِّ فقط إلى تنامٍ لكل من الدورين السوري والايراني، وإنما أيضاً الى بداية استيقاظ الدور السعودي من جديد، فيما كانت قوة الإندفاعة الأميركية نحو المنطقة، عقب11 أيلول، قد وصلت الى حدود التصادم مع الحلفاء التقليديين لواشنطن في القاهرة والرياض، عبر طرح الاميركيين برنامج "الدمقرطة" وربط الأوساط النافذة بالإدارة الأميركية لظاهرة "الإرهاب" بـ"أوضاع الأنظمة" و"الثقافة السائدة"، ووصلت إلى درجة عدم أخذ تحفظات العاصمتين قبيل غزو العراق، بخلاف ماحصل في عامي 1990 -1991 . كان طرح الوزيرة رايس، في الخريف الماضي، استراتيجية معتدلين ضد متطرفين في المنطقة "مؤشراً إلى حاجة واشنطن لـ"الإقليمي" بعد تعثر "الدولي"، وهو ما ترافق مع وضع الطروحات الأميركية حول "الديموقراطية" على الرف. في المقابل، فإن انحشار طهران في الزاوية الضيقة أمام واشنطن، بعد تزايد المؤشرات على اتجاه الاميركيين لضرب ايران، قد أدى إلى تقارب ايراني مع السعودية. قاد ذلك، وفي الإتجاهين، إلى الرياض. هذا أدى، بالمحصلة، إلى زيادة الدور السعودي في القضية العراقية، وإلى "اتفاق مكة"، وإلى تحول دور المملكة العربية السعودية في المسألة اللبنانية إلى وضع محوري، حيث يلاحظ وصول هذا الدور إلى حدود من التمايز عن واشنطن، في المواضيع الثلاثة، لم تكن متوافرة للرياض قبل سنوات قليلة، لمَّا لم يكن المشروع الأميركي للمنطقة قد وصل الى هذه الحدود من التعثر التي تقترب من حافة الفشل. منذ أشهر عديدة ، يكرر الرئيس نبيه بري بأن مفتاح الحل في لبنان يكمن في تقارب سعودي - سوري، فيماكان من الواضح بأن "اتفاق مكة" ما كان من الممكن أن يتم بدونهما (وبدون طهران). هل يمكن أن تؤدي الأجواء الراهنة في اقليم الشرق الأوسط، المُتحدِدة بانخفاض قوة "الدولي" أمام "الإقليمي"، إلى عودة ثالوث "القاهرة -دمشق - الرياض" من جديد عبر القمة العربية المقبلة، بكل مايعنيه ذلك من وجودٍ لـ"المشروع العربي" في الشرق الأوسط ومشكلاته، بعدما كان هناك انفراد بالمنطقة من قبل مشاريع دولية واقليمية غير عربية. ‏