ما هي أسباب تعثر عملية تطوير الإدارة العامة في سوريا؟ وهل سيستمر التردي في الأداء الحكومي؟ وما هي الأسباب الكامنة خلف هذا التعثر؟ وكيف يمكننا إطلاق عملية تطوير جدية للإدارة الحكومية؟

هل هناك قرار حكومي للتطوير الإداري؟

كما هو معلوم فإن أي عملية تطوير تبدأ بقرار، وهنا أود التمييز بين التوجه والقرار، فالتوجه موجود، ولكنني أعتقد أن القرار التنفيذي لم يصدر بعد، ولتوضيح ذلك ربما علينا الاستفسار من الحكومة حول المبالغ التي رصدتها لعملية تطوير الإدارة العامة، وكم أنفقت منها حتى الآن؟ طبعاً نحن نسمع الكثير من التصريحات الحكومية حول أهمية التطوير الإداري، ولكن هذه التصريحات لا تختلف عن ما يصرح به أي مواطن عادي في الجلسات العامة والخاصة، والفرق يكمن في أن الحكومة هي السلطة التنفيذية، وبالتالي يفترض أن تترافق تصريحاتها ببرامج تنفيذية، وإلا فإنها تدير الموضوع إعلامياً ولا تتخذ القرارات المناسبة.

سوريا والحكومة الإلكترونية:

أذكر أننا قبل عدة سنوات قد تحمسنا لما تم إطلاقه حول مبادرة للحكومة الإلكترونية ستتم بالتعاون مع بريطانيا، وبعد ذلك غابت تلك المبادرة وذلك بعد أن بدأنا نناقش خطواتها التنفيذية، وحلت أخرى مع ماليزيا ثم اختفت تلك المبادرة أيضاً وحلت ثالثة مع مصر، وبعد ذلك توقف الحديث عن هذا الموضوع، وكأن موضوع الحكومة الإلكترونية هو خط أحمر وليس واحدة من أهم وسائل تطوير الأداء الحكومي (التطوير الإداري)، وكأن الحكومة غير معنية بهذا الموضوع وهي راضية عن مستوى الأداء الحكومي، وتتعامل مع الموضوع وكأنه لا يعنيها. والسؤال المطروح: إن كانت الحكومة مازالت غير مقتنعة بضرورة إطلاق مبادرة جدية وواسعة للحكومة الإلكترونية فعن أي تطوير إداري نتحدث؟

كيف حولنا الأتمتة إلى مسلسل مكسيكي؟

رغم علمي بأن استخدام هذه العبارة قد أصبح من المحرمات في القاموس المحلي، وذلك بسبب حالات الفشل لما تمت تسميته بمشاريع أتمتة المؤسسات، إلا أنني أعتقد أن معظم تلك المشاريع لم تكن تصلح تسميتها بأكثر من مشاريع تدريبية على تطوير البرمجيات (تصلح كمشاريع تخرج للطلاب)، يرصد لها اعتمادات مالية رمزية، ترافقها مشاريع ضخمة لشراء التجهيزات، ولا أعتقد أن الحكومة قد أنفقت على تطوير أنظمة معلوماتية ملائمة بقدر ما ركزت على وجود مشاريع شكلية للمعلوماتية، وأعتقد أن الحكومة قد أنفقت على (مراقبة ومتابعة وتفتيش هذه المشاريع داخلياً وخارجياً) أكثر مما أنفقت على المشاريع نفسها، مما جعل حتى المشاريع الناجحة نسبياً فاشلة من كثرة عمليات التفتيش والمراقبة التي تحصل لها والتي تستهلك معظم الاعتمادات المخصصة للمشروع من قبل الجهة المنفذة، إن الأخطاء السابقة، لا تلغي حتمية بناء أنظمة معلومات مؤتمتة في مؤسساتنا وسواء تمت تسميتها بمشاريع أتمتة (أو أي تسمية أخرى)، فهذا لا يغير من حقيقة ضرورة عدم بقاء مؤسساتنا تعمل بنظم معلومات ورقية، وإلا فإن ظاهرة تردي الأداء الحكومي ستستمر وربما ستتسارع.

هل هناك شريك حكومي لعملية التطوير؟

إن معظم التجارب السابقة التي اطلعت عليها، تبين أن الجهاز الحكومي غير قادر على إطلاق ومتابعة عملية أتمتة نظام معلومات في مؤسسة ما، وبالمناسبة فعملية أتمتة نظام معلومات مؤسسة ما هو إلا إطار واسع يحوي عدة مشاريع ونشاطات قد يكون احدها تطوير برمجيات، وأعتقد أن المشكلة الأهم في مشاريع مؤسسات القطاع العام هي غياب هذه الفكرة (على بساطتها)، وأذكر أنني في فترة من الفترات شعرت بأن معظم المشاريع تقف في نقاط محددة، وهي التي تتطلب تفاعلاً بين الجهة المنفذة (والكادر الحكومي)، وحاولت البحث عن أسباب هذه المشكلة، وأعتقد أن الجواب يكمن في قائمة الخبرات التي تم وضعها عالمياً للعاملين في القطاع الحكومي (في مجال المعلوماتية)، حيث بلغت هذه الاختصاصات خمسة وسبعين اختصاصاً مختلفاً (في المجالات التقنية والإدارية والاستراتيجية)، وبالتالي لا أدري في ظل غياب هذه الخبرات عن الجهاز الحكومي كيف يمكن أن تنجح مشاريع معلوماتية، خاصة وأن شركات صناعة البرمجيات المحلية (أو الخارجية) قد لا تكون معنية بأكثر من بضعة اختصاصات أما باقي الاختصاصات فعلى الحكومة تأمينها (أو تأمين أهمها على الأقل عبر كوادرها أو عبر عقود مؤقتة)، وإلا فستستمر المشاريع في الفشل، ولا يمكننا لوم القطاع الخاص لأنه لم يقم بإنجاح مشاريع طالما أنه يعمل بدون شريك حكومي، وهنا ربما علينا أن نتساءل: أين يقف المعهد الوطني للإدارة العامة من هذا الموضوع؟ وأذكر أنني قد اجتمعت قبل عدة سنوات مع أحد المعنيين بإعداد دراسة لنظام المعهد، وقد استفسر عن أسباب فشل المشاريع المعلوماتية، ودار بيننا حوار مطول، وقد تم الاتفاق على ضرورة عقد دورات تأهيل سريعة (لبضعة أشهر) في مجالات الخبرات المعلوماتية الملائمة لمؤسسات القطاع العام (وهي لا علاقة لها بالدورات التي تتم حالياً في المعاهد الخاصة، أو تلك التي تتم حالياً في الجمعية المعلوماتية والتي لا تفي بالغرض المطلوب)، وفي ذلك الوقت حصلت التغييرات التي منعت تنفيذ هذا التوجه الذي أعتقد أنه كان حيوياً واستراتيجياً.

وختاماً ربما على الحكومة أن تعيد التفكير جدياً في موضوع إطلاق مبادرة للحكومة الإلكترونية، وأرجو (إن حصل ذلك) أن لا يكون الإطلاق شكلياً، وأن يبحث في العمق عن طرق تحويل أنظمة المعلومات الحكومية من ورقية إلى مؤتمتة، وبالرغم من إمكانية إطلاق مبادرة للحكومة الالكترونية (قبل تحقيق هذا الموضوع)، إلا أن انتقال هذه المبادرة إلى المراحل المتقدمة لا يمكن أن يتحقق في حال لم يتم العمل على هذا الموضوع، وبالرغم من طلبنا ولعدة سنوات بوجود بند واضح لأعمال التطوير الإداري في المؤسسات، فهذا لم يحدث، ومازال هذا البند قيمته (صفر)، ورغم ذلك يستمر الحديث عن عمليات التطوير الإداري، وبالتالي أعتقد أن الموضوع يتطلب تدخلاً فاعلاً في إنشاء مؤسسة (شبه حكومية) تدير موضوع تحديث الإدارة العامة، وعندها يعتبر المعهد الوطني للإدارة العامة رديفاً لهذه المؤسسة ورافداً لها بكوادر القطاع العام القادرة على التفاعل مع مشاريع التطوير الإداري المفترضة.