النهار / سمير عطا الله

"دستور" واحدة من عشرات الكلمات الفارسية التي أصبحت جزءاً تاماً من اللغة العربية، وهي مركبة من دَست بمعنى قاعدة ومن ور بمعنى صاحب. أي صاحب القاعدة. أي مجموعة القوانين التي تنظم أعمال الدول والمجتمعات وحياتها. والدساتير مجموعة مواد وقوانين عُدّلت مع تطور المجتمعات وتقدم البشر. لكنها ظلت، في أساسها او في تعديلها، المرجع الاخير عند توافق الأسر المجتمعية، أو عند اختلافها. ولذلك كتب المشترع الدستور والتعديلات بلغة واضحة غايتها حسم الجدل بين الناس لا اذكاؤه. وأوكلت مهمة ذلك الى أخيار القوم وأهل العلم والقانون فيهم. وتعاون المشترعون على تحرير النص من الالتباس المفضي الى الفتنة، وأما اذا حصل تجاوز عام، واختلفت الناس في النص، فعندها يُحتكَم الى ذوي الخبرة والسمعة والضمير من المحكمين، بحيث لا يبقى شك أو ظن لدى الاهالي بأن الدستور – أو القاعدة – يغلّب فئة على فئة، او ينصر قوياً على ضعيف، ما دامت الغاية من نشوء الامم وانشاء دساتيرها هي حفظ السوية بين الناس وحماية سكينتهم. مأساة اللبناني في دستوره، بدل ان يكون خلاصه فيه. فما من مادة جوهرية في تنظيم العمل السياسي إلا وهي موضع خلاف في التفسير ونزاع في التطبيق. وبدل الاحتكام الى النص الواضح، يصار دائما الى فتح أبواب الاجتهاد، ويكون ذلك عادة على أيدي قرّائي البرقيات السريعة والقابلة – عند أصحابها – للنقض العاجل أو السحب السريع من التداول. وإذ تقوم عاصفة دستورية كالتي هي قائمة الآن، تحار العامة في أمرها وتُغلب عليه. بمن تثق ومن تصدق، ما دام الدستور – القاعدة، مثل معظم القوانين الاخرى، قابلا للشك والتصديق، في فقرة واحدة او مادة واحدة او عند مفسر واحد. قرأ اللبناني وسمع أقوالا كثيرة في موضوع دورة مجلس النواب. شاقوف من هنا وحجر من هناك. حتى الآن لم يقل لنا أحد ما هو رأي حسين الحسيني او سليم باسيلا او فؤاد بطرس او ادمون رزق؟ لماذا يحسم في هذا الشأن جميع الذين لا شأن لهم به؟ ولماذا إقحام الدستور في خناقة لا علاقة له بها؟ ماذا يمنع أن نقول – ونحن نقول ذلك كل يوم ولأقل من ذلك بكثير – إن عقد البرلمان في دورته العادية هو مشروع حرب أهلية؟! وعليكم السلام. أما أن يقال ان نزول نواب الاكثرية الى ساحة النجمة هو "عمل سياسي" وليس برلمانياً، فوالله اكتشاف مريع: منذ متى كان يحق للنواب تعاطي الشأن السياسي؟ ومنذ متى كانت السياسة الوطنية عمل البرلمان؟ أليس من الافضل ان نترك الدستور جانبا ونقول بعضنا للبعض: نحن في نزاع شديد لا حلّ له في الدستور الحالي، ولا مخرج له في المصطلحات القائمة حتى الآن، كمثل "الاكثرية" و"الدورة العادية" و"الممارسة الديموقراطية". نحن في خلاف معلن محلي قومي دولي، ويتطلب التوصل الى مهادنة فيه ان ننسى موقتا معطيات الدستور والقانون والاعراف التي اعتدناها من قبل، والا فسوف نظل ننتقل من نفق الى نفق. دعونا من المزاح والمفاكهة السوداء: ليست في تاريخ الدول سابقة "دستورية" كما هو حالنا اليوم، بحيث نستطيع العودة اليها ونبني عليها. ليست هناك دولة مرّت بمرحلة كانت فيها رئاسة الجمهورية معطلة والبرلمان معطلا والحكومة معطلة. والمعطلون الثلاثة كل واحد يستند في موقفه الى الدستور، والى الميثاق، والى الوحدة الوطنية. أي دستور. أي ميثاق. وأي وحدة؟ أعجب من شجاعة الوسطاء الذين يأتون الينا. من أين تأتيهم تلك القدرة الخارقة على العودة من جديد؟ يأتون وفي ظنهم ان القضية هي مصير لبنان، فيسمعون كلاما عن مكاسب الانتخابات المبكرة وخسائرها. يأتون وهم يخافون انفجار الحرب، فيرون السياسيين مأخوذين بمقعد أو مقعدين او رِجل كرسي، أو شرابة خِرج. يأتون وهم يعتقدون ان هذا هو البلد الذي على صغره الجغرافي كان مؤسساً للجامعة العربية الى جانب مصر، وعمل بشيء يدعى الدستور منذ ما قبل الاستقلال بعقد، وكان رؤساؤه خيرة القضاة والمراجع القانونية قبل الاستقلال بكثير. واذ يحلون في العاصمة يرونها مكرسحة باسم الدستور والوطن معتل باسم الدستور وغربان البين تؤلف جوقة واحدة عنوانها الدستور. الغاية من الدساتير حماية الامم من الشطط واغلاق باب الاجتهاد النفعي، ومن اجل ضبط الضعف البشري، جماعيا أو فرديا، ما دامت النفس امّارة بالسوء، مفاخِرة بذاتها، عيّابة على الآخرين. فالحق ليس احتكارا ولا استنسابا في المجتمع المدني. ولا تؤخذ الدنيا غلاباً إلا في الشعر، هذا اذا كان صاحبه تاجاً مثل أبي الطيب، الذي سخّر أرقى الشعر وأعظمه لمن هو دون ملكته المتفردة في الفكر والقريض. كنا نتمنى، ونحن في قلب هذا الصراع المفتوح الابعاد، المسدود الآفاق، أن نكون على الاقل في مستوى الجدل. فلا شتائم مثلا في ادعاء العفة والتعفف لأنهما نقيض السب والحطّ. ولا تزوير للنصوص بل مواجهتها بشجاعة والقول لم نعد نريدها، لأنها لم تعد تخدمنا ولا تفي بغاياتنا. ويجب ألا ننسى أبداً ان ثمة جيلا جديداً يرقبنا ويتعلم منا فيجب ان نحذره دائما بألا يقلّدنا. كلما استخدمنا تعبيرا لاأخلاقيا يجب ان نقول له: هذه ليست القاعدة. هذا ليس الدستور. ولا صاحبه. لا دست ولا ور. هذا غضب خاص لا علاقة له بمعاناة الناس وهمومها وفقرها وهجراتها. الأجيال السابقة كانت أسعد حظا وأرحب وطنا وأرقى سياسة، ناهيك بأحكام الدرجة الأدبية. فكان أحدنا – مهما اتّضع مقامه وقلَّ إدراكه وتضاءل شأنه – كان، اذا أراد ان يتخطى رفيقا في صف، أو اذا أراد قرع الباب على أحد، قال مستأذناً: "دستور، بعد إذنك". وكان "الدستور" يومها قاعدة التعامل على الجميع. لقطاء وأبناء حرام وأبناء العزة الالهية.