يبدو أن المأزق الأميركي في العراق قد فتح الأبواب على مصاريعها لمفاجآت عظمى لا يمكن توقعها مسبقاً، فها هي شركة النفط الأميركية العملاقة (هاليبرتون) تخطو خطوة كبيرة على طريق الانقلاب ضدّ الولايات المتحدة، وذلك بإعلانها نقل مقّر قيادتها إلى دبي! إن هذه الخطوة الانقلابية تأتي بالضبط في اللحظة التي أعرب فيها 60% من الأميركيين عن رغبتهم في سحب القوات الأميركية من العراق وفي تولي الكونغرس مهمة إدارة سياسة البلاد المتعلقة بالحرب في العراق بدلاً من الرئيس جورج بوش، فكان أن أدارت هاليبرتون ظهرها للشعب الأميركي معلنة نقل مقّر إدارتها إلى دبي!

هاهنا يجدر بنا أن نتذكر الوضع في النصف الأول من القرن الماضي، حيث كانت شركات النفط العالمية العملاقة، خاصة الأخوات السبع الأميركيات، هي التي توجّه السياسات الخارجية لدولها، ثم بدأت الحكومات الرأسمالية تتدخل شيئاً فشيئاً في أسواق النفط كشريك حكومي، إلى أن صار القرار الأول لها في شؤون النفط، وهاهي هاليبرتون، في مواجهة ضغوط الشعب الأميركي، تعبّر عن توجهها لاسترداد المكانة القديمة للشركات وإن ضدّ رغبات الشعب والكونغرس! العودة إلى فلسفة ديتر دينغ!

إن دور الحرب العراقية في فضح التناقض بين مصالح الدولة الرأسمالية والشركات النفطية ليس بالجديد، ففي الحرب العالمية الأولى عرضت الحكومة البريطانية على البرلمان مشروع قانون يتضمن حق الحكومة في تحقيق السيطرة على الشركة الأنكلو – فارسية، وذلك باستثمار مليارين من الجنيهات في مشاريعها، الأمر الذي أثار دهشة المحافظين، لأنهم وجدوا في دخول الحكومة شريكاً لوناً من ألوان الاشتراكية! ولابد أن السبب الذي دفع الحكومة البريطانية حينئذ للدخول شريكاً هو أن المستر ديتر دينغ، قائد الشركة الهولندية/ البريطانية المندمجة (رويال دوتش – شل) كان صاحب فلسفة في ميدان الأعمال تقول أن المارك الألماني صحيح في نظر شركته مثله مثل الجنيه الإنكليزي، ولذلك كان ديتر دينغ أثناء الحرب يبيع النفط لكلا الأسطولين المتحاربين، الألماني والبريطاني، فهمّه الوحيد والأساسي هو بيع أكبر كمية وبأعلى سعر ممكن من دون أن يأبه لهوية الزبون! وهاهي الأخبار اليوم تشير، وإن مجّرد إشارات، إلى استعداد هاليبرتون لعقد اتفاقات نفطية حتى مع إيران! ديك تشيني يقود الانقلاب!

من المعروف أن الشخصية البارزة في مجموعة هاليبرتون الأميركية للخدمات النفطية هو نائب الرئيس ديك تشيني، وقد ذكرت مصادر الأنباء خلال الأيام الماضية احتمال قبول استقالته من مركز نائب الرئيس، وها هو يظهر استخفافه بدولته وشعبه، بنقل مقر قيادة شركته إلى دبي، وهي القيادة النفطية التي يعتبرها أهم من القيادة السياسية للولايات المتحدة! ومن مقره الجديد، وسواء بقي نائباً لرئيس الولايات المتحدة أم لم يبق، سوف يعقد الاتفاقات المباشرة بين شركته وبين الحكومة العراقية وغيرها، مستفيداً من ضعف وضع الحومة الأميركية وقواتها المحتلة!

بالطبع يفضّل ديك تشيني لو أن التعاون بين الدولة الأميركية وشركته يستمر، إنما لصالح شركته بالدرجة الأولى، ويفضل البقاء في منصب نائب رئيس الولايات المتحدة، إنما ليس على حساب منصبه في هاليبرتون، وبما أن الأمور لم تسر كما خطّط لها في الحرب ضدّ العراق، فتعاظمت خسائر الدولة الأميركية وتعرضت مصالح تجار النفط للخطر، فإن تشيني يسارع لحماية مصالح شركته قبل دولته! وهاهم الديمقراطيون في الكونغرس، الذين يعارضونه لأنهم يحسدونه، يجأرون بالشكوى حول نهب هاليبرتون لنفقات الحرب على شكل عقود مريبة مع الجيش الأميركي، ثم نقلها مقرها إلى دبي بعد فشل الجيش في تحقيق النصر، متهربة من دفع الضرائب، أي منقلبة على الشعب الأميركي والدولة الأميركية! دبي بدلاً من هيوستن!

لقد تأسست المجموعة الأميركية للخدمات النفطية (هاليبرتون) عام 1919، فهي من أقدم الشركات العملاقة في ولاية تكساس، وتشمل نشاطاتها سبعين دولة، وتشكل منطقتنا العربية/ الإسلامية بالنسبة إليها مجالاً خصباً للحصول على مزيد من العقود الثمينة، حيث بلغت نسبة عائداتها النفطية في منطقتنا 38%، أو 13 ملياراً من الدولارات حتى عام 2006! إن هاليبرتون تنتظر اليوم على أحرّ من الجمر قرارات البرلمان العراقي والحكومة العراقية بصدد تحرير النفط العراقي من إدارته الوطنية وعرضه على الشركات العالمية كي تستثمره بكامل حريتها على مدى عقود طويلة من السنين، علماً أن احتياطي النفط العراقي الإجمالي يتراوح ما بين 300-450 مليار برميل، فهل تنقلب هاليبرتون على الولايات المتحدة في العراق وإيران وغيرهما، وتقلب الموقف رأساً على عقب بتواطؤ من بعض الإدارات والقوى الإقليمية والأميركية؟ هل ستنقل حقاً مقر قيادتها التاريخي من هيوستن إلى دبي؟ هل هذا ممكن؟ هل هذا معقول؟!