أخيراً تشكلت “حكومة الوحدة الوطنية” الفلسطينية وعرضت برنامجها على المجلس التشريعي، وحصلت على ثقة أغلبية أعضائه وأقسمت اليمين الدستورية، ويفترض أنها بدأت مشوارها الصعب الذي سيكون بالنسبة لها نوعاً من سباق الحواجز، وحيث سيتبين في نهايته كم كانت جديرة بدخوله وكيف كانت نتيجة هذا الدخول.

يعرف الجميع أنه كان يقف خلف الرغبة في تشكيل هذه الحكومة هدفان رئيسيان: وقف الاقتتال الفلسطيني الداخلي الذي فتح الباب واسعا أمام الحديث عن إمكان الوقوع في فخ الحرب الأهلية، والخروج من العزلة السياسية ورفع الحصار الاقتصادي اللذين فرضهما “المجتمع الدولي” على الشعب الفلسطيني، و”عجز” العرب عن مواجهتهما، فساهما فيهما بطريقة أو أخرى. ويلاحظ أن الحكومة الجديدة في جزء من أعضائها كأشخاص “مقبولين” دولياً، وفي جزء من برنامجها، استهدفت إرضاء هذا “المجتمع الدولي”، على أمل أن تنال رضاه وتخرج مما هي فيه من عزلة وحصار. فكيف استقبل “المجتمع الدولي” الحكومة الجديدة؟

بداية لا بد من الإشارة إلى بعض الأمور العامة التي تسمح لنا بتلمس مواقع أقدامنا ونحن نناقش هذا الموضوع، وعلينا ألا نتفاءل كثيراً فنصاب بالخيبة ولا أن نتشاءم كثيراً فنعجز عن التحرك. فأولاً، لم يأت الحصار الذي فرضه “المجتمع الدولي” على الشعب الفلسطيني نتيجة لسوء فهم أو سوء تقدير للموقف الفلسطيني، بل جاء نتيجة انحياز مطلق من جانب الولايات المتحدة الأمريكية للكيان الصهيوني من جهة، وتبعية بعض هذا “المجتمع الدولي” للسياسة الأمريكية، وعجز بعض آخر منه عن معارضة هذه السياسة من جهة أخرى. لذلك كان منطقياً أن تتفاوت مواقف الأطراف تجاه الحكومة الفلسطينية الجديدة. وثانياً، توزع مواقف أطراف “المجتمع الدولي” يمكن أن يكون في المحصلة النهائية نوعاً من توزيع الأدوار، بقصد أو من دون قصد، ينتهي ليكون في خدمة سياسة الطرف الأقوى في المجموعة الدولية. وهذا يعني أن توزع المواقف والأدوار إن لم يواجه بإرادة سياسية صلبة وتمسك قوي بمصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية فسيتحول إلى وسائل وأدوات للضغط، وسيؤدي إلى استدراج مقصود للطرف الفلسطيني وفرض الشروط عليه ودفعه إلى تقديم تنازلات جديدة تجعل فك العزلة أسوأ من العزلة، ورفع الحصار أسوأ من الحصار. وثالثاً، إن على الحكومة الفلسطينية ألا تنسى أن فرض الحصار إنما جاء في الأساس لإغراق الشعب الفلسطيني في أزماته ومتطلبات حياته اليومية ليصبح الخروج منها هو الشغل الشاغل والهدف النهائي، ومن أجل إجباره على التخلي عن قضيته الوطنية، قضيته السياسية التي قدم كل تضحياته على مذبحها دون أسف أو ندم، ولإقناعه أنه أمام خيارين لا ثالث لهما: الخبز أو الحرية وعليه أن يختار الخبز!

وإذا ما دققنا قليلاً في مواقف أطراف “المجتمع الدولي” الفورية، نستطيع أن نقرأ فيها ما سبق وذكرناه من الأمور العامة. فبعد أن رفضت “إسرائيل” فوراً الاعتراف بالحكومة الجديدة، انضمت إليها الولايات المتحدة، تحت عنوان ضرورة “الالتزام بشروط الرباعية الثلاثة”، علماً بأن لا أحد في اللجنة الرباعية غير الولايات المتحدة يوافق على الموقفين الأمريكي و”الإسرائيلي”. أما موقف الاتحاد الأوروبي فجاء مثيرا للسخرية نوعا ما كاشفا الضعف الأوروبي تجاه السياسة الأمريكية، حيث قرر الاتحاد الأوروبي التعامل مع جزء من الحكومة الفلسطينية وهو المكون من وزراء (فتح) والمستقلين.. على أمل أن يلتحق وزراء (حماس) بالركب لاحقاً! في الوقت نفسه، شجع الأمين العام للأمم المتحدة على التعامل مع الحكومة الجديدة، بينما كانت روسيا قد استقبلت خالد مشعل ودعت إلى التعامل مع حكومة هنية المستقيلة ولن يكون موقفها من الحكومة الجديدة أقل من ذلك، وإن ظلت وستظل تدعو إلى الالتزام بشروط الرباعية.

باختصار، لن يتعامل “المجتمع الدولي” مع الحكومة الفلسطينية على أساس أنها حكومة طبيعية ما لم تستجب لشروطه، ويمكن اعتبار الشهور الثلاثة المقبلة “فترة سماح” توضع فيها سياساتها ومواقفها قيد الاختبار، وحسب التقدير النهائي في نهاية “فترة التجربة” يتقرر الموقف النهائي منها. لكن أمام الحكومة الفلسطينية باباً للنجاة يمكن أن ينفتح في هذه الفترة، وهو باب عربي بالضرورة. فالموقف الدولي الراهن يسمح للدول العربية أن تسقط العزلة والحصار عن الشعب الفلسطيني، وإذا ما فعلت قد لا يستطيع الموقف الدولي أن يعيد إنتاج الحصار مرة أخرى. لكن هذا الباب يقف وراءه حارس أمريكي قد يسده ويمنع الدول العربية من فتحه، أو يجعلها تستخدمه وسيلة ضغط على الحكومة الفلسطينية، كما كان الأمر في فترة الحصار. وهذه قضية يجب أن توضع على جدول أعمال القمة العربية في الرياض. وتبقى كلمة نقولها للحكومة الفلسطينية، وهي أن ما يسمى “المجتمع الدولي” ليس قدراً لا يمكن الفكاك منه، وأن الموقف الراهن لهذا المجتمع على وهنه هو لمصلحتها، ولم يأت نتيجة تغيير في نواياه أو أهدافه وإنما نتيجة لفشل الحصار في أن يحقق ما أرادته الولايات المتحدة منه، على الرغم من كل المشكلات والأزمات التي خلقها للفلسطينيين. والشعب الفلسطيني لن يصل إلى شيء من حقوقه إلا بالمقاومة، والمقاومة ليست فقط بالسلاح، بل بالإرادة السياسية قبل السلاح وإلى جانبه وبعده.