مجلة أبيض وأسود

ليس سراً أن العلاقات السورية-الأمريكية يشوبها توتر كبير منذ فترة، وإن بداية الحديث عن غزو أمريكي للعراق أطلق الإشارات الأولى للتوتر مع المعارضة السورية الشرسة لهذا الغزو. ورغم أن سوريا كانت العدو اللدود لصدام حسين إلا أن مجرد فكرة انتهاك سيادة دولة أخرى والإطاحة برئيسها اعتماداً على مزاعم واهية أو مفبركة هو أمر غير مقبول لسوريا، إضافة إلى قناعة سوريا المطلقة بأن أي احتلال أجنبي هو مفهوم خطر من شأنه أن يخلق مشكلات يمكن أن تنتج عنها عواقب وخيمة.

وبالنتيجة فقد استمرت العلاقات بين البلدين بالاتجاه نحو الجمود. ومع ذلك ففي حين أن الإدارة الأمريكية والكونغرس لفترة رفضا لفترة الإصغاء لما تود سوريا قوله، فإن (المركز العاقل) أي (الأكاديميات وخزانات الأدمغة ووسائل الإعلام والمفكرين من المواطنين الأمريكيين) كانوا متحمسين للإصغاء إلى سوريا وشجعوا الانخراط بالحديث مع سوريا. وعلى الرغم من أن هذا الحال بالنسبة لسوريا قد تغير تماماً في الأشهر القليلة الماضية، إلا أنه من المهم استعراض الأحداث التي أدت إلى طريق مسدود والمشاركة في الجزء من القصة الذي سيتم الكشف عنه.

إن العلاقات بين الولايات المتحدة وسوريا لم تكن دائماً متوترة. وكانت سوريا من أوائل الدول التي أدانت الهجمات الإرهابية في 11 أيلول، وقدمت للولايات المتحدة معلومات استخباراتية عن تنظيم القاعدة، وكانت حسب ما قاله وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في رسالة وجهها إلى الكونغرس (معلومات عملياتية) (ساعدت في إنقاذ أرواح أمريكية).

وتعثر هذا التنسيق الأمني بعد غزو العراق حين بدأت الولايات المتحدة في توجيه اتهامات إلى سوريا زاعمة أن سوريا تسمح بتغلغل المقاتلين الأجانب إلى داخل العراق، وفي آذار عام 2004 وجهتني حكومتي بأن أقوم بالبدء بإجراء اتصالات مع مسؤولين في وزارة الخارجية والبنتاغون للبحث في هذه الاتهامات. وكان الهدف ليس فقط دحض هذه الادعاءات فقط بل إن الأهم هو إبلاغ المسؤولين الأمريكيين رسمياً بأن سوريا مستعدة للتعاون مع الولايات المتحدة بشأن أمن الحدود. ونقلت إلى المسؤولين الأمريكيين رغبة سوريا بعمل ما من شأنه توفير أمن هذه الحدود بما فيها تبادل المعلومات والاستفادة من المعلومات الاستخباراتية وعقد لقاءات ميدانية بين الضباط السوريين والأمركيين وحتى المشاركة في دوريات ثلاثية حدودية مع الأمريكيين والعراقيين. وبينما لاقت مقترحاتي اهتماماً جدياً من قبل الخارجية الأمريكية إلا أن البنتاغون رفضها رفضاً قاطعاً.

في أيلول عام 2004 قمت بتسليم رسالة رسمية من القيادة السورية إلى الإدارة الأمريكية عرضت فيها سوريا تعاونها بوضوح للوصول إلى عراق آمن ومستقر. وكان الرد الأمريكي هو الصمت.

وفي كانون الثاني حين قام مساعد وزير الخارجية الأمريكي (ريتشارد أرميتاج) بزيارة دمشق، وافقت سوريا على تعزيز التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة ويتضمن الإرهابيين الذين يعبرون إلى داخل العراق من سوريا أو هؤلاء الإرهابيين في داخل سوريا. وفي تلك الأثناء كان لدي تعليمات محددة من دمشق لإبلاغها إلى المسؤولين الكبار في مجلس الأمن القومي وفي وزارة الخارجية الأمريكية وفي البنتاغون مفادها أنهم إذا رغبوا في استمرار التعاون الأمني السوري فإن على الإدارة الأمريكية إيقاف نقدها اللاذع لسوريا ومنهم رسالة أن سوريا ليست سوقاً خيرياً، وأنه إذا رغب الأمريكيون بالتعاون فيما يخص القضايا الأمنية فعليهم الانخراط في المجال السياسي مع سوريا. وفي الظاهر كانت الولايات المتحدة غير مهتمة، وقامت بسحب سفيرها من دمشق، وقامت بشن حملة سياسية شعواء على سوريا، إلا أنها استمرت بطلب التعاون الأمني السوري. ولكن لسوء الحظ كان علي الإعلان في نيسان 2005 أن سوريا قطعت كل تعاون مؤسساتها الأمنية ونظيراتها الأمريكية، وأن سوريا سترفض التعاون سراً وتتلقى اللوم والتوبيخ علناً.

إلى أين نحن ذاهبون من هنا؟!

برز نمط مثير للاهتمام يخص سياسة واشنطن تجاه سوريا، ففي حين استثمرت إدارة بوش الكثير لأجل عزل سوريا فإن هذا الاستثمار على ما يبدو لم يؤت أكله، وأسفر عن عزل الإدارة الأمريكية نفسها فيما يتعلق بالعديد من اللاعبين الرئيسيين في المنطقة. وأكد كبار أعضاء الكونغرس ومجلس النواب ضرورة إعادة الانخراط بالحديث إلى سوريا، وفي ردهم على خطاب الاتحاد للرئيس بوش أكد الديمقراطيون على دور (الجهد الدبلوماسي الإقليمي) للوصول إلى استقرار وسلام في العراق، كما أكد على الفكرة ذاتها كبار الشخصيات الجمهورية الأمريكية مثل أعضاء مجلس أمثال ريتشارد لوغار وآرلن سبيكتر وتشاك هاغل. وهذا الجهد الدبلوماسي الإقليمي يتضمن سوريا في نهاية المطاف وغيرها من الدول المجاورة.

وبينما تخفض وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أيضاً من أهمية التخاطب مع سوريا والذي تصفه (بالعقيم) فإن وزراء الخارجية الأمريكيين السابقين الذين قاموا فعلاً بالتفاوض مع دمشق أكدوا أهمية الحوار مع دمشق. ومؤخراً قال وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول لمجلة نيوزويك الأسبوعية الأمريكية: حصلنا على (الكثير) من الحديث إلى سوريا. وأوصى وزير الخارجية الأمريكية الأسبق (جيمس بيكر) وهو أحد الاثنين الكبار اللذين وضعا تقرير مجموعة دراسة العراق وهو من الذين تعاملوا بشكل مكثف مع سوريا، بالتحادث إلى سوريا كما تتضمن قائمة وزراء الخارجية الأمريكيين السابقين الذين أوصوا بالتحدث إلى سوريا كل من مادلين أولبرايت وهنري كيسنجر.

إن عزلة إدارة بوش لا تقتصر على الجانب السياسي. إذ يبدو أن هذه العزلة جاءت من الجانب العسكري الأمريكي أيضاً، فالكولونيل (وليام كرو) المسؤول عن المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق، أبلغ الصحفيين في كانون الثاني عام 2007 في البنتاغون حول أعداد المقاتلين الأجانب الذين يتسللون إلى العراق من سوريا بأن ليس هناك تدفق كبير للمقاتلين الأجانب عبر الحدود مضيفاً أن عمليات التهريب في هذا الجزء من العام مستمرة منذ آلاف السنين، وأنه في معظم الحالات حين يتم ضبط شخص متسلل عبر الحدود وهو بمعدل اثنين في اليوم يكون إما يقوم بتهريب الأغنام أو البيض أو السجائر.

وقد أعلن هاري ريد زعيم الأغلبية في مجلس النواب الأمريكي في 13 من شهر شباط الماضي اعتماداً على تقرير استخباراتي قومي أن سوريا ليست سبباً في الصراع الدائر في العراق وليس لها علاقة به. ومع ذلك فإن واشنطن مصرة على اتهام سوريا بالتورط في السماح للمتسللين بالدخول إلى العراق.

إن الإدارة الأمريكية في عزلة من حلفائها العراقيين أيضاً فيما يتعلق بسوريا. في كانون الثاني من العام الحالي قامت سوريا والعراق بإعادة العلاقات الدبلوماسية بعد قطيعة دامت 25 عاماً، ونتج عن ذلك مذكرة أمنية وقعها البلدان. وقام وزير خارجيتنا بزيارة رسمية إلى بغداد، وقام الرئيس العراقي جلال الطالباني بزيارة أسبوع إلى دمشق. وخلال ذلك استمرت الولايات المتحدة بإلقاء اللوم على سوريا بسبب فشل السياسات الأمريكية في العراق.

تعتقد سوريا جازمة أن الطريق الوحيد لإحراز تقدم في العراق يكون عبر الانخراط السياسي لجميع الأطراف دون استثناء، وهذا يتضمن الفصائل العراقية وجارات العراق الإقليمية. إن استراتيجية الإجماع والحوار هي الطريق الوحيد للمضي قدماً، وأن بإمكان سوريا لعب دور بناء إذا تم تبني هذا السبيل وللأسف فإن الاستراتيجية الجديدة التي صاغها الرئيس بوش ستقود فقط إلى مزيد من العنف وإراقة الدماء.

في شباط 2007 دعتني وزارة الخارجية الأمريكية إلى لقاء يهدف إلى مناقشة وضع اللاجئين العراقيين في سوريا، وأبلغتهم أن سوريا ترفض بحث نتيجة واحدة لفشل السياسات الأمريكية في العراق، وأنها تفضل الدخول مع واشنطن في بحث السياسات المحددة التي أدت إلى سلسلة الكوارث ومشكلة اللاجئين ليست سوى مثال واحد. وكان علي أن أذكرهم أنه في حين فر أكثر من مليون عراقي مما أسموه (واحة الديمقراطية) إلى (دولتنا المارقة) فإن الولايات المتحدة التي تتحمل المسؤولية الكاملة عن كل شيء يحدث يومياً في العراق قد منحت وضع اللاجئ (450) عراقياً فقط، وقالوا إن هذا الرقم سيرتفع إلى سبعة آلاف لاجئ في عام 2008.

تنبثق رغبة سوريا في الجلوس إلى طاولة المفاوضات من جانبين هما الاهتمام الذاتي والتعاطف مع الشعب العراقي. فسوريا لا ترغب في إبرام صفقة فيما يخص العراق، يتكبد العراقيون خسائر بالأرواح بشكل يومي والتشرد والجوع وغير ذلك من الظروف الوحشية غير المقبولة، ومن غير مقارنة مع معاناة العراقيين فإن سوريا تتحمل نفس ثقل فشل سياسات واشنطن في العراق. استقبلت سوريا مليون وثلاثمائة ألف لاجئ عراقي وهو عبء هائل على أية دولة. وسواء كان ذلك لصالح العراقيين فإن السوريين والدول المجاورة أو الشباب من الجنود الأمريكيين والبريطانيين الذين يموتون على الأرض فيجب على الفوضى أن تتوقف.

إن هذه الحرب ليست حرباً أمريكية وليست حرباً عالمية إنها حرب الرئيس بوش. ومع ذلك فإن من واجب أمريكا والعالم أن يضعا حداً لمعاناة العراقيين أولاً ثم لمعاناة كل طرف يتحمل عبئاً من السياسات غير المحسوبة والفاشلة لهذه الإدارة. إن الطريق أمامنا بدون شك سيكون صعباً إلا أننا إذا أردنا طي هذا الفصل من تاريخنا فإنه من المحتم أن يتطلب ذلك أن نسير معاً على هذا الطريق والعمل معاً لأجل مستقبل أكثر إشراقاً.