الرأي العام / صبحي غندور

يُحكى عن الضفادع أنها إذا وُضعت في مياه ساخنة لدرجة الغليان، فإنها تقفز منها فوراً وتنقذ حياتها. أما إذا وُضعت الضفادع في مياه عادية ثمّ جرى غلي المياه على مراحل، فإن الضفادع تبقى ساكنة في المياه حتى الموت. هكذا هي أحياناً بعض الشعوب والمجتمعات، إذ الأزمات الكبيرة المفاجئة تحرّك مكامنها وتدفعها إلى الحركة والتغيير واستحضار مقوّمات القوّة والدفاع عن النفس، بينما تتكيّف هذه الشعوب مع الأزمات المتراكمة زمنياً، والتي تنمو فيها السلبيات على مراحل، فتصبح الأزمات بمرور الزمن مقبولة ويسهل التعايش معها واعتبارها بعضاً من مظاهر الحياة اليومية في مجتمعات هذه الشعوب. وقد عاشت البلاد العربية خلال القرن الماضي حالاتٍ من الأزمات والنكبات الكبيرة المفاجئة، كما شهدت المجتمعات العربية، ولا تزال، العديد من الأزمات النامية على مراحل والتي أصبحت في ما بعد واقعاً مقبولاً. وهناك الآن حالة «تكيّف» عربي مع ظواهر انقسامية خطيرة تنخر الجسم العربي وتمزّق بعض أعضائه، كما هو الحال أيضاً مع واقع الاحتلال والهيمنة، ومع أوضاع الفساد السياسي والاقتصادي التي وصلت في بعض البلدان إلى حد العفن غير أن من يعيشون فيها وحولها اعتادوا على رائحتها الكريهة. ولعل خير دلالة على اقتراب «المياه العربية» من درجة الغليان الحاصل على مراحل منذ ربع قرن تقريباً، هو تدنّي مستوى الشعارات المطروحة على المستويين الوطني والقومي. فبعدما كانت أهداف العرب في الخمسينات والستينات هي التوحد بين الأوطان، أصبح الهم الأساس الآن هو الحفاظ على وحدة كل وطن من خطر التشرذم والتقسيم. وبعدما كانت الحرية تعني تحرراً من الاحتلال والتسلط الأجنبي، أصبحت معايير الحرية تقاس الآن بمدى «الاستقلال» عن العلاقة مع دول عربية أخرى! كذلك بتنا نرى التراجع في مسائل العدل الاجتماعي ومحاربة الفساد وكيفية توزيع الثروات الوطنية. حتى على مستوى الحركات السياسية ذات الصبغة الدينية، فإن شعاراتها انتقلت من عموميات «الأمة» إلى خصوصيات المذاهب والاجتهادات، كما انتقل بعضها في أساليبه من الدعوة الفكرية إلى العنف المسلح وما يجلبه من ويلات لأصحاب هذه الحركات ولأوطانهم وللأمّة معاً. أما جيل الشباب العربي، فقد أضحى أسير أحد خيارين، أحلاهما مر له ولأوطانه: السلبية القائمة على مفاهيم فردية نفعية، أو الاندفاع نحو حركات فئوية تفرق ولا توحد، وبعضها يخدم كيد الأعداء، حتى وهو يصارعهم! إن العالم حتماً قد تغيّر، ومازال يفعل، ولن يجدي الآن البكاء على الأطلال، لكن المؤسف هنا أن المتغيّرات في المجتمعات غير العربية، أدت إلى أوضاع أفضل للأفراد والمجتمعات ولدور هذه الأمم في محيطها الإقليمي. هذا أمر نراه يحدث في دول أوروبا الشرقية وفي أميركا اللاتينية وفي دول آسيوية عدة، بينما تسير أوضاع العرب من سيئ إلى أسوأ. طبعاً هناك مسؤولية خارجية، وتحديداً أميركية، عن تداعيات الأمور في الحال العربي، إلا أن ذلك لا يبرّر حال التدهور ولا يبرئ المسؤولين العرب عنه في مختلف مواقعهم الرسمية والفكرية والسياسية. فالمنطقة العربية محكومة الآن بنتائج مزيج الخطايا من الداخل والخارج، بما صنعته الديكتاتوريات المحلية وبما تفعله سياسة الهيمنة الدولية الأحادية. المشكلة هي في انعدام الإرادة العربية المشتركة، وفي تقييد الإرادات المحلية الوطنية ورهنها لسياسات خارجية. إذ لا مشكلة عربياً في الإمكانات والثروات، ولا في العقول والخبرات وحجم الطاقة البشرية، بل هي مشكلة عدم التوظيف الصحيح لما تملكه الأمة من خيرات مادية وبشرية. في التجربة الأوروبية بعد سقوط المعسكر الشيوعي، خرجت ثلاثة نماذج من بين دول أوروبا الشيوعية: النموذج الألماني الذي اختار التوحّد بين شطري ألمانيا رغم الفوارق السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي نتجت من تقسيم ألمانيا لنصف قرن من الزمن. ثم ظهر النموذج التشيكوسلوفاكي الذي اختار الانفصال بين الدولة التشيكية والدولة السلوفاكية، لكن بواسطة الخيار الحر للشعوب وبالوسائل السلمية بين القوميتين اللتين كانتا معاً في دولة واحدة. أما النموذج الثالث الذي ظهر في أوروبا الشيوعية عقب انتهاء الحرب الباردة، فكان النموذج العنفي العنصري الذي خرج من صربيا ليحطم وحدة الدولة اليوغوسلافية وليمارس الحروب العنصرية ضد الكاثوليك في كرواتيا وضد المسلمين في كوسوفو والبوسنة، وليجلب الموت والدمار والتجزئة والتدخل الأجنبي على كل الأراضي اليوغوسلافية. طبعاً، لم تأخذ المنطقة العربية في مطلع التسعينات من القرن الماضي بالنموذج التوحيدي الألماني، بل عاشت المنطقة خطر احتلال بلد عربي لبلد عربي آخر حينما قام النظام العراقي السابق بغزو الكويت وضمها للعراق باسم المحافظة التاسعة عشرة! ولم تأخذ بعض الأطراف العربية بالنموذج التشيكوسلوفاكي (وهذا جيّد) لكن الحروب الأهلية حصلت خلال التسعينات في لبنان والسودان واليمن والجزائر والصومال، وما زالت تداعيات بعض هذه الحروب الأهلية مستمرة، إضافة إلى ما هو عليه حال العراق الآن. وكان التدخل الأجنبي في يوغوسلافيا عاملاً مهماً لوقف الحرب فيها ولمحاولة إعادة اللحمة بين قوميات وطوائف متنازعة. أما التدخل الأجنبي في البلاد العربية وفي أزماتها الداخلية فكان، ولا يزال، هو العامل الأهم في إشعال نار الأزمات وتأجيجها ودفع القائمين عليها نحو مزيد من الشرذمة والتقسيم. وها هي المنطقة العربية «تتكيّف» الآن مع كلّ هذه الحالات السلبية المنتشرة على أرض العرب من دون توفّر رؤية عربية مشتركة، ثمّ إرادة عربية مشتركة لمواجهة هذا الواقع وتغييره نحو الأفضل. إن التغيير المنشود عربياً لن يتحقّق على أيدي من يمنعون حدوثه محلياً وخارجياً. فالتغيير الإيجابي الذي حدث ويحدث في غير الدائرة العربية كان دافعه الأول هو مرجعيات شعبية سليمة اختارت أيضاً من يحكم باسم شعوبها ومن يقود حركة تغيير مجتمعاتها. وما أحوج الأمة العربية الآن إلى مثل هذه المؤسسات المدنية والمرجعيات الشعبية التي ترفض الواقع وتسعى إلى تغييره على أن يتم ذلك في إطار منظومة فكرية، تقوم على التلازم بين حسم الانتماء لوحدة الهويّة العربية وبين ضرورة التعددية الفكرية والسياسية في المجتمعات العربية، أي على قاعدة فكرية معاكسة لواقع الحال القائم الآن إذ تتصارع الهويات ضمن الدائرة العربية بينما تنعدم الأطر السليمة لتعدّد الاتجاهات الفكرية والسياسية. الأمّة العربية تحتاج إلى مؤسسات وحركات شعبية ترفض الواقع، لكن ترفض أيضاً تغييره بواسطة العنف والإكراه. الأمّة العربية بحاجة إلى تيارات فكرية وسياسية تصحّح الصورة السيئة والمشوهة عن العروبة والإسلام، فلا التطرّف باسم الدين هو الإسلام، ولا الديكتاتورية باسم القومية هي العروبة. الأمّة بحاجة إلى حركة عروبية ديموقراطية لا طائفية، تخلص لأوطانها وتعمل لوحدة مجتمعاتها، وليكون ذلك أساس ومعيار عملها لصاح الأمّة ككل. إنّ إدارة بوش وإسرائيل تعملان على تصنيف الحكومات العربية بين «معتدلين» و«مارقين»، وعلى توزيع الشعوب العربية بين مسلمين ومسيحيين، وسنّة وشيعة، وعرب وأقليات، بينما التصنيف الأصح هو: أن نكون بشراً نملك إرادة التغيير ونُحسن استخدامها، أو نكون ضفادع يدركها الموت بعد حين من عمر الأزمات!