من حظ العلمانية العاثر اختناقها داخلنا، أو ربما في قلب الصالات التي قررنا إغلاقها... ومن حظ "التفكير" أنه محتكر من "النخب" وحلقات البحث التي تبدو وكانها "فانتازيا" لكنها في النهاية تقدم صورة ليراها "الطرف الآخر" من النخب في أوروبا أو الولايات المتحدة. ومن "الطرافة" استعادة تاريخ الثقافة المعاصرة التي اختارت أن تبقى أسيرة "المقاهي الثقافية"، أو حتى الحلقات الصغيرة تعمد المراكز الثقافية أن تحاصر فيها الحداثة.

"العلمانية" ملاحقة منذ ظهورها من أوساط "المثقفين" أنفسهم، الذين يحاولون إعطاءها فضاء غريبا عنها، لأن العلمانية ليست حلقات بحث أو قراءة للتجربة الأوروبية.. وليست مساحة للاستماع لدرس تاريخي في المصطلحات والفوارق و "التموضع" التاريخي لهذا المصطلح.. فالتنظير للعلمانية وأي مفهوم آخر اقترن بالحداثة كان مترافقا مع حركة المجتمعات.

ما يربط "العلمانية" مع حقوق الإنسان، والأهم حقوق المرأة، أنها بقيت تبحث عن تيار يتحملها أو يفرضها واقعا في الحياة.. وفي حقوق المرأة والعلمانية فإن المسألة أعقد لأنها تمس "المعتقدات" حسب البعض.. ويبدو أن المثقفين قرروا بعد أكثر من نصف قرن على ظهور النهضة على اعتماد "الإغلاق" والدخول في "سرية" التعامل مع الثقافة.. فلم تظهر ثقافة النخبة.. بل ظهرت أزمة "النخبة" التي احتكرت الحداثة لذاتها، وعاشت في المجتمع بحلم "النجوم"..

ربما أستطيع أن أفكر من جديد بهذه العلمانية المشردة ما بين مراكز الأبحاث وأوراق النخب أو آرائهم.. وربما أستطيع رؤية "الحداثة" داخل زنزانة التفكير العقيم، لكنني في النهاية لا أستطيع سوى "فتح الأبواب".. لأن العلمانية أو الديمقراطية لن تكون أوراقا او كلمات في الجرائد، فهي تبدأ من قدرتي، أو قدرة أي شخص قرر التعامل مع الغد، على كسر الأبواب المغلقة للندوات التي تجمع نفس الأشخاص.. أو المؤتمرات التي تدعو نفس "النخب".. وكأن الحياة مقسومة بين فئتين منذ عهد المعتزلة...

عندما أجول في المؤتمرات والندوات أشعر أن مدينتي لم تتغير.. وأننا استبدلنا الحلقات المغلقة للفقهاء وعلماء الكلام بندوات "المراكز" ومؤتمرات "النخبة".. وربما تبنينا تقسيم "الإمام الغزالي" للناس بـ"العوام" و "الخواص و "خواص الخواص" .. لكننا مازلنا نتحدث عن المواطنة والديمقراطية والعلمانية و.. "الدولة".. افتحوا الأبواب لأن دخان سجائر المثقفين يخنق "الحداثة" نفسها.. فتحت الشمس يمكن أن تظهر العلمانية من جديد داخل أطفال يستطيعون أن يتحركوا دون حواجز أو أبواب أو علامات فارقة ما بين "المفكرين" و "الأساتذةة" والمواطن الذي لم يسمع عن أي مؤتمر داخل دمشق أو خارجها.