لم يفوت الرئيس الأمريكي جورج يوش الابن سانحة الذكرى الرابعة لغزو بلاده الدموي والمدمر للعراق. اغتنم سيد البيت الأبيض المناسبة لكي يعيد على طريقته المعهودة إنتاج مواقفه التليدة. إنها هي هي، كانت فرصة بحق لكي يُسِرّ للأمريكان أولاً، والعراقيين ثانياً، والعالم بعدهما، عن افتقار جعبته لثمة جديد يتوفر لديه يمكن له أن يطلعهم عليه، وأن يصر من جديد على أن ليس هناك ما يدفعه لأن يغيّر من توجهاته الرسولية الأولى إياها التي يستلهمها من السماء مباشرةً، أو يبدل من قناعاته الأيدلوجية المسبقة التي يوحي بها آلية مستشاروه من المحافظين الجدد والمسيحيين المتصهينين والصهاينة الخلص، هذا بدايةً، وسياساته، أو بالأحرى حماقاته، المترتبة على تلك التوجهات والقناعات واللاحقة عليها انتهاءً...احتفاء الرئيس الأمريكي بالمناسبة لم يتجاوز الثمانية دقائق، كرر فيها نفسه بجدارة ولخص من خلالها ما أراد قوله لكل من يهمه الأمر... قال الرئيس ما قاله، وكأنما هو في حديث مع نفسه، أو غير مبال لردود أفعال من يستمعون إليه، أو ربما كان مفترضاً أن لا عيون ولا أذان لهم تتابع ما يجري على ساحات العراق المنكوب الدامي الممزق المدمّر بفعل الغزو والاحتلال، أو أنهم لا ضمائر لهم، أو شهود زور إزاء هذه المذبحة الدائرة هناك التي تدخل عامها الخامس آتية على الدولة والهوية والبشر والحجر... قالها وفي ما قاله، للمرة الألف، درجة غير مسبوقة من الاستهانة بالعقول، بالإنسانية، بالعالم، بالأمريكان أنفسهم، بل تحد فج لكل هؤلاء... ومباشرةً للمتظاهرين في تلك اللحظة في نيويورك، وكل جنبات العالم، أو كثير من شوارع عواصمه... اللهم إلا العواصم العربية... قال:

لن انسحب من العراق... وعليه، فإن على الأمريكان أن يتحلوا بالصبر الجميل ما استطاعوا إليه سبيلا، وأن يعتصموا "بالشجاعة والتصميم" ما أمكن، أي، وبلغة أخرى، أن لا يعترضوا على حروبه ضد مجهول أو معلوم أولاً، أو يملّوا ذرائعه وتبريراته لشنها ثانياً، أو يشتكوا من تكاليفها المادية والبشرية ثالثاً، أو يصعّدوا من رفضهم وتصديهم لسياسته الإمبراطورية الرعناء، أو توجهاته الأيدلوجية الهوجاء التي ساقاتهم إلى متاهات بلاد الأفغان وأوحال أرض السواد رابعاً. وبالتالي فإن الورطة الأمريكية المستشرية هناك يمكن اختصارها "بوشياً" بأنها إنما هي مجرد "قتال صعب لكن يمكن الفوز فيه"!

ولأن الفوز في هذا القتال، أو هذه الحروب على أعدائه الوهميين في أربع جنبات الكون، ليس بالأمر أو الاستنتاج الذي يوافقه عليه أغلب الأمريكان، وربما كل العالم، فقد بسّط الأمر، كعادته، لشعبه على الوجه التالي:

إنه "إزاء تحديات الحرب" قد يبدو لكم، وأنتم في رأئي لاشك مخطئون، أن "قرار حزم الحقائب والعودة للديار خيار مغري، قد يرضينا على المدى القصير، إلا أنني أؤمن بأن انعكاساته على الأمن الأمريكي ستكون مدمرة"... بعبارة أخرى، أنا جورج بوش الابن لن أستجيب لرغباتكم، ولن أبه باعتراضات ديموقراطيي الكونغرس، أو أستمع إلى همهمات النخب الأمريكية الحذرة مما جرّته جموحاتي الامبراطورية وأيدولوجيتي الاستباقية، ومهمتي السماوية على صورة وهيبة وسطوة ومصالح وحتى مستقبل الولايات المتحدة... ومني هاكم مجدداً ذات الفزّاعة التليدة التي عودتكم أن لا أَملَّ يوماً من تكرارها، واعذروني لإخافتكم بها مضطراً منذ أربعة أعوام:

إن الانسحاب من العراق ستكون "انعكاساته على الأمن الأمريكي مدمرة"... ومن ذلك، أنه إن انسحبنا من هناك فربما سيتعلق الارهابيون خلسةً في بعض مراسي حاملات الطائرات العائدة إلى ديارنا ويتمكنون بالتالي من الوصول إلى شواطىء ميامي!!!

... أما للعراقيين، والعرب عموماً، والمنطقة إجمالاً، وحيث لا ينفع معهم إلا الوعيد والتهديد وصولاً إلى الابتزاز، فأقول: إنه إن جلونا عن العراق وأدرنا ظهرنا للمنطقة، فلسوف تخلفنا رياح "الفوضى" الزاحفة لا محالة... الفوضى باحتمالاتها الخطرة المتعددة التي لا تخرج عن التوصيفات والتوظيفات الأمريكية لها، أكانت بنّاءة أم هدّامة أم طائفية... المهم هو أن بديلنا الذي سوف نأتمنه بعدنا على المنطقة، هو ،إلى جانب إسرائيل، هذه الفوضى... هذا الداء الذي سوف يستشري متنقلاً من العراق المريض كنتيجة لأفظع احتلال عرفه التاريخ إلى من يظنون أنفسهم الأصحاء في الجوار... قال بوش: إن رحلنا فلسوف ينتشر "الإرهابيون" في الشرق الأوسط "كمرض معدٍ" ... وعندما قال هذا، لم يكلف نفسه عناء التدقيق في معنى "الإرهابيين" وأصنافهم أو تصنيفاتهم الأمريكية، أو أقله لم يذكر من الذي أوجد البيئة المناسبة لاستثارة وانتشار هذا الذي يدعوه بالوباء، الذي يحذر منه، أو في الجوهر يهدد به، وبغض النظر عن التدقيق فيما يعنيه مثل هذا المصطلح المسمى ب"الإرهاب"، المراد أن يظل غامضاً او يتوخى عدم الدقة المقصودة لهذه التصنيفات المرغوب تعميمها دون مناقشتها! الرئيس الأميركي، وربما وحده، أو يشاركه فحسب المالكي، رئيس وزراء عراق ما بعد الاحتلال، ورئيس الوزراء الأسترالي جون هاورد، الذي عاد مؤخراً للعراق "أكثر تفاؤلاً"، ولا ننسى طبعاً حليفه المخلص طوني بلير رئيس الوزراء البريطاني، لاحظ في العراق هذه الأيام "المزيد من التقدم... هذا ما قاله في الدقائق الثمان المخصصة للمناسبة، وبشّر نفسه ولم يلتفت إلى همهمة من يسمعه: "ستكون هناك أيام جيدة وأخرى سيئة" في العراق... ولم يكتف بهذا، بل عاد ليؤكد ما كان سيؤكده أو سبق وأن أكده في المناسبات المتعلقة بمسلسل الخطط الأمنية التي نفذها جيشه المحتل في العراق أو سينفذها مستقبلاً... أكد على ضرورة الخطة الأمنية الجديدة التي أطلقها منذ شهر، وتتوالى إخفاقاتها ودمويتها فصولاً... أطنب في تأكيد ضرورتها "لبناء الديمقراطية" في أطلال العراق المحتل، هذه الخطة التي يرى أنها "لا تزال في بداياتها"، وان كانت عنده تحمل "بوادر تبعث على الأمل"... لم يقل الرئيس بوش ما هذه البوادر وما هو نوع ذاك الأمل الذي سوف تبعثه في نفوس العراقيين، بيد أنه زفّ للأمريكان نبأ ساراً مفاده أن المالكي أخبره هاتفياً من المنطقة الخضراء في بغداد بأن هذه الخطة "لا تزال في مراحلها الأولى، والنجاح سيستغرق أشهراً وليس أياماً أو أسابيع" ... بالمناسبة المالكي يقول لمن يهمه الأمر: إن "العنف الطائفي انتهى" في العراق!!!

خطاب الرئيس بوش، أو كلمته الجامعة المانعة هذه، والتي لم تستغرق من وقته الثمين سوى ثمان دقائق فقط لا غير، كان نوعاً من إعادة التأكيد مجدداً لمن قد يساوره الشك في إصرار الرئيس بوش على كل المعروف عن الرئيس بوش... على تجاهل كامل لما جرّته أربعة أعوام عجاف من مآسٍ على بلد أعيد بإرادة أمريكية مبيتة إلى حقبة ما قبل التاريخ... تنفيذاً على ما يبدو لتهديد جيمس بيكر الشهيرة لطارق عزيز قبيل الغزو... أربعة أعوام احتلال أتت على كل دعائم ومقومات الدولة العراقية، عبث بالهوية الوطنية زارعاً بذور النبات الشيطاني للطائفية البغيضة ومتولياً أمور إيقاظ الفتن بين العراقيين إلى ما شاء الله... تجاهل لسقوط كافة ذرائع تسويق وتبرير الغزو الذي كان خروجاً فاقعاً على الإرادة والمواثيق والقوانين والأعراف والقيم الدولية، وتمت أكبر عملية ابتزاز للعالم بأسره لتسهيله، حولته أو قسمته إلى معسكرين، إما معي أو ضدي... فرزته ما بين مارقين أو ملتحقين أو مستضعفين أو يؤثرون السلامة ويتجنبون الندامة... أربعة أعوام: مليون ضحية عراقية ومليون نازح عراقي داخل العراق، ومليونا مهاجر خارجه... أربعة أعوام من الغزو المذبحة... من احتلال لإرادة أمة بكاملها... احتلال كان مباشراً تارة، أو عبر الضغوط والابتزاز والترهيب، وإلا فالحصار متعدد الوسائل والاستهدافات بديلاً للحصار يضرب على باقي قلاعها الممتنعة تارة أخرى...

في ثمانية دقائق من وقته الثمين احتفى الرئيس الأمريكي بأربعة أعوام هولاكية بامتياز، تنضح بالتخبط وتتسم بالفشل وتعبق بروائح الجثث وتكتظ بصور الخراب والدمار وبرك الدم... لم يأب الرئيس المحتفي بما ينعته به المتظاهرون في نيويورك والعالم من صفات أقلها كان "عدو الشعوب"... ولم يقتنع، هذا الذي لم يقرر وينفذ غزو العراق ليخرج منه، بأن الاحتلال العسكري مهما طال لبلد مقاوم للغزاة حتام سيحمل عصاه ويرحل إن آجلاً أو عاجلاً... سيرحل دون أن يتمكن من تأمين نوع من احتلال سياسي مستحيل يخلفه... لعله هنا تماماً يكمن سر الورطة وتراجع المشروع وجوهر المأزق الإمبراطوري!