لا تشهد الاجتماعات السياسية على المستوى الدولي نفس المساحة من "التوافق" التي تبديها "الاجتماعات" العربية، فالمسألة بالنسبة للقمة العربية القادمة تتجاوز "قبول" مستوى "الإجماع" الذي يظهر في التصريحات الرسمية، أو حتى رفض التحليلات التي تتحدث عن الأزمات العالقة، او القضايا التي ربما تسبب خلافات على مستوى "البيان الختامي" أو حتى الأداء السياسي للنظام العربي عموما. فالقمة القادمة في الرياض تخرج عن إطار جمع الملفات العالقة في سلة واحدة كما كان يحدث سابقا، وخلق توافقا ولو لفظيا في البيان الختامي. وقمة الرياض اليوم لا يمكنها كسر المعادلة السابقة داخل النظام العربي، لكنها في نفس الوقت تنعقد على إيقاع مساحة من الحركة الدولية، دفعت وزير الخارجية الأمريكية للاجتماع بالرباعية وبرؤوساء أجهزة استخبارات بعض الدول العربية.

فالآليات السياسية قبل القمة تشير إلى إن الولايات المتحدة متواجدة بشكل فعلي داخلها، فرايس موجودة بفعل حركتها السياسية، وتتعامل مع اهم ملفين يمكن ان يثيرا جدلا على مستوى الخطاب السياسي على الأقل في الدول العربية، فهي حاولت تقديم دفعة من الثقة، عندما اعلنت ان رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهودا أولمرت ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس سيلتقيان دوريا كل أسبوعين مرة، مستبقة أي تأكيد لقمة حول مسألة المبادرة العربية.

ومن جانب آخر فإن قمة الرياض لا تحمل نفس الصورة التي ظهرت قبل احتلال العراق لكنها على الأقل تنعقد بنفس "الروح"، فمن المستبعد ظهور الأزمات بشكل حاد في خطاب الرؤوساء. وهي أيضا لن تحمل إيقاع قمة الجزائر التي أقنعت الجميع أن اجتماع الرؤوساء هو تحصيل لمجموع السياسات العربية، وليس حوارا عاما ينتج استراتيجيات على المستوى العربي.

عمليا فإن المشكلة الواضحة ضمن الأجواء الدبلوماسية ليست في "الخلافات العربية"، بل في محاولة "عزل" الأزمات عن مساحات الحل التي يمكن أن توفرها اللقاءات العربية المشتركة، بحيث يبدو اجتماع الرؤوساء وكانه نتيجة لتبريد الأجواء بدلا من ان يؤدي اللقاء بذاته إلى التوصل لتفاهمات معينة حول المواضيع الشائكة. وغالبا ما تؤدي هذه عملية إلى تأجيل الحوار، وترك التحركات العربية مفتوحة على احتمالات متنوعة من تطور الأزمات أو ظهور الخلافات. ورغم ان الخلافات العربية كانت واضحة تماما قبل أسبوعين من القمة لكنها اليوم موضوعة ضمن "العنواين العريضة" لصيغ التوافق، بينما يتم ترك التفاصيل، أو حتى علاقة القرارات العربية مع التحرك الدولي، وعلى الأخص الولايات المتحدة، خارج إطار التعامل المباشر، فقمة الرياض قامت عمليا بـ"تعليق" الأزمات وفق خطين:

-  الأول عبر دبلوماسية عربية حاولت الدخول إلى المسألتين الفلسطينية واللبنانية، وذلك للحد من ظهور الخلاف بشكل مباشر في أعمال القمة، سواء فيما يخص المبادرة العربية، أو مسألة الحل السياسي للوضع في لبنان. وعمليا فإن الموضوع الفلسطيني تم تطويقه واحتوائه على المستوى الفلسطيني الداخلي، ولكنه مؤهل للتفاقم إذا لم تستطع المبادرة العربية أن تخلق حركة دبلوماسية باتجاه التسوية، وهو أمر مازال حتى اللحظة غير محسوم، وربما يذكرنا الوضع الحالي بما حدث بعد طرح المبادرة العربية في قمة بيروت، عندما انهى شارون كل الاحتمالات السياسية لهذه المبادرة عبر اقتحامه لجنين ومخيمها. وإذا كان من الصعب على أولمرت القيام بمثل هذا الأمر لكن الدبلوماسية الأمريكية توحي بانها قادرة على الدفع بهذا الدور سياسيا على الأقل.

-  الثاني ظهر في التحرك الدولي لتأمين "هامش تحرك" للمسائل الثلاث الأساسية بالنسبة للنظام العربي، فالولايات المتحدة تمسك عمليا بخيوط الوضع الفلسطيني واللبناني والعراقي، ومن الصعب التعامل مع هذه الملفات دون الدخول بشكل مباشر مع الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وتظهر هنا لقاءات رايس قبل القمة على أنها تحديد لهذه "الهوامش"، أو إيضاح لطبيعة المسؤولية التي يمكن أن تتبناها "القمة العربية بالنسبة للمواضيع الثلاث. فعمق الأزمات الثلاث يبقى معلقا بانتظار حسم الصراع السياسي في الولايات المتحدة حول وجود الجيش الأمريكي والعراقي، ومن جانب آخر فإنه ينتظر انفراجا سياسيا على مكستوى الإسرائيلي يتيح لحكومة جديدة متحررة من إخفاقات حرب تموز على التحرك سواء نحو التسوية او التصعيد.

ربما تبدو القمة العربية مصرة على "مبادرتها" التي أطلقتها في قمة بيروت، لكن هذه المبادرة تم تجاوزها اكثر من مرة، ولا يمكنها الظهور بنفس الشروط حتى ولو احتفظت بنفس بنودها السابقة، فالسنوات الماضية حملت تبدلات جوهرية لا يمكن اليوم التعامل معها على بنفس الأساليب والآليات السابقة.

مصادر
سورية الغد (دمشق)