‏ الكفاح العربي سعاد جروس

في جدل ثقافي حاد كان لافتاً, وصفَ شاعر الإنسان الأمي بأنه نصف إنسان, بل والأصح بمرتبة متدنية جداً لا تستحق صفة الإنسان, لأنه لا يمتلك المعرفة الثقافية والوعي الذي يجعله بمصاف البشر الحقيقيين!! وعلى الرغم من أن هذا الرأي مرَّ ضمن مجموعة كبيرة من الأفكار بعضها من الشرق وبعضها من الغرب, طرحت بما يشبه «القطش واللحش» من هنا وهناك من لوازم الجدل الثقافي المتناثر والمتفاقم في هذه الأيام, إلا أنها الفكرة التي كانت الأكثر نتوءاً في الجلسة, وتنبه إلى تطرف مرعب في الخطاب الثقافي, لا يتورع عن نفي صفة الإنسانية عن الشخص الجاهل أو الأمي البسيط, ونسف كل ما يمكن اعتباره خبرة حياتية يكتسبها المرء بتحسسه الفطري للحياة والمحيط من حوله, في تحقير ثقافي ينطوي على عنصرية مشينة تنزع عن الإنسان غير المتعلم أو القارئ أو المطلع صفته الإنسانية!! لمجرد أنه غير قادر على قراءة النتاج الثقافي!! وهو ما يمثل بالمقابل يقظة ساخرة للتعرف إلى ماهية هذا المنتج الثقافي العربي الراهن الذي نطالب جماهير الأميين بقراءته كي يصبحوا بشراً... مثلنا!! بنظرة تأملية لا تحتاج الى عناء بحثي نكتشف أن المشكلة الجوهرية في النتاج الثقافي الراهن, أنه لا يتملك قيمة معرفية تضاف إلى حركة المعرفة الحضارية في العالم المتقدم. ومعظم النتاج العربي من الثقافة ما هو إلا اجترار لمعارف الغرب أو إعادة إنتاج سيئة الصنع للموروث الثقافي والتاريخي. ضمن هذا الركام الذي يبدو هائلاً, لا نكاد نعثر على إضافات حقيقية تخص مجتمعاتنا في مجالات الفكر والفلسفة والإبداع والعلوم التطبيقية, أو إسهامات تمتلك قدرة فعلية على محو أميتنا المعرفية بما يدور حولنا, هذا قبل التنطع لمحو أمية الجماهير الغفيرة. وليس سراً أن حركة النشر المعرفي القائمة على التأليف والترجمة تعاني عرجاً مرعباً, فحركة الترجمة غير الناشطة لا تواكبها حركة تأليف نوعي ولو على المستوى ذاته. ففي حين نرى كتب الأبحاث والدراسات المعمقة, غالباً مترجمة, نلاحظ طغيان التكرار والاجترار على تأليف الكتب. وإذا استثنينا الرواية العربية التي تشهد فورة موضة كاذبة, حتى أن شعراء وصحفيين من الجنسين انقلبوا إلى روائيين مجاراة لحركة السوق والتسوق. مما أحدث ضجيجاً استهلاكياً, وكأن الجودة هي في رقم المبيعات فقط. ومع هذا لم تخف مبالغات دور النشر, الركود الإبداعي في المجالات الأخرى, من حيث تكاثر كتب تعتني بتجميع مقالات صحفية وغيره تحمل عناوين لموضوعات رائجة, لكن يا ترى هل تحقق المستوى المطلوب؟ فيما لم يتجاوز عدد الأدباء في الشعر والرواية والقصة من ذوي التجارب الابداعية التي تشكل إضافة حقيقية الى الأدب العربي وحتى العالمي عدد أصابع اليدين ضمن جمهور عريض جداً من الأدباء والشعراء, ولا تزال الساحة فارغة إلا من بعض الأسماء الكبيرة. والأمر يزداد سوءاً في المسرح والسينما. فعدا ما تنتجه مصر بين فينة وأخرى من أفلام قليلة ذات مستوى مرموق إبداعياً خارج حركة الأفلام التجارية, نكاد لا نلحظ جديداً في السينما العربية والتي تبدو استنساخاً رديئاً ومتردياً للسينما العالمية. أما المسرح فلا يفتأ محبوه وعشاقه من التغني بتأبينه ليل نهار في عملية جلد لذيذة, أمست مملة وممجوجة... إلخ من خراب ثقافي مرعب, تبين الطريق فيه أشبه بالخوض في رمال متحركة, وكأنما لا خلاص يرتجى في حركة نهضوية تنبع من داخلنا. يكمن الخلاص, حسب التشخيصات الرائجة, في الالتحاق بالغرب والاندماج في خط سير الحضارة العالمية. وأصحاب هذا الرأي على يقين أنه لن يتم ذلك دون التخفف من العقل الغيبي المستغل سياسياً واجتماعياً على أسف وجه, والمحدد لسقف التفكير والإبداع. وعلى الرغم مما ينطوي عليه هذا الرأي من صحة, بالإضافة إلى أنه مريح رغم عدم أمانه, لا بد من اختلاف معه من ناحية إصراره على إلغاء الذات من أجل التماهي مع الآخر, وكذلك أساسيات مواجهة العقل الغيبي, إذ لا يمكن تجاهل المشكلة الأساسية التي تعوق اكتساب المعرفة المنشطة للتفكير, والتي هي مشكلة التعليم والعلاقة مع اللغة الحاملة لهذه المعرفة, فعدا الفقر المدقع في تعلم اللغات الأخرى, وتفشي الأمية, هناك تدهور فاضح في العلاقة مع اللغة العربية المفترض أن تكون بالأساس الحامل المعرفي للثقافة, إذ يجري انتهاكها وتحطيمها وإقصاؤها يومياً, لتغدو اللغة المحكية المهجنة هي الحامل لثقافة استهلاكية سريعة التحضير والتوزيع والانتشار والنسيان, من خلال استفراد الإعلام العربي المرهون للأنظمة الشمولية والرأسمال التجاري بعمليات التثقيف وبناء الوعي العام في عملية تعبوية لا تكرس العقل الغيبي فقط, وإنما تلغي العقل تماماً, في ظل شبه غياب أو عزل للثقافة المعرفية على علاتها, تجعل المثقف يتيماً أعزل في محيط أمي تحكمه علاقة تنابذ تعيث في الخراب خراباً, في منطقة لا يراها العالم المتحضر سوى سوق مثالية لتصريف فائض إنتاجه في كل شيء. والمفارقة أن الأنظمة وحلفاءها من رؤوس الأموال العربية لا تضيرها هذه الرؤية, طالما لا تتعارض مع بقائها, بل لا تتوانى عن الانخراط فيها كشريك يمسك بمقود السلطة ومصادر المال, من خلال تحويل المنطقة إلى مركز لتقديم الخدمات وتصريف البضائع على حساب الإنتاج, بزعم الانفتاح الاقتصادي, دون حصول تمثل لهذا الانفتاح سوى بالاستثمارات السياحية الهائلة والمناطق الحرة, فيما تسجل الصناعات العربية تراجعاً مطرداً, كونها تتقدم نحو الخلف في حين الصناعة في العالم تلهث نحو الأمام. وثمة دراسات اقتصادية أميركية تقول بأن الإمارات أكبر سوق لتصريف البضائع الأميركية!! والإمارات بما تحتله اليوم من مكانة اقتصادية تعتبر بوابة للأسواق العربية. ضمن هذا الواقع لا بد من التساؤل أين يقف المثقف, وأي حركة ثقافية تتيح لشاعر في لحظة نزق وبطر نزع صفة الإنسان عن الأمي لمجرد أنه لا يقرأ €هذا إذا لم نتذكر أن أغلب أمهاتنا لم يقرأن ولم يكتبن€, فيما تتنزع السياسيات الدولية والمحلية فعلياً كل مقومات الأنسنة عن البشر جميعهم متعلمين وأميين وتحولهم إلى مستهلكين مستلبين في منطقة تحتل قلب العالم, بدل أن تقوده وقعت في براثن نزاعاته وجشعه.