الرأي العام / صبحي غندور

تشهد المنطقة العربية جملة من التحرّكات الدولية والمؤتمرات الإقليمية الساعية كلّها إلى التعامل مع أزمات قائمة الآن في العراق وفي فلسطين ولبنان. ويتزامن هذا التحرّك الديبلوماسي الدولي مع استمرار أزمة الملف النووي الإيراني الذي أصبح بوابة التصعيد أو الحل في مستقبل العلاقات الأميركية - الإيرانية. لكن، ما الذي دفع بعجلة التحرّك أن تتحرك الآن من أجل البحث عن تسويات لأزمات يهدّد كل منها عموم المنطقة بأخطار جمة؟ أعتقد أن الفشل في الخيارات الأخرى هو العامل الأساس في بدء مسيرة البحث عن تسويات. فالإدارة الأميركية تسعى الآن إلى ترميم فشلها الكبير في العراق الذي جعلها عاجزة عن تحقيق مكاسب في قضايا أخرى بالمنطقة. وهناك استحقاقات سياسية داخلية في الولايات المتحدة تضغط على إدارة بوش من أجل تغيير المسار الفاشل لسياستها في العراق. فلو لم تكن هناك مرجعيات دستورية تراقب وتحاسب، ولو لم تكن هناك قيمة لدور الرأي العام الشعبي، لما اضطرت وتضطر إدارة بوش للتراجع النسبي عن أجندتها وعن أساليبها في إدارة شؤون السياسة الخارجية الأميركية، وكذلك إلى إقالة بعض رموز هذه السياسة التي قادت أميركا والعالم خلال الأعوام الستة الماضية. وكما فشلت إدارة بوش في حربها على العراق، فشلت إسرائيل أيضاً في حربها الأخيرة على لبنان، إذ عجزت آلة التدمير العسكرية الإسرائيلية عن تحطيم المقاومة اللبنانية وعن إضعاف «حزب الله»، رغم كل الوحشية العدوانية الإسرائيلية التي استمرّت لخمسة أسابيع وشملت معظم المناطق والمرافق اللبنانية. أيضاً، لم تنجح إسرائيل حتى الآن، رغم الدعم الكبير من إدارة بوش، في استثمار حربها على لبنان من أجل إحداث فتنة داخلية لبنانية تضعف المقاومة سياسياً، وتدفع بلبنان وبالمنطقة إلى حروب أهلية طائفية ومذهبية تستند إلى ما حدث ومازال يحدث في العراق، وإلى ما هو سائد من أجواء مسمومة لإعادة رسم خريطة المنطقة. أما على الجانب الفلسطيني، فإن الفشل الإسرائيلي قد تكرّر أكثر من مرة في الأعوام الماضية. فلا خطة شارون التي أعلنها بعد وصوله للحكم عن إمكان تدمير المقاومة الفلسطينية خلال مئة يوم، ولا سياسة العزل والاغتيالات والتهجير والتدمير قد حققت أي منهما أهدافها. كذلك الأمر في تكرار الفشل مع حكومة أولمرت والسياسة المدعومة من واشنطن تجاه الحكومة الفلسطينية التي تقودها حركة «حماس». وقد أسقط اتفاق مكّة الأخير، بين جناحي السلطة الفلسطينية، المراهنة الإسرائيلية - الأميركية على حرب أهلية فلسطينية، وأقام حكومة وحدة وطنية فلسطينية أصبح العالم مجبراً على التعامل معها. ثلاثية الفشل الراهن في سياسة إدارة بوش تجاه كل من العراق ولبنان وفلسطين، تكتمل الآن من خلال العجز الحاصل في كيفية التعامل مع الملف الإيراني رغم الحشد الرقمي المتصاعد في قرارات مجلس الأمن. فواشنطن تدرك أن المشكلة مع إيران لا تُحل بمزيد من القرارات، بل بأحد طريقين: الحرب أو التفاوض. وحتى الآن تتجنّب إدارة بوش خيار الحرب على إيران بسبب محاذيره العسكرية والسياسية والاقتصادية على أميركا وعلى المنطقة والعالم عموماً، وتجد إدارة بوش نفسها أمام الخيار الآخر (أي التفاوض) من دون جاهزية بعد من الطرف الإيراني الذي مازال يحاول تحسين أوراقه التفاوضية رافضاً القبول حتى بتجميدٍ موقت للتخصيب النووي. وتدرك إدارة بوش أن «رباعيات الفشل» الحاصلة الآن من غزّة إلى طهران مروراً ببغداد وبيروت، لا يمكن معالجتها وتصحيحها من خلال «رباعية دولية» أو «رباعية عربية»، وبأنّ هذه الأزمات القائمة الآن في منطقة الشرق الأوسط تحتاج إلى مفاوضات جديدة ثمّ إلى تسويات عملية. لكن «رقصة تانغو» التسويات تحتاج إلى جاهزية «الراقص» الآخر وليس فقط لجوقة الموسيقى القائمة الآن. فالطرف الإيراني لم يلمس بعد أي تحوّل عملي في الموقف الأميركي رغم «رسائل التحية» التي وردت عبر أكثر من وسيط عربي أو دولي، ورغم أيضاً المحادثات المباشرة التي جرت في المؤتمر الإقليمي - الدولي الأخير في بغداد، والذي سيشهد ترفيعاً في مستوى المشاركين خلال المؤتمر المقرّر عقده في الشهر المقبل. طبعاً، يدرك المستهدفون سلباً من قبل إدارة بوش في منطقة الشرق الأوسط (وهم رباعية: إيران، سورية، «حزب الله»، وحركة «حماس») أنهم في حالة «دفاعية»، وبالتالي، فإن حركتهم المعارضة للسياسة الأميركية تتوقّف على طبيعة هذه السياسة وأهدافها وأساليبها، وبأن المتغيرات إن حدثت في الجانب الأميركي، فإنها تستدعي متغيرات في المواقف أيضاً. كذلك تدرك الأطراف الرباعية المستهدفَة أن صمودها كان مهماً في كل الأعوام الماضية، لكنها غير قادرة الآن على التقدم أكثر مما فعلت. أي أنها وصلت إلى الحد الأقصى الممكن في هذه المرحلة، وهو الصمود وعدم التراجع أمام حجم الضغوطات الكبيرة التي مارستها واشنطن ولاتزال بالتعاون مع إسرائيل وأطراف دولية ومحلية. لكن هذا الجدار الكبير الدفاعي الذي تقف خلفه «رباعية المستهدفين»، هو الجدار نفسه الذي يمنع حركتها للأمام بحكم الظروف والمعطيات القائمة دولياً وإقليمياً ومحلياً. وهذه المفاوضات المقبلة، واللقاءات والمؤتمرات الجارية، والتحرّك الديبلوماسي الدولي والأميركي في المنطقة، لن يؤدي أي منها إلى صفقة شاملة لرباعية الأزمات القائمة الآن (العراق - فلسطين - لبنان - الملف النووي الإيراني)، بل إن الآمال المرجوة من هذه المفاوضات العلنية والسرّية هي تفكيك الأزمات وفك الارتباط بينها وحل ما أمكن منها من دون المراهنة على صفقة شاملة لكل القضايا. مما لا شك فيه أن تسوية ما لأي من الأزمات ستكون قوة دفع إيجابية لتسوية الأزمات الأخرى. من هنا كان اتفاق مكة مدخلاً مهماً لإعادة تركيز الأنظار على الملف الفلسطيني، وستكون نتائج القمة العربية في الرياض هي المدخل لإعادة الاهتمام الدولي للصراع العربي - الإسرائيلي وتحديد مصير التسويات المطلوبة على الجبهات الفلسطينية والسورية واللبنانية. المراهنة الأميركية الآن هي إما على انضمام إيران إلى مطبخ إعداد التسويات (بشروط أميركية)، وإما على عزل طهران عن طريق تسوية أزمات معنيّ بها حلفاء رئيسيون: سورية، «حزب الله»، وحركة «حماس»!