الكفاح العربي / سعاد جروس

أبلغ تعليق ممكن على ما جرى بخصوص الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مصر, وينطبق أيضاً على عمليات الاستفتاء في عالمنا العربي القديمة والقادمة عموماً؛ أغنية مطربتنا الحلبية الرائعة ميادة بسيليس: €كذبك حلو€أحلى شي فيك أنه كذبك بيتصدق هيك خليك€ كذبك حلو€. فحين نعلم أن أي تعديلات دستورية أو قانونية من أي نوع كانت, حتى الخنفشارية منها التي تقترحها الأنظمة الحاكمة من المحيط إلى الخليج هي بحكم النافذة بمجرد اقتراحها, وعلى الأصح قبل عرضها على البرلمانات ومجالس الشعب والأمة والنواب, لإقرارها ومن ثم طرحها على الاستفتاء الشعبي؛ هي في المحصلة خطوة إلى الأمام. أما هذه فكيف تكون الخطوة نفسها إلى الخلف؟! هذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا كانت أنظمتنا شرعية بنسبة تتجاوز الـ200€ وقلبها لله وعلى الشعب, فهي من منطلق كرم الأخلاق, تستأنس برأي الشارع وممثليه, بدليل ما قاله رئيس مجلس الشورى المصري صفوت الشريف بأن «الحزب الوطني لديه أغلبية تفوق 75 €في مجلس الشعب, وهي أغلبية مريحة وكانت حاسمة في التعديلات»!! إذاً الأمر منته, وكل صخب المعارضة وعمليات التشييع الشعبية التي قام بها الطلاب لجنازة أم الدنيا مصر, ليست أكثر من تنويع احتجاجي حضاري وإن كان مأسوياً على الديمقراطية بنسختها العربية المعدلة, المزيدة والمنقحة, الموثقة بصناديق اقتراع شفافة تؤكد الشفافية الشفيفة, التي تتيح لبعض الأصوات المخالفة بالعلو والجعجعة مع قليل من الطحن, لذر الطحين في عيون العزيزة كوندي في حال أبدت قلقها من مسيرة الإصلاح, كي لا تعود هي أو غيرها من الحشريين الدوليين لدس أنوفهم بين «بصلة» السلطة الرحيمة وقشرتها من الشعب المرحوم. خصوصا, أن هذا الشعب اثبت على الدوام أنه عند حسن ظن ونيات أربابه, ولم يحدث أن رفضت غالبيته ما تمليه عليه السلطة, بل تقبله وتُقبل عليه راضية مرضية, واثقة بأحكام حكام خصتهم العناية السماوية بحكمة ربانية ميزتهم عن سائر البشرية. بدليل ابتكارهم بين الحين والآخر لأساليب غير مسبوقة في دفع الجماهير نحو الزهد بنوافل الدنيا وسفاسفها, والتفرغ للعبادة والتعبد البريئين من الجهاد, فقط للاستعانة بالله على الصبر والتصبر. وهاهي مصر تكسب قصب السبق بين سائر الأنظمة العربية في اختراع تعديلات دستورية ليست سوى فشخة واسعة على طريق الألف ميل لرفع قانون الطوارئ نهائياً, تلبية لنداءات المعارضة المبحوحة, بحيث يُضمَّن قانون الطوارئ سيئ الصيت في بنود الدستور ويصبح من صلبه, أي أننا انتهينا من الطوارئ كتقنية منفردة, وبعدها أخو أخته من الشباب الطيبة من يتجرأ على خرق الدستور!! فالتغييرات التي رفضتها المعارضة المصرية ووافق عليها نواب الغالبية المريحة, ثبتت قوانين الطوارئ كمواد دستورية خاصة ضمن المواد 88 و179, حيث تتيح المادة 179 اعتقال المشتبه فيهم وتفتيش ومراقبة منازلهم والتنصت على مكالماتهم من دون الحصول على إذن قضائي!! كما يلغي تعديل المادة 88 من الدستور إشراف القضاء على صناديق الاقتراع وفقاً لقاعدة قاضٍ لكل صندوق, لينص القانون الجديد على تشكيل لجنة عليا مستقلة. وسواء نجحت أو لم تنجح هذه التجربة الرائدة, لا بد أن تشكل نموذجاً قابلاً للتعميم عربياً في عدة طبعات بمقاسات عديدة من €S الى 10 XL€ حسب كل بلد ومقاس نظامه, لتعزيز ديمقراطية مبتكرة محلية الصنع غير مستوردة, بعدما تبين بالدليل العراقي الدامغ أن ديمقراطية بوش الهوجاء لا تعني سوى الدمار والخراب ونشر الإرهاب. ولن يستبعد في القريب العاجل غير الآجل أن تبدأ الأنظمة الأوروبية بسرقة بنات أفكارنا الديمقراطية جداً, ولاسيما ان الاستعدادات تكشف عن ارهاصات لا تخفي نفسها في قوانين الهجرة والتجنيس ومكافحة الإرهاب التي بدأ العمل بها في أميركا وبريطانيا وفرنسا, والفضل كل الفضل في ذلك لحكمة إدارة بوش وحروبها الاستباقية التوسعية, التي بدل أن تدفع الشعوب العربية عقداً أو عقدين إلى الأمام أعادتها إلى الخلف عشرات القرون. وأصبح حالنا, العراق نموذجنا حيث يُصفى على أرضه ثأر تاريخي. وفي هذا الوقت تفكر مصر بالعودة إلى النظام الملكي, أو هكذا تتهم التعديلات الدستورية, بما يعني أن مسيرة أكثر من نصف قرن من الثورة والحروب التحررية ومحو آثار النظام الملكي, عادت إلى المربع الأول. وكما بدأنا, وكي نخفف الضغط على القارئ, سنرافق السياسة بالغناء, ونُكمل مع أغنية بسيليس: €تارينا رجعنا متل ما بدينا€عم تلغي ماضينا اللي بعدو عايش فينا€عم تنسى متل كأننا ما رحنا ولا جينا€. وهكذا على خطى مصر القدوة, سيسير كثيرون كما سبق وساروا خلف عبد الناصر, ومن ثم خلف السادات إلى كامب ديفيد, وما أحاط المسيرتان من تطبيقات على السياسات الداخلية والاقتصادية, فهم السابقون والعربان لاحقون إلى حتفهم الاميركي. إلا أن ما يزيد القهر ومرارة الصبر هو أن الأنظمة تعرف ما تريد وأهدافها واضحة, لكنها تصر على الاستفتاءات الشعبية, لا حباً بشرعية لا تحتاج اليها من شعوبها, بل طمعاً برضا أميركا وشركائها الدوليين, والذين بدورهم يكذبون على الجميع ويدفعونهم إلى حيث تتحقق مصالحهم أولاً. فعلاً, حسب بسيليس التي رافقتنا: €كذبك حلو€ و لكن لا أمل فيك.